انتصرت القوات الفنلندية على قوات الاتحاد السوفييتي في حرب شتاء 1939 (Getty Images)
تابعنا

بعد أن عززت روسيا قواتها العسكرية وحشدت جنودها على الحدود الروسية الأوكرانية، تزامناً مع بدء شتاء قاسٍ، تتخوف كييف وعواصم العالم الغربي من اندلاع وشيك لحرب شتاء ثانية، لا يُعرف فيها ما إذا كان مصير الجيش الأوكراني سيكون مماثلاً لمصير الجيش الفنلندي الذي نجح شتاء عام 1939 رغم قلة عتاده في صد هجوم جيش الاتحاد السوفييتي عليه.

وإن كان الجيش الفنلندي جابه الجيش الأحمر آنذاك بتجهيزات بدائية وبعدد قليل من الجنود، فإن القوات الأوكرانية اليوم تحظى بدعم غربي وتتلقى المساعدات العسكرية من دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ما قد يرجح الكفة لصالحها، إذا ما كان خيار الحرب بينها وبين روسيا حتمياً، كما أشارت إلى ذلك صحف وتقارير أجنبية.

دروس من حرب الشتاء 1939

في إطار سعيها التاريخي للتوسع واستعادة نفوذها على العواصم السوفييتية السابقة، خططت موسكو عام 1939 لتنفيذ هجوم عسكري كبير على فنلندا، ينتهي باحتلالها وإعادة رسم الحدود الفاصلة بين لينينغراد عاصمة السوفيت وهلسنكي عاصمة فنلندا، الواقعتان قبالة بعضهما على خليج فنلندا، وذلك بعد أن كانت تحصلت على استقلالها التام عن روسيا عام 1917.

ورغم أنه مضت عدة سنوات على استقلالها، فإن هذه الدولة الفتية لم تشهد في الحقيقة استقراراً اقتصادياً وأمنياً، وذلك بسبب الحروب الأهلية والقتال العنيف الذي نشب فيها عقب الاستقلال، بين القوات البرجوازية المعروفة باسم "البيض" والاشتراكية ، والقوات البلشفية "الحمر".

وفي ظل هذه الظروف وحالة الضعف التي تمر بها هلسنكي، اعتقدت قوات الاتحاد السوفييتي بقيادة جوزيف ستالين، أنه بالإمكان شن هجوم عسكري قوي سيكون من خلاله غزو فنلندا بمنتهى السهولة.

وفعلاً بعد جولات من التصعيد والتهديد والتخطيط، تقدم الجيش الأحمر نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1939، إلى مدينة تولفاجارفي الفنلندية الحدودية. وشن هجوماً مسلحاً على كافة المدن الفنلندية بما فيها العاصمة هلسنكي، استمر طوال 10 أيام متواصلة، وشارك في الغزو العسكري السوفييتي حينها نحو 400 ألف جندي، إلى جانب الآلاف من الدبابات والمدافع والعربات المدرعة والطائرات العسكرية.

وفي المقابل كانت القوات الفنلندية المتصدية للهجوم السوفييتي لا تتجاوز بضعة آلاف من الجنود مجهزين بأدوات عسكرية بدائية، لا تكافيء بأي شكلٍ كان القوات السوفييتية، إلا أن الإصرار على النصر والصمود والتسلح بالغضب ومشاركة الأهالي الذين خُيروا بين الموت في المنازل والموت في ساحات المعارك، غيّر معادلة الحرب بين الطرفين، على حد تعبير محللين ومؤرخين.

وتشير بعض المصادر التاريخية نقلا عن مسؤول عسكري فنلندي رفيع المستوى، أنه يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 1939 أُجبر المهاجمون السوفييت على التراجع، إذ فقدوا أكثر من 3000 جندي، وأصيب مئات آخرون. وهي حصيلة تتجاوز بأضعاف مضاعفة ما فقده الفنلنديون جراء هذه الحرب التي دارت رحاها في فنلندا وقدرت خسائرها بنحو 274 شخصاً، إلى جانب إصابة 445 آخرين.

وأذهل في ذلك الوقت الانتصار الذي حققه الفنلنديون المجتمع الدولي، إذ لم يكن من المتوقع أن يتمكن بلد مزقت شعبه الحروب الأهلية من التوحد أخيراً بكافة أطيافه ومكوناته للتصدي للجيش الأحمر، الذي كان يفوقه قوة وعتاداً بأضعاف مضاعفة.

وقد شارك المدنيون الفنلنديون نساء ورجالاً في ذلك الوقت، بتوفير الرعاية الطبية والخدمات اللوجستية وإنتاج الذخائر والمراقبة الجوية وتقديم الإمدادات للقوات والجيوش المحاربين، فيما انضم كل الجنود ومن بينهم المسرَّحون والمعفون، إلى الجبهات المقاتلة. وسُخرت الإمكانيات كافة لمحاربة الجيش الأحمر ودحر الغزو.

وانتهت الحرب التي تسببت في ضربة موجعة للاتحاد السوفييتي، بضغط أممي، في 13 مارس/آذار عام1940 بإبرام معاهدة موسكو للسلام.

هل تندلع حرب شتاء ثانية؟

قد يبدو خيار الحرب اليوم بين موسكو وكييف مستبعداً، خاصة وأنه لم يتجاوز حدود تبادل التهديدات ولم يتعدّ مظاهر التحشيد العسكري الاستفزازي على الحدود بين البلدين. ومع ذلك لا تزال مخاوف أوكرانيا وعواصم العالم الغربي قائمة. إذ أنه بالرغم من النفي الروسي لوجود أي نية لاجتياح أوكرانيا، فإنها في الوقت ذاته لم تخطُ أي خطوة فعلية تبرهن على صدق اقوالها.

وقال في هذا السياق أمين عام حلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ في تصريح إعلامي سابق: "التعزيزات العسكرية الروسية قرب أوكرانيا لا تزال مستمرة رغم الضغوط الدولية".

وأضاف:" لا نرى ما يشير إلى توقف أو تباطؤ التعزيزات العسكرية الروسية قرب أوكرانيا، بل إنها لا تزال مستمرة".

ولتعزيز الموقف الأوكراني ودعمها في مواجهة الطموح الروسي، هددت الولايات المتحدة وعواصم أوروبية إلى جانب حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على موسكو في حال شن هجوم عسكري على أوكرانيا.

TRT عربي