على الرغم من الإعلان عن وقف استخدامها سنة 1939، استمرت عمليات الإعدام بواسطة المقصلة في فرنسا بشكل سري حتى حدود عام 1977 حين أعدم المهاجر التونسي المدان بالقتل حميدة الجندوبي.

لا يزال تاريخ الإعدام باستخدام المقصلة من أكثر المحطات المسيئة التي تلاحق الثورة الفرنسية إلى اليوم. وقد اختلف حينها الفرنسيون بين اعتبارها أداة قتل رهيبة وبين من اعتبارها الوسيلة الأكثر رحمة، بخاصة مع انتشار الأساليب المروعة لتنفيذ أحكام الإعدام في حق المدانين بجرائم مختلفة.

ومع مرور نحو 44 عاماً على تاريخ تنفيذ آخر عملية إعدام باستخدام المقصلة في حق التونسي المهاجر حميدة الجندوبي المتهم بالقتل، تعود الذكرى بالجميع إلى ظروف ابتكار هذه الآلة التي أنهت حياة الكثيرين حتى صدر قرار بوقف استخدامها عام 1981 بشكل نهائي.

التاريخ المروع للمقصلة

"بهذا الجهاز أجعل رأسك تقفز أمامك بحركة بسيطة من دون أن تتألم"، بهذه السخرية المأساوية اقترح الطبيب الفرنسي جوزيف إجناس غيلوتين ضمن مشروع إصلاح العقوبات عام 1789، استخدام المقصلة أدة وحيدة لإعدام المجرمين والمدانين. وذلك بعد أن كانت الطرق الشائعة في فرنسا حتى ذلك التاريخ، مروعة ووحشية. ويعتبر أبرزها القتل بالوتد والحرق والعجلة والصلب والإيواء، التي تُربط فيها أطراف السجين بأربعة ثيران ثم تدفع الحيوانات في أربعة اتجاهات مختلفة لتمزيق الضحية.

المقصلة من أكثر وسائل الإعدام الشائعة في فرنسا خلال الثورة الفرنسية (Others)

وبعد الاقتراح الذي تقدم به غيلوتين بعامين حدد قانون العقوبات لعام 1791 في فرنسا أن "أي شخص يُحكم عليه بالإعدام سيقطع رأسه". فأصبحت بذلك المقصلة رمزاً للقتل القانوني للمدنيين المدانين منذ الثورة الفرنسية.

ونفذ أول حكم للإعدام باستخدام المقصلة في 25 أبريل/نيسان عام 1792 في ساحة غريف في باريس بحق نيكولاس بيليتييه المدان بالعنف أثناء السرقة. وأجريت على هيكلها العديد من التعديلات، وقطعت آلاف رؤوس الفرنسيين في مشاهد تحبس الأنفاس في الساحات العامة، وكان من بين ضحاياها الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت الذين أُعدما عام 1793 بتهمة الخيانة العظمى ضد جمهورية فرنسا الجديدة.

وتشير الإحصائيات إلى أن نحو 40 ألف شخص نفذ فيهم حكم الإعدام بواسطة المقصلة، منهم 3 آلاف شخص على الأقل قطعت رؤوسهم تحت نصل الآلة المرعبة في شهر واحد خلال الثورة الفرنسية.

واستمر استخدامها بعد ذلك بشكل علني حتى عام 1939 حين كان القاتل يوجين فايدمان آخر المحكومين الذي يواجه هذه العقوبة في الساحات العامة. واستمر منذ ذلك الحين تنفيذ العقوبة بشكل سري وبوتيرة أقل حتى سبعينيات القرن الماضي.

محاكمة يوجين فايدمان بتهمة القتل (Others)

حميدة الجندوبي.. آخر الإعدامات

كان آخر استخدام حكومي للمقصلة في 10 سبتمبر/أيلول 1977 عندما أعدم المهاجر التونسي حميدة الجندوبي.

وولد الجندوبي بتونس عام 1949 ثم هاجر بعد ذلك إلى فرنسا ليستقر بمدينة مرسيليا. تعرض لحادث في مكان عمله أفقده ثلثَي ساقه اليمني عام 1971. وبعد مرور نحو سنتين على الحادثة ادعت إيليزابيث بوسكيه الفتاة فرنسية البالغة من العمر 21 عاماً أن الجندوبي أرغمها على ممارسة الدعارة ليحاكم بالسجن.

وعندما أتم عقوبته وأطلق سراحه احتجز جندوبي الفتاة الفرنسية في منزله وعذبها بطرق وحشية انتقاماً منها على وشايتها ضده. لينهي حياتها في إحدى الغابات المتاخمة لمدينة مرسيليا الفرنسية. ليلقي القبض عليه من جديد، وحوكم إثر ذلك بالإعدام في 25 فبراير/شباط 1977. وعلى الرغم من أن الحكم استؤنف بعد ذلك مرتين فإن العقوبة نفذت على المتهم يوم 10 سبتمبر/أيلول 1977 في فناء سجن بوميتس في مرسيليا. ليكون بذلك آخر شخص يُعدم بالمقصلة في الاتحاد الأوروبي قبل حظر عقوبة الإعدام.

واستمر منذ ذلك الحين النقاش ساخناً في فرنسا حول عقوبة الإعدام واستخدام المقصلة، الآلة التي طالما أرعبت الكثيرين. ليوافق البرلمان الفرنسي أخيراً في 26 أغسطس/آب عام 1981 على مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام في البلاد.

ووافقت على المشروع حينها الجمعية الوطنية وعُمم تنفيذه منذ ذلك الحين في فرنسا، ليكون حميدة الجندوبي آخر فصول مسلسل الإعدام المروع لآلة الموت المخيفة التي أدارها النظام القانوني الفرنسي فترة طويلة.

TRT عربي