في العقد الماضي، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة تحت قيادة حاكم أبوظبي الفعلي، ولي العهد محمد بن زايد آل نهيان، بصفتها إحدى أكثر الدول عدوانيةً وطموحاً في الشرق الأوسط.

فقد استخدم ابن زايد ثروة بلاده النفطية الهائلة لتمويل الحكومات والميليشيات التي تحارب الجماعات السياسية الدينية، مثل جماعة الإخوان المسلمين.

وكانت الإمارات من مؤيدي انقلاب عام 2013 الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب في انتخاباتٍ حُرة وأحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

إذ أرسلت أبوظبي مساعداتٍ تُقدَّر بمليارات الدولارات لدعم الحكومة الاستبدادية في مصر تحت قيادة عبد الفتاح السيسي، القائد العسكري الذي أطاح بمرسي.

وفي اليمن، بينما تقاتل الإمارات المتمردين الحوثيين لإعادة حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لممارسة مهامها، فهي تشارك أيضاً في حملة اغتيالاتٍ سرية تستهدف أعضاء في حزب الإصلاح التابع لجماعة الإخوان المسلمين.

وتدعم البلاد أيضاً خليفة حفتر، الجنرال الليبي المنشق، في حملته ضد الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في العاصمة الليبية طرابلس.

كذلك تشارك الإمارات في حصار بري وبحري وجوي مفروض على دولة قطر المجاورة، ويرجع ذلك جزئياً إلى دعمها المزعوم لبعض جماعات المعارضة في العالم العربي، مثل جماعة الإخوان المسلمين.

عندما يتعلق الأمر بأي شيء مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، سواءٌ من قريب أو من بعيد أو حتى مجرَّد اشتباه في ذلك، تكون الإمارات في طليعة المعركة ضده.

وتتضمن القائمة الإماراتية الرسمية للتنظيمات الإرهابية جمعياتٍ خيرية، ومنظمات مجتمع مدني ترفض إقامة علاقاتٍ مع جماعة الإخوان المسلمين، لكنَّ الإماراتيون يتهمونها رغم ذلك بأنَّها مرتبطةً بالجماعة. وتشمل تلك الجمعيات منظمة الإغاثة الإسلامية، التي تُعتبر إحدى أكبر الجمعيات الخيرية الإسلامية في العالم، وكذلك مؤسسة قرطبة الفكرية.

خوفٌ عميق مُتأصل

تتكون كراهية محمد بن زايد لجماعة الإخوان المسلمين من مزيج من الكراهية الشخصية والأيديولوجية والسياسية.

إذ يستشهد تقريرٌ نشرته صحيفة The New York Times الأمريكية مؤخراً عن محمد بن زايد ببرقيةٍ تابعة للسفارة الأمريكية سرَّبها موقع ويكيليكس تتحدث عن تفاعله مع معلمٍ شخصي تابع لجماعة الإخوان المسلمين كلَّفه والده بتعليمه حين كان صغيراً. ويُزعَم أنَّ المعلم حاول غرس عقيدة الجماعة في ابن زايد، لكنَّ النتائج جاءت عكسية.

وينقل التقرير عن زايد قوله: "في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي كنت واحداً منهم".

ربما تكون أسباب انفصاله عنهم مفتوحةً للتكهُّنات، لكنَّ بعض الاجتماعات التي عُقِدت بينه وبين دبلوماسيين أمريكيين والتي تحدَّثت عنها البرقيات المُسرَّبة توضِّح أنَّه مهووس بفكرة أنَّ أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ينتهجون مخططاً توسُّعياً للسيطرة على الإمارات والعالم العربي ككل.

ووفقاً لأندرياس كريغ، الأستاذ في كلية كينغز كوليدج في لندن، فهذا الخوف انتقل إليه من بعض الحُكام المستبدين العرب الآخرين.

إذ قال كريغ لشبكة TRT World التركية متحدثاً عنه: "حين كان في القطاع الأمني، كان يعمل بشكلٍ مكثف مع بعض ضباط الجيش والمخابرات المصريين الذين نقلوا رهاب الحركات الإسلامية إلى الإمارات العربية المتحدة".

وأوضح كريغ أنَّ هذا الرهاب نبع من تصورٍ مفاده أن الجماعات السياسية الدينية كانت خارجة عن سيطرة الحُكام المستبدين الذين كانوا يديرون بلدان تلك الجماعات.

وأضاف: "الإخوان عادةً ما يعارضون الاستبداد، ويمكِّنون النشاط المجتمعي المدني الذي يدعم التعددية، مما يُشكِّل تهديداً إستراتيجياً لأمن الأنظمة الاستبدادية".

وفي البرقيات الأمريكية المُسرَّبة التي يرجع تاريخها إلى الفترة بين عامي 2003 و 2006، كان محمد بن زايد يعرب كثيراً عن مخاوفه بشأن مدى تعاطف فئاتٍ كثيرة مع جماعة الإخوان المسلمين في الإمارات، بما في ذلك أفرادٌ في الخدمة العسكرية والمدنية، وحتى داخل الأسر الحاكمة في البلاد.

وحذَّر ولي العهد الإماراتي دبلوماسياً أمريكياً في إحدى البرقيات من أنَّه في حال إجراء انتخاباتٍ حرة في دبي، فإن: "الإخوان المسلمين سوف يتولون السلطة".

وقال في برقيةٍ أخرى: "نخوض حرباً ثقافية مع الإخوان المسلمين".

وهناك برقية أخرى تصف كيف خضع بعض الجنود الذين اتضح أنَّهم متعاطفون مع الإخوان المسلمين لبرنامج "غسيل دماغ عكسي" لتخليصهم من ميولهم.

وقد كان ذلك خياراً أكثر ليناً دعا إليه خليفة بن زايد، الأخ الأكبر لمحمد بن زايد، الذي كان الحاكم الفعلي لدولة الإمارات آنذاك. جديرٌ بالذكر أنَّ محمد بن زايد دافع آنذاك عن استخدام أساليب أشد قسوة.

ومنذ تعرُّض خليفة لجلطة دماغية في عام 2014، تنحى عن مهمة إدارة الشؤون اليومية للبلاد، التي كُلِّف بها شقيقه محمد بن زايد.

هذا متعلقٌ بالسيطرة

يبدو أنَّ مخاوف محمد بن زايد قد تفاقمت بعد الانتفاضات العربية في عام 2011 التي شهدت الإطاحة بحفنةٍ من الحكام المستبدين، وبروز جماعة الإخوان المسلمين بصفتها قوة سياسية رئيسية، مع تحقيقها انتصاراتٍ مدوية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر.

وقال كريغ، في إشارةٍ إلى جمعية الإصلاح، التي تُمثِّل الفرع الإماراتي لجماعة الإخوان المسلمين: "صُدِم محمد بن زايد عام 2011 حين أدرك أنَّ العديد من الوزارات في الإمارات كانت مليئة بأعضاء من جمعية الإصلاح كان ولاؤهم الأول للجماعة ومبادئها".

وأضاف: "هذا متعلقٌ بالسيطرة. فبصفته فرداً مصاباً بحالةٍ متأصلة من جنون الشك، أصبح محمد بن زايد مهووساً بالسيطرة حين يرى أن الإخوان كياناً خاضعاً للسيطرة الأجنبية".

وتابع: "في نظام سياسي مركزي مع عدم وجود ضوابط وتوازنات رقابية على محمد بن زايد، فسوف تشكل جماعة الإخوان المسلمين تهديداً لحرية محمد بن زايد المطلقة في الحكم".

لكنَّ الاعتقاد بأنَّ مخاوف ولي العهد مقصورة على المعارضة الدينية ليست سوى نصف الصورة.

إذ تمثل هذه المجموعات المعارضة الأكثر تنظيماً في معظم الدول العربية، لكن وفقاً لمحللين خليجيين، فإنَّ جوهر تفكير محمد بن زايد يتمثل في أنَّ فتح المجال السياسي لأي جماعة معارضة قد يؤدي إلى إضعاف النظام الاستبدادي الحالي الذي يحكم المنطقة.

وقال كريستيان أولريتشسن، الأكاديمي من جامعة رايس: "أرى أنَّ محمد بن زايد يرغب في رؤية شرق أوسط لا يجري فيه احتواء السياسة الإسلاموية أو أي نوع آخر من السياسة الجماهيرية فحسب، وإنما استبعادها أيضاً"، مضيفاً أنَّ "هذا يستند إلى نهج من عدم التسامح المطلق الذي يبدو أنَّه ينظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها الخطوة الأولى ضمن سلسلة متصلة قد تؤدي إلى فقدان التسيطرة على زمام الأمور في البلد وفي نهاية المطاف زعزعة استقرار الوضع الراهن".

وقد أدى نهج عدم التسامح المطلق هذا إلى عمل الإمارات بنشاط على تأجيج الصراع في ليبيا ودول شرق أوسطية أخرى، مما ساهم في عدم الاستقرار في المنطقة.

ويستشهد تقرير صحيفة The New York Times بمسؤول سابق بوزارة الخارجية الأمريكية الذي وصف الدعم الأمريكي للإمارات بينما تسعى بقوة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية قائلاً: "لقد خلقنا وحشاً صغيراً".

المصدر: TRT عربي