أثارت العمليات الانتحارية التي استهدفت مجموعة من الفنادق والكنائس في سريلانكا العديد من التساؤلات عن هوية المنفذين ودوافعهم، وردود الأفعال عليها، والجهات المستفيدة منها.

كيف تعاملت الدولة مع الحدث

فور وقوع الهجمات قامت الحكومة بإعلان حالة الطوارئ، وحجب خدمة الإنترنت وأعلنت حظر التجوال، ومنع طقوس العبادة في المساجد والكنائس في أيام نهاية الأسبوع.

كما أعلنت تعطيل المدارس لمدة يومين، ومنعت استخدام الطائرات المسيرة، وباشرت قوات الأمن البحث عن عبوات أخرى استطاعت تفجير إحداها دون أضرار، واعتقلت عدداً من المشتبه بهم بلغ الآن أكثر من 160 شخصاً.

كما أنشأ الرئيس مايتريبالا سيريسينا لجنة خاصة للتحقيق في الهجمات، عيّن على رأسها رئيس المحكمة العليا المتقاعد فيجيت مالال جودا، كما أعلن الرئيس كذلك، عن إنشاء محكمة عسكرية خاصة بصلاحيات واسعة على غرار ما كان يحصل أثناء الحرب الأهلية.

مظاهر القصور الأمني

ذكرت صحيفة الإندبندنت أنّ تنظيم داعش يخطط لهذا العملية منذ قرابة ثلاثة أشهر. فيما أكد وزير الاتصالات هارين فيرناندو أن المخابرات السريلانكية كانت على علم بالتحذيرات الخاصة بالهجمات ولكنها لم تتخذ إجراءات مناسبة، رغم ورود اسم زهران هاشم في التقرير الأمني الذي أهملته قوى الأمن السريلانكية. وقد صرّح حلمي أحمد نائب رئيس مجلس مسلمي سريلانكا أنّ منظمته حذرت الحكومة 3 مرات من أن زهران كان يغذي مشاعر الكراهية في خطبه عبر الإنترنت كان آخرها في شباط الماضي.

أين الهند من المشهد

من الشائع في سريلانكا، وصف الهند بالأخ الأكبر، وذلك لقوة النفوذ الهندي في البلاد، وقد تبيّن أنّ الاستخبارات الأجنبية التي ورد ذكرها في تصريحات الرئيس السريلانكي والتي قامت بتحذير الاستخبارات السريلانكية من احتمالية حصول الهجمات، هي الاستخبارات الهندية حسبما كشف موقع "لايف مينت" الهندي، وهو ما تناقلته وسائل إعلام أخرى منها CNN، كما أكد الموقع من مصدر أمنّي لم يصرح باسمه، أنّ التحذير جاء على إثر اعتقال ستة أشخاص كانوا يخططون لعمليات في جنوب البلاد وربما في سريلانكا، كما اكتشفت وكالة التحقيقات الهندية في 26 شباط الماضي، وأنّهم كانوا على علاقة مع جماعة التوحيد الوطنية.

فيما، صرّح رئيس الوزراء الهندي أكثر من مرة، في نفس يوم التفجيرات، كما ذكرت صحيفة تايمز أوف إنديا، أنّ الهند تقف إلى جانب سريلانكا وأنّ على الناخبين الهنود أن يختاروا حزبه إن كانوا يريدون أن يأمنوا من الإرهاب، كذلك قال سوبرامنيان سوامي أحد مرشحي الحزب الحاكم لانتخابات مجلس النواب التي تجري حالياً في الهند، بأنّ الهند بحاجة إلى حزبه إن كانت تريد أن تأمن من هجمات على غرار هجمات سريلانكا.

تأثير الهجمات التفجيرية على الداخل السريلانكي

من المتوقع أن يكون لهذه التفجيرات أثر بالغ السلبية على الاقتصاد السريلانكي والذي يعاني من صعوبات جمة نتيجة حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي، والنزاع بين رئيس الدولة ورئيس وزراء، والمديونية العالية التي أوشكت أن ترهن اقتصاد البلاد للصين، وخصوصاً قطاع السياحة، وهو ما سيسدد ضربة مؤلمة لهذا القطاع الهام ويشوه صورة سريلانكا كوجهة مفضلة للسياح.

كما طفت الخلافات مجدداً بين رئيس الوزراء والرئيس الذي يكاد يتحكم بالمشهد الأمني والسياسي بشكل شبه كامل، وسط اتهامات للحكومة بالتقصير بأداء واجباتها، ما أدى لوقع هذه الأحداث المؤلمة، وهو ما دعى الرئيس إلى أقالة الرئيس السيريلاني لرئيس الشرطة ومسؤولاً رفيعاً في وزراة الدفاع نتيجة لعدم مشاركتهم إياه التحذيرات التي وردت قبل العملية وقصورهم في التعامل معها.

تأثير الهجمات على مسلمي سريلانكا

من المرجح أن هذه الهجمات ستؤدي إلى دق إسفين بين الأقليات الدينية، وتضعف موقفها أمام الأغلبية السنهالية، وستؤدي إلى عزل المسلمين عن بقية مكونات المجتمع وتحولهم إلى طرف منبوذ، وربما نشهد مزيداً من التضييق الحكومي على مؤسسات المسلمين الاجتماعية والاقتصادية وتحجيم دورهم السياسي، ومحاولة فصلهم عن بقية العالم الإسلامي، وهو ما سيؤدي، إن حصل، إلى تراجع دورهم من أقلية هامة، إلى أقلية مهمّشة على جميع الصعد.

سياق الهجمات وطبيعة المنفذين

كان من الواضح أنّ الهجمات الإرهابية التي تعرّض لها مسجدان في نيوزيلاندا قبل أسابيع قليلة، خلطت الأوراق بشكل كبير، وأنّها كانت مسألة وقت حتى يبادر طرف ما لاستغلال الحادثة، ليقوم بعملية إرهابية وتوظيفها ضمن سياق ثأري. الأمر الآخر أنّ هناك تشابهاً بين نيوزيلندا وسريلانكا من عدة جوانب، فهما بلدان لم يعرف عنهما من قبل انتشار النزاعات الدينية (الحرب الأهلية التي ضربت سيريلانكا قبل عقود كانت على أساس عرقي وليس ديني)، ولذا فإنّ استهدافهما ربما يكون لأنّهما بلدان صغيران قد لا يملكان من القدرات الأمنية ما يمكنهما من معرفة الجاني الحقيقي الذي يقف خلف الحادث، ومعاقبته إن تمّ الوصول إليه.

من جانب آخر ما يلفت الانتباه في هذه التفجيرات هو سعتها حيث غطت شرق ووسط وغرب سريلانكا، ووقعت متزامنة أو في أوقات قريبة، وشارك فيها عدد من المنفذين مستخدمين كمية كبيرة من المتفجرات. هذا يدلل على أن من يقف خلف العملية لديه قدرات مالية ولوجستية كبيرة، ومعرفة تفصيلية لمسرح العمليات، وأنّ العمل قد تمّ التخطيط له منذ مدة طويلة، وأنّه على مستوى عال من المهنية.

أما فيما يتعلق بالمنفذين، فقد نشر فيديو وبيان منسوبان إلى تنظيم داعش تظهر فيه مجموعة محلية تتبنى العملية، ويظهر الفيديو المنفذين المزعومين يلبسون ثياباً جديدة ومتشابهة كزي موحد، كما كان يحصل في فيديوهات إعدامات داعش الشهيرة والتي لفتت انتباه العالم حينها بحرفيتها إلى درجة جعلت كثيراً من الخبراء يشككون بصدقيتها.

ومن الأشياء التي تستدعي الانتباه هو اختيار المنفذين لهذا التوقيت بالذات. فقد ظهر أن المجموعة قد آعلنت ولاءها لزعيم داعش أبو بكر البغدادي قبل وقت قصير من حدوث العملية، وفي الوقت الذي خسر فيه التنظيم جميع الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق. وهنا يبرز السؤال الكبير: لماذا تبايع هذه المجموعة بهذا الوقت وهي تقطن في بقعة نائية؟

على أي حال، ما زالت صلة المنفذين مع داعش محل استفهام، فلم يثبت إلى الساعة أنّ لهم صلات مباشرة مع التنظيم، كما أن بيان داعش لم يذكر أسماء المنفذين، بل كناهم بألقابهم، وهو ما يحمل أحد الاحتمالات بأن تنظيم داعش غير مطلع على تفاصيل الهجمات بل اعتمدت في تبني العملية على الفيديو الذي نشره زهران، ولا يعرف إن كان تصريح وزير الصحة، راجيتا سينراتنا، بأنّ الهجمات مرتبطة بشبكة دولية ولا يمكن أن يكون محلية، تشير إلى العلاقة مع داعش حصراً أم جهات مخابراتية.

من يقف خلف الهجمات ومن المستفيد منها؟

كل هذه الملحوظات ترفع احتمالية وقوف جهات أمنية إقليمية وربما عالمية نافذة خلف تفجيرات سريلانكا، بهدف نشر الكراهية الدينيّة وتوظيفها في سياقات سياسية، وهو أمر متوقع مع صعود التيار اليميني عبر العالم، والذي يتزعمه بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، حيث يتجلى توظيف كراهية الإسلام في الحملات الانتخابية التي تقودها الأحزاب اليمينية عبر العالم وسيتم استخدام هذه الأحداث دون شك، من قبل اليمين الذي يقتات على زرع الخوف والكراهية للوصول إلى الحكم والبقاء فيه.

المصدر: TRT عربي