من بلد يدعي تمثيل القيم الحضارية والدفاع عنها، إلى بلد تجوبه الفوضى في كل مكان وتجتاحه موجة عنف رهيبة، يبدو أن فرنسا أصبحت مؤخراً بلداً غير آمن، وذلك استناداً إلى أعداد الجرائم التي كشفت عنها السلطات الرسمية والدوائر الإحصائية في فرنسا.

مع تصاعد وتيرة أعمال العنف في فرنسا خلال السنوات الماضية، أصبح انعدام الأمن واحداً من الموضوعات الرئيسية التي تتصدر عناوين الصحف الفرنسية وهاجساً يقض مضاجع الفرنسيين، وأولوية ملحة تقتضي على السلطات إيجاد حل سريع لها، قبل أن تستفحل أكثر.

وبالرغم من النفي الشديد في بداية الأمر وإنكار المسؤولين الرسميين في الحكومة الفرنسية، لأرقام وإحصائيات الجرائم وأعمال العنف التي سلطت عليها الضوء وسائل الإعلام المحلية، إلا أن الحقائق بدأت تطفو على السطح، وبدأت بذلك المنظمات الحقوقية ومختلف مكونات المشهد السياسي تضغط على الحكومة في اتجاه اتخاذ قوانين وإجراءات تضع حداً مع هذا الوضع الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

"الوحشية" تهدد الفرنسيين

أثارت العديد من المشاهد المتناقلة على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، لضحايا يتعرضون إلى العنف في العديد من المحافظات والمناطق الفرنسية، ذعراً كبيراً لدى الفرنسيين.

فلا تزال مشاهد تعرض سائق الشاحنة الخمسيني للضرب بوحشية من قبل خمسة أشخاص في مدينة بايون، انتهت فوراً بموته دماغياً، عالقة في أذهان الفرنسيين. حتى أصبحت بعد ذلك مثل هذه الحوادث والجرائم روتينية بشكل مقلق.

فمن ضرب ممرضة ضرباً مبرحاً بسبب طلبها من شابين ارتداء الأقنعة الطبية، إلى حرق العديد من السيارات والمتاجر والمحلات المحيطة بالشانزليزيه في صائفة 2020 بعد مباراة باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ، إلى الاعتداء المستمر لعناصر الشرطة على المحتجيين والمتظاهرين، ثم تسجيل ارتفاع في حالات الاعتداء والضرب على الأشخاص ما فوق سن 15، فضلاً عن تزايد عمليات السطو والسرقة وجرائم القتل المتعمد وجرائم المدفوعة بالعنصرية والكراهية، باتت فرنسا اليوم في مرمى نيران العنف وانعدام الأمن أكثر من أي وقت مضى.

وفي سياق متصل أشارت إحصائيات رسمية إضافة إلى ذلك، إلى تسجيل ارتفاع في عدد جرائم العنف الجنسي من حوالي 18800 جريمة عام 2018، إلى نحو 24800 حالة اغتصاب سنة 2020، أي ما يعادل زيادة بمقدار الثلث تقريباً خلال سنتين.

ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية مؤخراً وما رافقها من فرض للحجر المنزلي بسبب انتشار جائحة كورونا، سادت أجواء التوتر في الشارع الفرنسي أكثر فأكثر، فارتفعت بذلك معدلات أعمال العنف بشكل ملحوظ، مثيرة قلقاً وخوفاً حقوقياً وأمنياً متزايداً.

وقد سجلت الإحصائيات الصادرة عن أجهزة الأمن والداخلية الفرنسية، حوالي 240 ألف عملية اعتداء وضرب سنة 2018. فيما بلغت جرائم القتل المتعمد سنة 2020 حوالي 359 جريمة قتل.

وتعليقاً على هذه الظاهرة التي تجتاح فرنسا، اعتبر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين ذلك بمثابة "وحشية" جزء من المجتمع الفرنسي، التي يجب أن يتوفر لها حل سريع. ورغم ما أثاره تصريح دارمانين من استياء لدى الجهات المختصة والأطياف اليسارية الفرنسية، إلا أنه لقي تأييداً من كثير من الفرنسيين الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا العنف وانعدام الأمن أمام تقصير رجال الشرطة والأمن في حمايتهم.

إنكار حكومي وضغط سياسي

اعتبر مسؤولون حكوميون أن الأرقام التي تداولتها وسائل الإعلام والتي تفيد بارتفاع منسوب العنف والفوض في فرنسا إضافة إلى المشاهد التي تتناقلها منصات التواصل الاجتماعي، بمثابة التهويل وتضخيم الأمور.

وقد انتقد طيف واسع من الأحزاب اليسارية الداعمة للحكومة الحالية، تصريحات وزير الداخلية جيرالد دارمانين اليميني بتوصيفه المجتمع الفرنسي بالوحشي. واعتبروا أن في ذلك محاولة لخلق انقسامات في السلطة التنفيذية وفي الشارع الفرنسي، وأن العنف وانعدام الأمن قضية سياسية مهمة للغاية إلا أنه غالباً ما يجري تفعيلها قبل أي محطة انتخابية للاستثمار فيها للإطاحة بالخصم.

واتساقاً مع الموقف ذاته قال سيباستيان روشيه، عالم الاجتماع المتخصص في الجنوح والأمن، بأن :" إحصائيات القتل العمد تُظهر أننا اليوم في مستوى منخفض تاريخياً من العنف". وأيده في الاستنتاج ذاته كريستوف سولليز، رئيس المرصد الوطني للانحراف والجنوح ( ONDRP ).

وبينما تختلف الآراء وتحتد حول حقيقة الأرقام المنشورة والتي تشير إلى أعداد الجرائم وأعمال العنف في فرنسا. يذكر خبراء ومحللون أنه يوجد في ذلك مصدران للمعلومة، وهما إحصائيات وزارة الداخلية المبنية على الشكايات ومحاضر أجهزة الشرطة والدرك، والمرصد الوطني للانحراف والجنوح ONDRP.

وقد جرى تكليف هذا المرصد كأداة إحائية لرصد أعمال العنف سنة 2015، أي فترة ولاية الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، لكنه بدأ يتوقف عن نشاطه مؤخراً خلال فترة حكم الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، وأحيلت مهمة نشر المعطيات الأمنية الرسمية إلى وزارة الداخلية.

ويرى في المقابل خبراء وباحثون، أنه لا يمكن الاعتماد على محاضر الشكايات والقضايا التي تنظر فيها المحاكم الجنائية فقط، للوصول إلى العدد الحقيقي للجرائم وأعمال العنف التي تعم فرنسا، حيث إن هذه الشكايات لا تمثل إلا نحو 40% فقط من العدد الحقيقي.

وبينما تشجب الأطراف اليمينية ما أسمته تراخي السلطات والجهات الرسمية في إيقاف هذه الاعتداءات، فقد اعتبرت أن أسباب ذلك تعود أيضاً إلى استقبال عدد كبير من المهاجرين الذين باتوا يشكلون خطراً على قيم فرنسا وأمنها. ولا يبدو موقف اليمين مستغرباً كما علق على ذلك سياسيون وناشطون، حيث إنهم لا يفوتون الفرصة في الاستثمار في هذه المواقف لكسب تأييد في تمرير بعض الرسائل التي يمكن أن تخلق حنقاً لدى الفرنسيين وتمارس الضغط على الحكومة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً