ثلاثة سيناريوهات ربما تحدد مستقبل الوضع السياسي في السودان، من ضمنها انقلاب عسكري آخر.

أعلن المبعوث الإثيوبي إلى السودان، مساء الثلاثاء 11 يونيو/حزيران الجاري، موافقة قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي على استئناف الحوار لحل الأزمة السياسية الراهنة.

وذلك بعد أن دخل السودان في أزمة سياسية عميقة على إثر فض اعتصام الشباب السوداني بالقوة من أمام القيادة العامة، والذي أسفر عن عشرات القتلى ومئات الجرحى.

وأكد محمود درير، المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي، أن المحادثات بشأن تشكيل الأجهزة الانتقالية لإدارة البلاد ستبدأ قريباً، استكمالاً لما اتُّفق عليه من قبل.

إلا أن عودة المفاوضات لا تعني الوصول إلى اتفاق، فقد انخرط الجانبان من قبل في مفاوضات لأكثر من شهر ونصف انتهت باتفاق منقوص سرعان ما تراجع عنه المجلس العسكري، وأعلن عن إلغائه، ودخلت البلاد في أزمة سياسية طاحنة انتهت إلى فض الاعتصام من أمام القيادة العامة بالقوة.

وبناء عليه فإن أمام البلاد سيناريوهات عدة من أبرزها:

أولاً: سيناريو الانقلاب التصحيحي

يقضي هذا السيناريو بانقضاض قادة وحدات الجيش السوداني على المجلس العسكري، إذ إن المجلس العسكري مكون من عشرة من كبار قادة القوات المسلحة السودانية في محاولة لتمثيل كل من سلاح الجو والبحرية والمشاة والاستخبارات العسكرية بجانب قائد الدعم السريع ومدير جهاز الأمن والمخابرات ومدير عام الشرطة.

إلا أن المجلس العسكري فقد عدداً من أعضائه لاستقالتهم على إثر مطالبات شعبية أو لاشتراطات سابقة من قوى الحرية والتغيير.

وفي المقابل لم يتجه المجلس العسكري لتعيين أعضاء جدد لاستكمال المجلس العسكري، وهو ما يجعل كثير من قادة الواحدات العسكرية خارج مؤسسة المجلس العسكري.

على إثر فض الاعتصام شعر العديد من قادة الجيش السوداني بالعار جراء عجزهم عن حماية مواطنيهم وهم يرونهم يقتلون بدم بارد أمام أسوار القيادة العامة. إذ سرت شائعات بشأن نزع السلاح من الوحدات العسكرية العاملة في القيادة العامة ليلة فض الاعتصام، وهو ما فهم على أنه محاولات لتحييد الجيش لحساب قوات الدعم السريع.

وتشير كل القراءات إلى أن فشل المجلس العسكري في الوصول إلى اتفاق عاجل على نقل السلطة للمدنيين من شأنه الدفع بسيناريو قيام ضباط بانقلاب تصحيحي كامل، أو إجبار الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري على التنحي، واختيار رئيس بديل، وتكوين مجلس عسكري جديد؛ يملك القدرة على كسر الجمود في الأزمة السودانية الراهنة، ونجاح هذا السيناريو يتوقف على استيعاب الفريق أول حميدتي قائد الدعم السريع في سياقه.

ثانياً: انقلاب حميدتي

إن الفريق محمد حمدان حميدتي هو الرجل القوي الآن في السودان، على الرغم من رئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للمجلس العسكري.

فقوات الدعم السريع تنتشر بكثافة في شوارع الخرطوم، وكذلك يحظى الرجل بدعم سعودي إماراتي بفضل مشاركة كتائب من الدعم السريع في حرب اليمن. وهم يشكلون العمود الفقري للقوة البرية للتحالف العربي هناك.

منذ الإطاحة بالرئيس البشير أصبح الرجل محطة مركزية للسفراء الأجانب الراغبين في الاطلاع على الأوضاع في الخرطوم.

وقد شاع على نطاق واسع في الخرطوم أن قوات الرجل هي التي تولت مسؤولية فض الاعتصام في 3 يونيو/حزيران.

إلا أن تلك اللحظة كانت قاصمة الظهر لطموح الرجل السياسي. إذ اتضح مع شروق شمس ذلك اليوم حجم الجريمة التي صاحبت فض الاعتصام.

وتشير الإحصائيات إلى أكثر من مائة قتيل ونحو 700 جريح ومئات المعتقلين. وكشف ناشطون سودانيون عن عمليات إغراق متعمد للجثث في النيل بعد ربطها على كتل أسمنتيه بقصد إخفائها للأبد، وحالات الاغتصاب التي وصل عددها إلى العشرات.

وعلى الرغم من كل هذه الاتهامات فإن الرجل الذين أدمن مؤخراً الحديث التزم الصمت المطبق. بينما أعلن عضو المجلس العسكري صلاح عبد الخالق عن عدم علم المجلس العسكري بقرار فض الاعتصام. وقال إن قيادات عسكرية هي التي اتخذت ذلك القرار ونفذته.

ويتهم بعض الخبراء جهات لم يسمونها باختراق قوات حميدتي وتنفيذها لكثير من أعمال العنف والقتل لحظة فض الاعتصام. إلا أن هذه التطورات -مهما كانت الجهة المنفذة- جعلت الرجل في مرمى النيران، وقضت بالضربة القاضية على طموح حميدتي السياسي.

وإن أي تسوية سياسية بين المجلس العسكري والمدنيين سيكون من بنودها معالجة وضع قوات الدعم السريع بإدماجها بصورة منظمة داخل الجيش السوداني والأجهزة الأمنية الأخرى.

وبذلك يفقد القائد حميدتي كل مصادر قوته وسيساق حتماً يوماً ما إلى المحاكم الجنائية سواء داخل السودان أو خارجه إذا رضي باكتمال هذا السيناريو إلى نهاياته.

البديل أمام حميدتي هو القيام بانقلاب عسكري كامل على الرغم من مخاطر الدخول في مواجهة مفتوحة مع الجيش السوداني.

وسيكون هدف حميدتي من ذلك تبرئة ساحته من المسؤولية عما حدث وتسليم السلطة للمدنيين. فالرجل لا يملك قدرة على الانفراد بالسلطة في السودان، فلا الجيش سيكون معه ولا القوى السياسية المدنية، ولا الإقليم من حوله يقبل بقائد مليشيا عسكرية رئيساً لدولة مهمة في قلب أفريقيا.

ثالثاً: سيناريو العودة إلى التفاوض

السيناريو الأخير وهو الأرجح ويقضي أن يدرك المجلس العسكري حجم التعقيدات العسكرية والسياسية التي تحيط به، بعد استقالة عدد من أعضائه في فترات سابقة، واستمراره بعضوية لا تتجاوز أربعاً أو خمساً من القيادات العسكرية، وخلوه من قادة الأسلحة في الجيش السوداني، وخطورة ذلك على بقاء المجلس وقدرته على فرض الانضباط العسكري، وكذلك التباين بين قادته، وخصوصاً فيما يتعلق بفض اعتصام الشباب السوداني أمام القيادة العامة، فقد أعلن الفريق أول صلاح عبد الخالق عدم علمه بقرار فض الاعتصام.

والأمر الأخير أن يدرك المجلس العسكري أنه بلا سند، وبلا قاعدة اجتماعية، أو سياسية تعينه على مواجهة القوى المعارضة الواسعة الطيف في الشارع السوداني.

فلو تمكن الرئيس المخلوع عمر البشير من البقاء في السلطة لثلاثين عاماً فإنما يعود الفضل إلى قاعدة الحركة الإسلامية وحلفائها، والتي قدمت له الدعم العسكري والسياسي والإعلامي والاجتماعي طوال تلك السنوات. ولو أدرك المجلس كل هذه التعقيدات فسيسرع لتقديم كل الضمانات المطلوبة لإنجاح المبادرة الأثيوبية الداعية لعودة التفاوض بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.

وكذلك تقديم كل التنازلات الواجبة بغية الوصول إلى اتفاق عاجل يخفف الاحتقان السياسي من جهة، ويعفي قادة المجلس وعلى رأسهم عبد الفتاح البرهان ونائبه حميدتي من تبعات فض الاعتصام.

ويقضي هذا السيناريو باستئناف التفاوض بناء على ما اتفق عليه قبل 3 يونيو/حزيران، وهو الاتفاق الذي تضمّن إنشاء مجلس وزراء مدني بكامله، على أن تخصص وزارتي الدفاع للجيش والداخلية للشرطة، وأن يكون المجلس التشريعي مدنياً، يكون نصيب قوى الحرية والتغيير فيه 67% من مقاعده بينما تؤول بقية المقاعد للقوى السياسية الأخرى، ويكون لقوى الحرية والتغيير كذلك حق الفيتو عند اختيار ممثلي تلك القوى.

أما فيما يتعلق بمجلس السيادة، فالمبادرة الأثيوبية تدعو لإنشاء مجلس سيادة من 15عضواً: سبعة من العسكريين، وسبعة من المدنيين. بالإضافة إلى شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين المجلس وقوى الحرية والتغيير، على أن تكون رئاسة مجلس السيادة للعسكريين.

ويبدو أن هذا الخيار هو الذي يسنتهي إليه الطرفان؛ إذ يستبعد أن يوافق العسكريون على مقترح الرئاسة الدورية التعاقبية على رئاسة المجلس، وذلك بناء على تصريحات عضو المجلس العسكري الفريق أول صلاح عبد الخالق التي يقول فيها إن "المجلس مصرٌّ على ضرورة أن يكون رئيس مجلس السيادة من الجيش وليس من المدنيين، مشيراً إلى أن الاوضاع الأمنية في البلاد تقتضي ذلك".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي