بعد صدور قرار قضائي بتجميد أرصدة نبيل القروي، صاحب قناة "نسمة" وأبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية بتونس، طُرح جدل حول خبايا هذا القرار وتبعاته.

تلاحق رئيسَ الحكومة يوسف الشاهد وحليفته في الحكم حركة النهضة تهم من بعض خصومهم السياسيين، تتعلق باستغلال ملفات قضائية لإزاحة منافسيهم في الانتخابات القادمة، في حين يؤكد هؤلاء أن القضاء التونسي بعد الثورة مستقل ويتخذ قراراته بعيداً عن الصراعات والمعارك الحزبية الضيقة.

طرح قرار قضائي بتجميد أرصدة أحد أبرز مرشحي الرئاسة بتونس وأشرسهم في منافسة الأحزاب الحاكمة ومرشحيها للانتخابات القادمة، أكثر من سؤال بين الأوساط السياسية والشعبية حول خبايا هذا القرار ودوافعه، سيما وأنه يأتي قبل أشهر من موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستشهدها البلاد أواخر العام.

ولئن اعتبر كثيرون قرار القضاء ضد رجل الأعمال وصاحب قناة "نسمة" الخاصة نبيل القروي، والذي تلاحقه شبهات فساد مالي وغسيل أموال، انتصاراً لبعض الجمعيات الرقابية التي تقول إنها تخوض معركة بهدف تنقية الأجواء السياسية وحماية المناخ الديمقراطي في البلاد، إلا أن آخرين رأوا في توقيت تحرك الدوائر القضائية ضد القروي تطويعاً ممنهجاً ومفضوحاً للقضاء من الأحزاب الحاكمة لإزاحة خصومهم السياسيين.

صعود صاروخي في نوايا التصويت

ولوقت غير بعيد لم يكن اسم رجل الأعمال والقيادي السابق في نداء تونس، نبيل القروي يطرح أي إشكال في الشارع ولا بين الأوساط السياسية، حتى برز نجمه بشكل مفاجئ بعد تصدره طليعة نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية، وهو الذي اتخذ من العمل الخيري أداة لكسب شعبية كاسحة بين الطبقات الاجتماعية المسحوقة في جهات تونس الداخلية، من خلال تأسيس جمعية "خليل تونس".

وصل رجل الأعمال نبيل القروي إلى شعبية هائلة بحلوله في المرتبة الأولى في نوايا التصويت للانتخابات الرئاسية مقابل تراجع عدة شخصيات سياسية أخرى من بينها رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

ولعل آخر سبر آراء لشهر يوليو/ تموز 2019 نشرته صحيفة "المغرب" خير دليل على الشعبية الهائلة التي وصل إليها هذا الرجل بحلوله في المرتبة الأولى في نوايا التصويت للانتخابات الرئاسية، بنسبة بلغت 23% مقابل تراجع عدة شخصيات سياسية أخرى أبرزها رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، والذي لم يحصد سوى 7% من نوايا المصوتين، بل الأكثر من ذلك أن حزب نبيل القروي "قلب تونس" حديث التأسيس، تصدر بدوره نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية بنسبة 29%، فيما تراجعت حركة النهضة للمرتبة الثانية بنسبة 15%.

استغلال القضاء للإطاحة بالخصوم

حزب نبيل القروي "قلب تونس" سارع لنشر بيان رسمي تعليقاً على قرارات القضاء بتجميد أموال رئيسه ومنعه من السفر، مندداً بما وصفها "حملة مسعورة ومحاولة يائسة لإرباك الحزب ورئيسه والتأثير على شعبيته المتزايدة"، مشدداً على أن تزامن القرار القضائي مع الانطلاق الفعلي لتقديم الترشحات للانتخابات التشريعية غير بريء.

حزب نبيل القروي "قلب تونس" سارع لنشر بيان رسمي تعليقاً على قرارات القضاء بتجميد أموال رئيسه ومنعه من السفر مندداً بما وصفها بحملة مسعورة ضده.

القروي اتهم، بشكل مباشر، رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحركة النهضة بـ "الاستغلال الفاحش لمؤسسات الدّولة ووسائلها في تصفية الخصوم السياسيين وكلّ المنافسين الجديين لمرشّح الحزب الحاكم".

وفي هذا الصدد، أكدت الناطقة الرسمية باسم حزب "قلب تونس" سميرة الشواشي في تصريح لـTRT عربي أن القضايا التي رفعتها منظمة "أنا يقظ" ضد نبيل القروي تعود إلى سنوات، ولا تتعلق فقط بشخص القروي بل بقيادات سياسية وحتى بوزراء في حكومة الشاهد لم يبت فيها القضاء، حسب قولها، متسائلة عن سر تحرك الجهات القضائية باستهدافها شخص نبيل القروي دون غيره، قبل أشهر من موعد الانتخابات، وبعد أن أظهرت نتائج سبر الآراء تصدره نوايا التصويت!

وأكدت، بالمقابل، ثقتها في حيادية القضاء التونسي، لكنها لم تُخفِ مخاوفهم داخل الحزب، من ممارسة جهات في السلطة ضغوطات على القضاة في سبيل تطويعهم لخدمة أطراف سياسية بعينها "أفزعتها نتائج سبر الآراء وبعثرت حساباتها في الوصول إلى السلطة". حسب تعبيرها.

تثمين للقرار القضائي لكن..

على الجانب الآخر ثمنت منظمة "أنا يقظ" الرقابية، باعتبارها صاحبة الشكوى المقدمة ضد مرشح الرئاسة نبيل القروي، قرار قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي بتوجيه تهم "اعتياد غسل الأموال للقروي" ، مؤكدة أن مثل هذه القرارات من شأنها أن تعزز ثقة المواطن في استقلالية القضاء، وتتقاطع مع عقلية الإفلات من العقاب لبعض الشخصيات التي تظن أنها خارج دائرة المحاسبة.

القضايا التي رفعتها منظمة "أنا يقظ" ضد نبيل القروي تعود إلى سنوات ولا تتعلق فقط بشخص القروي بل بقيادات سياسية وحتى بوزراء في حكومة الشاهد.

سميرة الشواشي، الناطقة الرسمية باسم حزب "قلب تونس"

المنظمة لفتت بالمقابل، إلى أنها تقدمت بقضايا أخرى لدى الجهة ذاتها تتعلق بملفات فساد واستغلال نفوذ، موجهة ضد رئيس الحكومة يوسف الشاهد في علاقة برفع تجميد أموال أحد أصهار الرئيس السابق بن علي، داعية القضاء للبت فيها في أقرب الآجال "كي لا يفهم أن القضاء راضخ لأهواء السلطة التنفيذية" حسب بيان المنظمة.

قضاء مستقل

من جانبها، نفت القيادية في حزب يوسف الشاهد لمياء مليح ممارسة رئيس الحكومة أي ضغوطات على القضاء التونسي، مؤكدة أن مثل هذه التهم تأتي في سياق المنافسة الانتخابية بين الخصوم السياسيين.

مليح أكدت في حديثها لـTRT عربي أن القضاء التونسي بعد الثورة له من الاستقلالية والنزاهة ما يجعله فوق شبهات التطويع، داعية خصوم الشاهد وحزبه إلى المنافسة بالمشاريع والأفكار وعدم إقحام السلطة القضائية في المعارك الانتخابية.

يشار إلى أن البرلمان التونسي كان قد صادقَ، منذ أسابيع، على تنقيحات في القانون الانتخابي تقدمت بها رئاسة الحكومة، لم تخلُ بدورها من جدل، بسبب تضمنها شروطاً تمنع مرشحين بأعينهم من خوض سباق الانتخابات الرئاسية، من خلال صياغة فصول جديدة قيل إنها وضعت على المقاس لإقصاء منافسين جدد للائتلاف الحاكم، فيما أضحت الكرة اليوم بملعب رئيس الجمهورية بعد تعافيه من وعكته الصحية للمصادقة على التنقيحات أو رفضها.

المصدر: TRT عربي