بعد أن كانت في البداية من بين البلدان التي تمكنت من مواجهة جائحة كورونا أول فترة انتشارها، تعود الأوضاع في تونس لتسوء من جديد وتنذر بكارثة محققة، إن لم يتم التسريع بالإجراءات اللازمة لمجابهة الوباء.

تشهد تونس أسوأ مراحل انتشار وباء كورونا، حيث ازدادت أعداد الإصابات والوفيات بنسق سريع، ووسط مخاوف شعبية أنذر مسؤولون من إمكانية وقوع تسونامي كورونا. ما جعل اتخاذ إجراءات جدية وسريعة أمراً ضرورياً لإنقاذ البلاد.

وبالتأمل في تجارب البلدان التي تخطت نوعاً ما مرحلة الخطر وتمكنت من السيطرة على انتشار الفيروس، فيظهر بشكل واضح، أن المسؤولية في هذه الظروف تقع مناصفة على عاتق الجميع، مواطنين ومسؤولين.

إلا أنه رغم ما أقرته السلطات من إجراءات، فإنها تبقى وفق الكثيرين غير كافية لمجابهة وضع حساس، قضى على حياة الكثيرين، وأضعف إمكانيات الدولة في وقت لا تزال تعاني فيه من تداعيات أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.

كارثة حقيقية

ضمن موجة تفش جديدة وصفها مسؤولون بالكارثية، سجلت عدة ولايات تونسية إصابات مختلفة بسلالات هندية ونيجيرية، وفي هذا الإطار صرح وزير الصحة فوزي المهدي لوسائل إعلام محلية يوم الاثنين 28 يونيو/حزيران الجاري أنه جرى تسجيل 18 إصابة بالسلالة الهندية في ولايات مختلفة، إضافة إلى تسجيل إصابة بالسلالة النيجيرية، في وقت امتلأت فيه أقسام الإنعاش بالمستشفيات في كامل البلاد.

وفي السياق ذاته صرح عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا أمان الله المسعدي، بأن خطورة السلالة الهندية والسلالة دلتا تكمن في سرعة انتشارها وإصابتها للفئات الأصغر سناً مقارنة بالسلالة العادية، ما سيسبب حتماً إشكالية في طاقة استيعاب المستشفيات للعدد الكبير من الإصابات وذلك في وقت قصير.

وكشفت إحصائيات نشرتها وزارة الصحة لاحقاً أنه جرى تسجيل 3524 إصابة جديدة أواخر شهر يونيو/حزيران الجاري، ليرتفع بذلك عدد الإصابات منذ بداية انتشار الجائحة في مارس/آذار 2020 إلى حوالي 407017 إصابة. وهي أرقام تُحدّثها الوزارة بشكل دوري ويومي وتُظهر ارتفاعاً مخيفاً في نسبة التحاليل الموجبة يومياً، وارتفاعاً في نسب الوفيات، التي بلغت وفق البلاغ الرسمي الذي نشرته الوزارة 83 وفاة جديدة بالفيروس، ليصل إجمالي الوفيات المُبلغ عنها إلى حوالي 14737 حالة.

وأثارت الأرقام التي أفصحت عنها وزارة الصحة فزعاً شديداً لدى الشارع التونسي، وتفاقمت المخاوف من عدم قدرة السلطات التونسية على مجابهة انتشار الوباء.

من يتحمل المسؤولية؟

أمام الارتفاع المخيف لنسبة الإصابات والوفيات بفايروس كورونا وتزامناً مع ظهور السلالات المتحورة منه والأكثر خطورة، دعا رئيس الحكومة التونسي هشام المشيشي أعضاء اللجنة العلمية لعقد جلسة عاجلة للتباحث حول الحلول الممكنة للسيطرة على موجة التفشي الجديدة، والقرارات والإجراءات التي يمكن اتخاذها في ذلك.

وكانت السطات قد أصدرت قراراً بغلق المناطق التي ترتفع فيها أعداد الإصابات إلى ما بين 300 و400 شخص لكل ألف ساكن. وكان من بين هذه المناطق والتي جرى فرض إغلاق تام فيها وحجر شامل، ولاية القيروان وزغوان وباجة وسليانة، التي وجهت نداءات استغاثة إلى السلطات التونسية، للتدخل العاجل لإنقاذ المواطنين، معتبرة أن كارثية الوضع الوبائي فيها مقابل تجاهل وتهاون السلطات وعدم اتخاذها التدابير الكافية، يعد انتهاكاً لحقوق الإنسان.

ولكن رغم الجهود المبذولة للطاقم الطبي منذ أكثر من سنة، ورغم تكثيف عدد المستشفيات الميدانية، إلا أن مؤشرات الوضع الوبائي في تونس تصنف بالمرتفعة جداً، ولن تتمكن الإجراءات الحالية من إيقاف هذا التسونامي.

وفي السياق ذاته تكاد تجمع جميع الأطراف على أن تكثيف حملات التلقيح ضد فيروس كورونا تعتبر الحل الأنجع والمنقذ في الفترة الحالية، ومع ذلك لا تزال حملات التطعيم بطيئة جداً، وسجلت بعض المناطق إقبالاً ضعيفاً لتلقي اللقاح، ووفق تقارير رسمية لم يتجاوز عدد الذين تمتعوا بجرعتين من اللقاح حوالي 500 ألف شخص.

وعلى المستوى ذاته، إن كانت المسؤولية تقع بدرجة أولى على عاتق السلطات التونسية، في توفير العدد الكافي من اللقاح وتدعيم البنية التحتية لقطاع الصحة، واتخاذ الإجراءات الصارمة اللازمة، فإن ذلك لا ينفي المسؤولية الشعبية في التصدي للجائحة، وفق رأي أطباء وأعضاء اللجان العلمية، وذلك باحترام التدابير الوقائية والالتزام بالإجراءات والقوانين.

بدوره أشار عبد اللطيف المكي وزير الصحة السابق، والذي انتشر اسمه كثيراً السنة الماضية في تحقيقه نجاحاً في السيطرة على الموجة الأولى لتفشي الوباء، إلى مجموعة من الإجراءات التي يجب على الحكومة التونسية ووزارة الصحة اتخاذها، للتصدي لانتشار العدوى وإنقاذ المصابين. ومن بين الإجراءات التي نصح بها المكي، بذل الجهد الكافي لاقتناء عدد أكبر من التلاقيح وتشجيع المواطنين على التسجيل في حملات التطعيم، إضافة إلى تكثيف عدد المستشفيات الميدانية في كل ولاية والإسراع بتنفيذ حجر شامل وعام.

لكن، ما زاد الغضب الشعبي، هو استمرار حالة النزاع والتجاذب السياسي بين الفرقاء السياسيين ومؤسسات السيادة في وقت تمر به البلاد بأحلك فتراتها، من أزمة اقتصادية تكاد تعصف بكل التجربة التونسية واحتجاجات مستمرة على خلفية تدهور الأوضاع الاجتماعية واحتقان شعبي، لتزيد كارثة تفشي فيروس كورونا وعجز السلطات عن مواجهتها، الأمر سوءاً.

TRT عربي
الأكثر تداولاً