أصدر وزير التربية بتونس قراراً يقضي بإقرار اللغة الفرنسية لتلاميذ المرحلة الثانية من التعليم الأساسي، ممّا أثار جدلاً كبيراً بين مؤيد ومعارض.

لا يكاد الجدل ينتهي في تونس حول جدوى تدريس اللغة الفرنسية في المنهاج التربوي الحكومي، حتى يعود بشكل أكثر حِدَّة، وهذه المرة مع قرار أصدره وزير التربية بإقرار لغة موليير لتلاميذ المرحلة الثانية من التعليم الأساسي (الابتدائي)، الأمر الذي أثار جدلاً بين مؤيد ومستنكر لهذا القرار.

وزير التربية حاتم بن سالم برّر هذا القرار في تصريح خاص لـTRT عربي بكون اللغة الفرنسية تظلّ ركيزة أساسية لأجيال سابقة وأخرى قادمة من أبناء هذا البلد، خصوصاً ممن يختارون إتمام دراستهم الجامعية في فرنسا، بالنظر إلى العلاقات الاستراتيجية التي تجمعها مع تونس، على مدى عقود وفي جميع المجالات.

غنيمة حرب

بن سالم عزا أيضاً قرار التبكير في تدريس اللغة الفرنسية إلى ما سمَّاه تقهقر مستوى التلاميذ سنة بعد سنة في إتقانها، خصوصاً في شعب العلوم والتقنيات، لافتاً إلى أن وزارته نفذت برنامجاً أكاديميّاً ضخماً بالشراكة مع سفارة فرنسا بتونس لتكوين آلاف المعلمين في طريقة تدريس اللغة بشكل صحيح وبأساليب تربوية حديثة.

قرار الوزير التونسي بتبكير تدريس اللغة الفرنسية اعتبره أكاديميون وسياسيون خارج السياق الزمني ومحاولة للنفخ في لغة تجاوزها الزمن وخدمة لأجندات الحكومة الفرنسية.

الوزير استدرك في المقابل قائلاً "صحيح أن اللغة الفرنسية لم تعُد لها المكانة التي سبق أن حظيت بها في القرون الماضية، في ظلّ صعود لغات أجنبية أخرى في مقدمتها الإنجليزية، لكن كما قال الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، اللغة الفرنسية "غنيمة حرب" ظفرنا بها من المستعمر الفرنسي، وهي مكسب لأجيالنا لا يمكن الاستغناء عنه".

بقايا الاستعمار الفرنسي

قرار الوزير التونسي اعتبره أكاديميون وسياسيون خارج السياق الزمني ومحاولة للنفخ في لغة تجاوزها الزمن، وخدمة لأجندات الحكومة الفرنسية التي تحاول جاهدةً، حسب قولهم، تثبيت لغتها باعتبارها آخر مظهر من مظاهر الاستعمار الذي دحره التونسيون، إذ استنكر القيادي بحزب التيار الديمقراطي المعارض أحمد بوعزي قرار التبكير في تدريس اللغة الفرنسية، واصفاً إياه بـ"الاعتباطي والمعادي للبيداغوجيا".

ونبَّه بوعزي الذي يُعَدّ من أشرس المدافعين عن استعمال اللغة العربية في القطاعات الحكومية في حديثه لـTRT عربي، لخطورة تدريس اللغة الفرنسية في السنوات الأولى على ذهنية الطفل "الذي لا يزال بالكاد يتلمَّس تَعلُّم لغته الأم العربية وطريقة كتابتها من اليمين إلى اليسار، ليفاجأ بلغة جديدة بحروف لاتينية وكتابة من اليسار إلى اليمين"، حسب قوله.

القيادي بحزب التيار الذي يشغل بالتوازي خطة عضو المجلس البلدي لمدينة تونس، اتهم الوزير بمحاولة تدعيم نفوذه ووجوده في صلب الحكومة الحالية من خلال خدمة أجندات الحكومة الفرنسية والإبقاء على لغتها الرسمية بكل ما ترمز إليه من معاني الاستعمار والهيمنة.

وتابع "تعتقد طبقة في تونس أن تمكينها من مواصلة التمسك بالسلطة وبالاقتصاد رهين مدى حفاظها على هيمنة اللغة الفرنسية على المدارس التونسية كلغة أجنبية أولى".

تعتقد طبقة في تونس أن تمكينها من مواصلة التمسك بالسلطة وبالاقتصاد رهين مدى حفاظها على هيمنة اللغة الفرنسية على المدارس التونسية كلغة أجنبية أولى.

أحمد بوعزي، قيادي بحزب التيار التونسي

بوعزي وزملاء له في المجلس البلدي للعاصمة سبق أن خاضوا معركة وصفوها بالرابحة دعماً لاستعمال لغة الضاد في مواجهة هيمنة اللغة الفرنسية، إذ صوَّت المجلس بالإجماع في شهر ديسمبر/كانون الأول 2018 على قرار بلدي يُلزِم أصحاب المتاجر في العاصمة كتابة معلَّقاتهم الإشهارية على واجهة محلاتهم باللغة العربية.

قرار أحادي

قرار وزير التربية إدراج اللغة الفرنسية في المنهاج الدراسي لتلاميذ السنة الثانية من التعليم الابتدائي، قد يواجه عدة إشكالات في تطبيقه، متعلقة بنقابة التعليم التابعة لاتحاد الشغل بتونس، حسب ما أكده كاتب عامّ نقابة التعليم الأساسي المستوري القمودي لـTRT عربي.

إصلاح المنظومة التربوية ليس حكراً على الجهات الحكومية الممثلة في وزارة التربية، بل تتداخل فيها عدة أطراف بينها نقابة التعليم الأساسي شريكاً أساسيّاً، كما أنها رهينة المفاوضات الثنائية التي ستُستأنف خلال الأسابيع القادمة، وفق تأكيد القمودي.

كاتب عامّ نقابة التعليم الأساسي وصف قرار وزير التربية إدراج اللغة الفرنسية في المرحلة الثانية للتعليم الابتدائي، بأنه "نوع من الارتجال"، لافتاً إلى أنه يستحيل تطبيقه ما لم تجلس الأطراف الوزارية إلى طاولة المفاوضات مع اتحاد الشغل ولم تستشِرْها في الأمر.

ويشدّد القمودي على أن مثل هذه القرارات التي تُعَدّ مصيرية في بناء ثقافة ومستقبل أجيال من أبناء تونس، تدرسها بدقة لجان متخصصة في الجامعة العامة للتعليم الأساسي لمعرفة أي اللغات الأجنبية أكثر نفعاً للتلاميذ وحاملة للعلوم وقادرة على فتح آفاق أرحب لهم.

سجال في الجارة الجزائر

جدير بالذكر أن سجال استعمال اللغة الفرنسية يدور بالتوازي في الجارة الجزائر، مع إعلان وزارة التربية إلغاء امتحان اللغة الفرنسية بشكل نهائي من الامتحانات المهنية الخاصة بترقية المستخدمين في الرتب المستحدثة، مقابل إدراج مادة اللغة الإنجليزية ضمن مسابقات التوظيف الخارجية.

سجال استعمال اللغة الفرنسية يدور بالتوازي في الجارة الجزائر مع إعلان وزارة التربية إلغاء امتحان اللغة الفرنسية بشكل نهائي من الامتحانات المهنية الخاصة بترقية المستخدمين في الرتب المستحدثة.

كذلك تستعد وزارة التعليم العالي في هذا البلد للكشف عن نتائج استفتاء إلكتروني يتعلق بتدريس اللغة الإنجليزية في الجامعات بدل اللغة الفرنسية المعتمَدة حاليّاً، حسب ما كشفه وزير التعليم العالي الطيب بوزيد في تدوينة له عبر صفحته الرسمية على فيسبوك.

مخالفة للدستور

القيادي بحركة نداء تونس خالد شوكات كان له موقف حازم من قرار وزير التربية الذي اعتبره "مخالفاً للدستور واحتقاراً للذات"، وذلك عبر تدوينة مطوَّلة، نشرها عبر صفحته الرسمية على فيسبوك.

شوكات قال إن إتقان الناشئة لغات أجنبية يجب أن يأتي بعد إتقانهم لغتهم الأم العربية، باعتبارها "قاعدة لتجذير الأطفال في هُويتهم وذاتهم وبناء شخصيتهم بشكل سليم".

كما حذر القيادي في نداء تونس من أن أي مساس بمكانة اللغة الوطنية هو دفع للمدرسة التونسية إلى تنشئة "مسخ ثقافي"، وفق توصيفه، مشدِّداً على أن قرار الوزير هو إخلال بمبادئ الدستور، وتراجع عن أهم أهداف الحركة الوطنية الإصلاحية التي كافحت المستعمر وأخرجت فرنسا من أجل أن يتحدث الشعب التونسي لغته الوطنية العربية ويكرّسها في دولته ومؤسساته.

شوكات خلص إلى أن اللغة الفرنسية لم يعُد لها مكانة دولية، داعياً إلى مراجعة طبيعة وجودها في الخارطة التربوية في البلاد، دون فرضها على الأطفال بقرارات وزارية وصفها بالأحادية.

وبين تحمُّس الجهات الحكومية الممثَّلة في وزارة التربية لجدوى التبكير في تعليم اللغة الفرنسية للناشئة في تونس، واعتراض جهات أخرى، يبقى قرار التطبيق رهين المفاوضات القادمة بين وزارة التربية واتحاد الشغل ممثَّلاً في جامعة التعليم الأساسي.

المصدر: TRT عربي