يطالب محتجو غوادلوب الدولة الفرنسية بتحمل مسؤوليتها في تسميمهم بمادة الكلورديكون (Lionel Chamoiseau/AFP)

لا تزال جزيرة غوادلوب الفرنسية تعيش على صفيح ساخن مع ازدياد حدّة الاحتجاجات التي تهزّ شوارعها منذ أكثر من أسبوع. النقطة التي أفاضت كأس الغضب كانت فرض إلزامية "الجواز الصحي"، فيما كانت الكأس أساساً مليئة مع "غياب تامّ للرعاية الحكومية، ومشكلات الولوج إلى المياه الصالحة للشرب، والتربة المسمَّمة، وضعف البنية التحتية" حسب إحدى نقابيات الجزيرة.

مشكلات على رأسها "قضيّة الكلورديكون"، التي عادت إلى السطح مع الحراك الاحتجاجي الغوادلوبي، حيث يطالب المحتجون الحكومة الفرنسية بتحمُّل مصاريف التحاليل المخبرية للكشف عن هذه المادة القاتلة بشكل كامل ولكل سكان الجزيرة.

هذا مع استمرار تأثير الكلورديكون القاتل متفشياً بين الغوادلوبيين، فاضحاً إحدى أبشع جرائم التسميم الممنهج الذي مارسته السلطات الفرنسية ضد أولئك السكان، وضربها بصحتهم العامة عُرض الحائط، مقابل جشعها لما تُدِرّه محاصيل الموز القادم من هناك.

فرنسا سمّمَت غوادلوب

منذ سنة 1972 تسمح الحكومة الفرنسية لمزارعي الموز بغوادلوب باستعمال مادة الكلورديكون القاتلة لمعالجة زراعتهم، هذه المادة عالية السميَّة التي تُوظَّف في الفلاحة مبيداً حشرياً للقضاء على العثَّة التي تهاجم شُجيرات الموز.

سنة 1979 صنّفت منظمة الصحة العالمية المادة مسرطنة، وحرَّمت استعمالها. لكن ذلك لم يثنِ الحكومة الفرنسية عن استمرار التصريح برشها في حقول غوادلوب، بل استمرّ ذلك حتى حدود 1993، أي بعد أن منع قرار حكومي فرنسي استخدامها سنة 1990، إذ أصدر وزير الفلاحة وقتها تصريحات استثنائية لمُلّاك المزارع بغوادلوب، في استهانة كاملة بالصحة العامة لسكان الجزيرة وبيئتها.

فيما قد يدوم الضرر الذي تسبب فيه لقرون عديدة، إذ لا تتحلل جزيئات الكلورديكون قبل مرور 700 سنة. وسبّب استخدام هذا المبيد تلوثاً كبيراً لتربة ومياه غوادلوب وسواحلها وقطعان مواشيها. وفي سنة 2000 أُغلقَ معمل لتعبئة المياه في الجزيرة لوجود آثار المادة السامة في منتجاتها، وبعدها بخمس سنوات يوثّق تقرير برلماني تلوث المياه الجوفية الغوادلوبية بنسب كلورديكون أعلى بـ100 مرة من المسموح به.

بالنسبة إلى الإنسان يؤدّي التسمم بالكلورديكون إلى سرطانات متعددة، كما يؤدي في بعض الحالات إلى العقم. ويحتاج الجسم البشري إلى 165 يوماً للتخلص من تلك المادة السامة، بشرط أن لا يتعرض لها مرة ثانية خلال تلك المدة. و95% من السكان في غوادلوب تحوي أجسادهم ذلك السم بنسب مختلفة.

هذا ما يجعل جزيرة غوادلوب تعرف معدلات قياسية في الإصابة بسرطان البروستاتا، وجارتها مارتينيك التي تقلّ عنها تلوثاً تحقّق أعلى نسبة عالمية في الإصابة بذلك الداء. وحسب تقارير وزارة الصحة الفرنسية، تسجّل كل من غوادلوب ومارتينيك نسب الإماتة العليا بسرطانات البروستاتا وعنق الرحم والمعدة.

في المقابل وعد رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون سنة 2018 بتصنيف الإصابات بسرطان البروستاتا في تلك الجزر "مرضاً مهنيّاً"، لكن حتى الآن لم يجد ذلك الوعد تحقيقه على أرض الواقع، في حين تخوض منظمات المجتمع المدني في غوادلوب ومارتينيك منذ 2006 معركة قضائية لمحاسبة الحكومة الفرنسية على جرائم "تعريض حياة الآخرين للخطر".

TRT عربي