مثلت احتجاجات السترات الصفراء دليلاً على تكاملية وسائل الإعلام الإلكترونية في دعم عمليات التحرر والانعتاق الإنساني في وجه قوى التحكم الاجتماعية والسياسية. وهي مثال يدعم أصحاب النظرة التفاؤلية إلى الإنترنت على حساب أصحاب النظرة التشاؤمية.

لقد كانت الانتخابات الأميركية عام 2016 لحظة فاصلة في التصور الذي كان سائداً عن الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة ودورها في دعم التحول نحو المجتمعات الديمقراطية الحرة؛ فقد أظهرت هذه الانتخابات عقم هذا التصور ومدى سذاجته. فبعد أن شكلت هذه التكنولوجيا الأداة الأساسية التي دعمت وصول الرئيس دونالد ترمب إلى سدة الحكم عبر عملية تحايل إلكترونية شاملة قادتها روسيا وفق ما أشارت إليه الكثير من التقارير، فإن المرء لم يعد قادراً على التفاؤل بدور الإنترنت في عملية التحرر الإنساني من الأنظمة الشمولية، وآليات التحكم المجتمعية.

لقد كان انتخاب الرئيس دونالد ترمب من القضايا الرئيسة التي استُخدمت في التدليل على تنامي النزعات التشاؤمية لدور الإنترنت والسوشيال ميديا في دعم النظم الدكتاتورية؛ فجوهر تلك العملية كان يقوم على الاستغلال الموجَّه للناخبين، فلم يعد يُنظر للناخب على أساس المواطنة بل على أساس المتاجرة وبذلك غدا عبارة عن زبون أكثر منه مواطن يبحث عن تعزيز حقوقه عبر عملية انتخابية تفرز الأكثر كفاءة من السياسيين والأقدر على إدارة الشأن العام.

ففي أثناء تلك الانتخابات أصبحت الحملات الانتخابية تستهدف المواطن بإعلانات موجهة ليس الغرض منها تسليط الضوء على البرامج الانتخابية بقدر العمل على التأثير في وعيه من خلال رسائل مدفوعة الأجر، في غالبيتها لا تمت للحقيقة بصلة، وهو ما دفع قاموس أوكسفورد إلى إدخال مصطلح ما بعد الحقيقة Post-truth إلى معجمه واعتبارها كلمة الموسم، وهو مصطلح يستخدم للتدليل على التضليل والمعلومات الكاذبة.

وبالرغم من أن تسليع الإنسان هو النهج الذي اتبعته الرأسمالية طيلة قرون، غير أن الظاهرة الجديدة في التسليع تختلف في نطاقها الاجتماعي على ما يراه الكثير من الخبراء؛ حيث لم تعد تتمحور حول الفروقات الطبقية؛ بين طبقة الرأسماليين، وطبقة البروليتاريا؛ فعملية التسليع الجديدة أزاحت هذه الطبقية، وجعلت من المواطنين على اختلاف طبقاتهم وشرائحهم هدفاً لها، الأمر الذي عزز من الفجوة بين الذين يحكمون وبين المَحْكومين. كما أنها –أي عملية التسليع– لم تعد تقتصر على الأبعاد المادية كما في التفسير المادي للماركسية، بل على الأبعاد الثقافية، وهو الأمر الذي يجعل من ضررها غير مقتصر على الحالة الاقتصادية المتعلقة بوسائل الإنتاج، بل يتعدّاها إلى الحالة الاجتماعية المتعلقة بكيفية التعايش، وتقبل الآخر، والوجود في حيّز مُسالم.

إن النظرة الموضوعية إلى هذه القضية ترى أنه في الوقت الذي يُعدُّ الاستغراق في التفاؤلية ضربٌ من السذاجة، فإن الاستغراق في التشاؤمية هو نكران للواقع.

فمن الصعب أن ينكر أحدهم ما للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من دور في عملية التحرر والانعتاق عبر مساهمتها الجوهرية في العملية التفاعلية المجتمعية Social Intersubjectivity والتي نتج عنها إحداث وسائل وآليات جديدة في التحشيد والاحتجاج. ربما يكفي النظر قليلاً إلى الوراء والتمعن بمظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا وكيف ساهمت الإنترنت في العمل الثوري أو التحرري لمقاومة الوضع القائم، والانتفاض في وجه الأحكام الاستبدادية، ومظاهر الفساد، ومحاولة خلق فضاءات سياسية وثورية بديلة تعكس حالة من الفاعلية الجديدة داخل المجتمع بين قواه الحية.

لم تكن "السترات الصفراء" ظاهرة جديدة؛ فهي امتداد للحركة الخضراء في إيران، ولثورات الربيع العربي، ولثورة "يوروميدان" في أوكرانيا، وهي كلها احتجاجات ساهمت فيها شبكة الإنترنت، ومواقع السوشيال ميديا بقسط كبير من نشر المعلومات والدعوة إلى التحشيد والانتفاض.

ويكاد يجمع المختصون في علوم "الإنترنت الاجتماعي" إلى أن قوة شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في الفعل الاحتجاجي تكمن في ثلاثة مستويات مترابطة ومتداخلة بشكل كبير فيما بينها وهي: القدرة العالية على الوصول والانتشار؛ والتحايل على "الزمنكان" وهو المصطلح الذي يدل على انتفاء الزمان والمكان عند الحديث عن شبكة الإنترنت وتطبيقاتها؛ وأخيراً، القابلية التكاملية. وتفرض هذه المستويات المتداخلة على المراقبين الإبقاء على نظرتهم التفاؤلية في دور الإنترنت في الانعتاق والتحرر الإنساني. وهي نظرة ينبغي أن تكون حذره لتلافي الإفراط في التفاؤل حدَّ السذاجة.

من بين المستويات الثلاثة يحظى المستوى الثالث المتعلق بالتكاملية بين الوسائل الاتصالية الإلكترونية باهتمام خاص من قبل علماء الاجتماع؛ حيث تستفيد هذه الوسائل من خاصية التشبيك التي تتسم بها شبكة الإنترنت لتشكل تحالفاً أداتياً قادراً على اختراق الحدود التنميطية بغرض تشكيل وحدة هيكلية تواصلية واحدة تعمل على نحو تكاملي لتحقيق هدف مشترك.

ومن الجدير ذكره هنا هو أن ما يجعل هذه التكاملية أكثر فاعلية هو قدرة هذه الوسائل سواء الجديدة منها أو التقليدية على العمل سوياً ضمن نظام واحد لدعم الانتشار والوصول والتأثير؛ فعلى سبيل المثال تستفيد الوسائل التقليدية التي تعتمد على الأقمار الاصطناعية كالفضائيات من وسائل التواصل الاجتماعي في سرعة الوصول إلى المعلومة، بينما تستفيد الأولى من الفضائيات في إسباغ نوع من المصداقية على المعلومات التي تنقلها، وهو الدور الذي تساهم فيه أيضا الموقع الإلكترونية لكبريات الصحف العالمية بقسط كبير؛ فكلنا يتذكر الدور المحوري الذي لعبته شبكة الجزيرة القطرية، وبعض الصحف العالمية مثل واشنطن بوست الأميركية، ولوموند الفرنسية في نشر الأخبار القادمة من ميادين الثورات إبان أحداث الربيع العربي. وبناء على ذلك فإن وسائل الإعلام الجديد لم تشكل بديلاً عن وسائل الإعلام التقليدي بالمعنى الحرفي للكلمة، بل شكلت امتداداً لها ضمن فضاءات جديدة تكتسب طبيعة مغايرة مع المحافظة على المضمون الموضوعي إلى حدّ كبير.

وللتدليل على الخاصية التكاملية لوسائل الاتصال والإعلام في الفعل الاحتجاجي يبرز المثال المتعلق باحتجاجات أصحاب السترات الصفراء في فرنسا. وفي هذا الصدد فقد نشر موقع BuzzFeed.News بتاريخ 6 ديسمبر/كانون الثاني 2018 تقريراً يشير فيه إلى تفاصيل بداية الاحتجاجات، ودور الانترنت فيها.

تستفيد هذه وسائل الاتصال والإعلام الإلكترونية من خاصية التشبيك التي تتسم بها شبكة الإنترنت لتشكل تحالفاً أداتياً قادراً على اختراق الحدود التنميطية بغرض تشكيل وحدة هيكلية تواصلية واحدة تعمل على نحو تكاملي لتحقيق هدف مشترك.

نبيل عودة

ففي شهر يناير/كانون الثاني من العام الماضي، بدأت تظهر على الساحة الفرنسية مجموعات إلكترونية على موقع الفيس بوك عُرفت بمجموعات "الغضب" للاحتجاج السلمي ضد السلطات المحلية على خلفية ارتفاع تكلفة المعيشة. كان أحد الذين أسسوا هذه المجموعات "عامل بناء برتغالي يُدعى لياندرو أنطونيو نوغيرا". وسرعان ما اكتسبت هذه المجموعات زخماً ملحوظاً؛ فمجموعة نوغيرا وحدها "ضمت ما يقرب من 90 ألف عضو".

وليس من باب المصادفة أن أحد أهم الأسباب وراء تفجر شعبية هذه المجموعات هو تزامنها مع التحديثات التي أعلنت عنها شركة فيسبوك حول سياستها الخوارزمية الجديدة على Facebook’s News Feed والتي من شأنها أن تمنح "الأولوية للأخبار الجديرة بالثقة، والغنية بالمعلومات، والتي تتناول بالأساس الشأن المحلي". أرادت فيسبوك من هذا التحديثات مكافحة حملات التضليل، والمعلومات الخاطئة، والاستقطاب السياسي. لقد باتت أولوية الظهور للمقالات التي ينشرها الأصدقاء والمقربون، وأفراد العائلة، خصوصاً في الشؤون ذات الاهتمام المشترك التي تتعلق بمجتمعاتهم المحلية.

لقد ساهمت هذه التحديثات بانتشار سريع ومذهل لمجموعات الغضب في أرجاء القطر الفرنسي. وقد ظهرت على فترات متقاربة مجموعات غضب تحمل "أرقاماً دالة على المقاطعات الفرنسية من قبيل Anger 24، وAnger 87". ولم تقتصر تحديثات الفيسبوك ذات النزعة المحلية على آلية انتشار المعلومة بل وعلى طبيعتها أيضا؛ فقد كان ملاحظاً بشكل كبير أن الاحتجاجات التي دعت إليها هذه المجموعات كانت ذات طبيعة محلية متعلقة بتلبية بعض الاحتياجات الخدمية التي تمس المواطن المحلي مثل "إصلاح قانون العمل، والحد من السرعة على الطرق المزدحمة، أو اقتراح لتحسين آليات التطعيم المحلية للأطفال حديثي الولادة".

وقد مهَّدت هذه الاحتجاجات المحلية الأرضية لنمو الاحتجاج على المستوى الوطني، وذلك مع تدخل عوامل أخرى كان لها دور تكاملي في بناء منظومة الاحتجاج الفرنسية؛ ففي مايو/أيار قامت امرأة تدعى "بريسكيليا لودوسكي" تبلغ من العمر 32 عاماً وتسكن في ضاحية Seine –et-Marne بزيارة موقع Change.org وقامت بوضع عريضة بعنوان: "لانخفاض أسعار الوقود في المضخة!". ويوفر موقع change.org منصة إلكترونية للقيام بحملات سواء لجهة معالجة بعض المشاكل، أو دعم بعض الشخصيات الاعتبارية، وذلك من خلال حشد المؤيدين والوصول لصناع القرار بهدف إيجاد الحلول المطلوبة أو تحقيق الأهداف المرجوة.

بالعودة إلى لودوسكي، فإن عريضتها لم تحصل طيلة أربعة أشهر على ذلك القدر الكبير من الاهتمام إلى أن حدث وتلقت دعوة من راديو محلي للحديث عن عريضتها، وذلك بشرط إذا اجتازت 1500 توقيع. كتبت لودوسكي هذا الخبر على صفحتها على الفيسبوك. وفعلا تم دعوتها للحديث على الأثير، وقامت صحيفة محلية بكتابة خبر عن المقابلة على صفحتها، ومع 50 ألف مشترك على صفحتها في الفيسبوك فقط تم مشاركة المقال من قبل 500 شخص والكثير من المشاركات المحلية، الأمر الذي أدى إلى حصول عريضة لودوسكي على دعم كبير وصل إلى 10 آلاف توقيع. تلقّفت صحيفة Le Parisien (وهي من الصحف اليومية) الحدث وكتبت مقالاً حول العريضة ومقدار الاهتمام الذي باتت تحظى به. وقد ساهم هذا المقال بدعم العريضة بشكل مذهل؛ حيث قفزت التواقيع لتصل إلى ما يقرب من 225 ألف في نهاية أكتوبر 2018.

لم يأت اهتمام الصحف اليومية، وبقية الإعلام الفرنسي بهذه العريضة من فراغ، فالانتشار المحلي لها، وخضوعها للتداول على نطاق واسع بين شرائح السكان في المقاطعات المحلية أدى إلى أعمال احتجاجية على أرض الواقع؛ فقد قام اثنان من سائقي الشاحنات بتنظيم فعاليات احتجاجية تحت مسمى "الإغلاق الوطني ضد ارتفاع أسعار الوقود" أدى إلى مظاهرات محلية وإغلاق للطرق. وقد تلقت مجموعة أخرى من مجموعات الغضب خبر عريضة لودوسكي وقامت بكتابة عريضة مشابهة على الصفحة الفرنسية في موقع MesOpinions، ونظراً لزيادة الوعي الشعبي بهذه الأحداث، والزخم الذي باتت تحظى به هذه العرائض فقد وصل عدد الموقعين على العريضة الثانية إلى 160 ألف بزمن قياسي، وقد تمت مشاركتها على صفحات الفيسبوك للمواطنين المحليين حتى حظيت بتفاعل وصل إلى 17 مليون تقريباً.

لقد مثل تسلسل هذه الأحداث على الكيفية التي تكاتفت بها وسائل التواصل الجديدة، كالسوشيال ميديا، مع الوسائل التقليدية كالراديو والصحف اليومية عبر مواقعها الإلكترونية ليشكلوا منظومة متكاملة لتحريك الجماهير الغاضبة. دائماً هناك أسباب تدعو للغضب، والنهوض في احتجاجات للمطالبة بتعديل أو تغيير الأمر الواقع. إن لهذا الغضب دوافع كامنة كثيرة ليس منها وسائل الاتصال والإعلام والتي يقتصر دورها الأداتي على التحفيز المتضمن لسرعة نقل المعلومات والصور والبيانات. وهو دور لا يمكن التقليل من أهميته. لقد باتت تتكاثر الأبحاث والدراسات التي تشير إلى أن التحالف التكاملي لوسائل الاتصال والإعلام في الفضاء الافتراضي من شأنه أن يقلب الموازين، ويحدد الأجندات، ويدفع بالمبادرات إلى الأمام، وهو ما يعيد تشكيل موازين القوى داخل المجتمعات، ويبرز لاعبين جدداً على الساحة السياسية من شأنهم أن يحدِثوا تغييرات جوهرية على الوضع القائم أو القيام بما تمليه الضرورة من تحسينات تستلزمها الحياة الكريمة وتحقيق الذات والاعتراف بها.

المصدر: TRT عربي