كانت ساعات قليلة جداً تلك التي فصلت بين بدء انتشار الجيش ومحاولة الانقلاب على الحكم في تركيا ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز 2016، والإعلان عن إفشال تلك المحاولة الدموية وانتصار إرادة الشعب على الانقلابيين.

لكنها كانت ساعات طويلة جداً وثقيلة على الشعب التركي الذي شعر في تلك الليلة بفقدان الأمن والأمان وخاف على مستقبل أبنائه ووطنه، لكنه لم يشعر على الإطلاق بفقدان الأمل والإيمان بقدرته على الوقوف في وجه دبابات الانقلابيين وطائراتهم وهزيمتها بأجسادهم.

251 شهيداً ومئات المصابين قدموا أرواحهم رخيصة ليحيا الوطن، خرجوا من بين ملايين لبوا دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان لمواجهة محاولة انقلاب عسكرية تشهدها البلاد في ساعة متأخرة من مساء ذلك اليوم، وبفضل مقاومتهم وإيمانهم وحبهم لوطنهم نجحوا خلال ساعات قليلة من وأد المحاولة الانقلابية في مهدها وقدموا مثالاً للعالم على قدرة الشعب الأعزل المؤمن بقدرته ووطنه على هزيمة الانقلابيين مهما كانوا مدججين بأعتى أنواع الأسلحة وأحدثها.

TRT عربي حاورت مجموعة من المواطنين الأتراك الذين عايشوا تلك الليلة التاريخية، تحدثوا عن ذكرياتهم ومشاعرهم، وأجابوا الأسئلة التي راودتنا جميعاً: كيف قضى الأتراك تلك الليلة؟ لماذا لبوا دعوة أردوغان لمواجهة الانقلابيين؟ لماذا كانوا مستعدين للتضحية بأرواحهم؟ وماذا لو نجحت محاولة الانقلاب وكيف كانت ستصبح تركيا؟

واصلنا العمل رغم إطلاق النار

الصحافي في جريدة "ديلي صباح" التركية إمري بشاران كان شاهداً عن قرب على تلك الليلة، عندما هاجم الانقلابيون مقر مجموعة تركواز الإعلامية في منطقة بيشيكتاش بإسطنبول، التي تبث منها مجموعة من القنوات التلفزيونية والصحف الكبرى في البلاد، ضمن خطة إسكات المؤسسات الإعلامية ليلة المحاولة الانقلابية.

الصحافي في جريدة
الصحافي في جريدة "ديلي صباح" التركية إمري بشاران كان شاهداً عنقرب على تلك الليلة، عندما هاجم الانقلابيون مقر مجموعة تركواز الإعلامية (TRT Arabi)

يشرح ما عاشه في تلك الليلة بالقول: "كنت في مبنى الصحيفة في تلك الليلة، نزل كل العاملين في المجموعة الإعلامية وتجمعنا أمام المبنى، وقفنا سوياً ضد محاولة الانقلاب، جاءت قوات من الجيش وحاولت احتلال المبنى وأطلقت النار عليه، لكنهم فشلوا في ذلك، ونجحنا في حماية المجموعة الإعلامية التي واصلت عملها ونقلت الأحداث للشعب وساهمت في إفشال المحاولة الانقلابية".

ورداً على سؤال لـTRT عربي عن تصوره لما كان يمكن أن يحصل في حال نجحت المحاولة الانقلابية، يقول الصحافي بشاران: "قطعاً، كان سيأتي الإرهابي فتح الله كولن على متن أول طائرة من الولايات المتحدة إلى العاصمة أنقرة على غرار ما فعل الخميني (الزعيم الإيراني آية الله الخميني) بعودته إلى طهران، وكان سيشكل دولة فيتو (يقصد تنظيم فتح الله كولن الإرهابي)، وسيبنون دولة على طرازهم الخاص، ولكن الحمد لله، لم ينجحوا".

ويعتبر بشاران أن ذكرى محاولة الانقلاب تعني له الكثير والكثير، ويضيف: "أذكر الكثير من اللحظات، أذكر كيف أطلق الجيش النار على مكان عملي عندما كنت بداخله، أتذكر كيف حاولت الاتصال بأمي بينما كنت أختبئ من طلقات الانقلابيين أسفل مكتبي، أتذكر بفخر بطولة الشعب التركي في هزيمة الانقلابيين، ندعو الله دائماً وأبداً أن لا نعيش هذه الأيام مجدداً".

وخلال محاولة الانقلاب، حاول الانقلابيون إسكات كل وسائل الإعلام الكبرى في البلاد من أجل قطع التواصل بين القيادة والشعب، إذ سيطر الجيش على هيئة الإذاعة والتلفزيون ومقر التلفزيون الرسميTRT، واقتحموا مقرات العديد من الفضائيات الكبرى، كما حاولوا احتلال مجموعة "تركواز ميديا" الإعلامية التي تضم عشرات الفضائيات والإذاعات والصحف، إلى جانب مجموعة "دوغان الإعلامية" التي تضم هي الأخرى مجموعة كبيرة من المنصات الإعلامية آنذاك أبرزها CNN التركية.

أصعب يوم في حياتي

تشرح يشيم تشاغلار ما عايشته في تلك الليلة بالقول: "كنت مع أصدقائي خارج المنزل، وأختى كانت بالخارج، ووالدتي كانت بالمنزل، بدأت محاولة الانقلاب، لم نكن نعلم ما يحدث، لم أجد أي طريقة للتواصل مع عائلتي، انقطعت كل الاتصالات، كانت من أصعب الليالي في حياتي على الإطلاق، فقدت الأمان تماماً، شعرت بانعدام الأمن، لم أستطيع الوصول إلى عائلتي أو الاطمئنان عليهم.. عدم الوصول إلى الأهل وانعدام الأخبار والأمان وفهم ما يجري أسوأ شعور يمكن أن يعيشه الإنسان على الإطلاق".

تقول يشيم تشاغلار: لا أريد على الإطلاق حتى التفكير في هذا السيناريو.. دولة جميلة وعظيمة مثل تركيا لا تستحق أن يحكمها العسكر
تقول يشيم تشاغلار: لا أريد على الإطلاق حتى التفكير في هذا السيناريو.. دولة جميلة وعظيمة مثل تركيا لا تستحق أن يحكمها العسكر (TRT Arabi)

ورداً على سؤال حول رؤيتها لتركيا فيما لو نجحت محاولة الانقلاب، تقول تشاغلار لـTRT عربي: "لا أريد على الإطلاق حتى التفكير في هذا السيناريو.. دولة جميلة وعظيمة مثل تركيا لا تستحق أن يحكمها العسكر، والمجهول، والفوضى في القرن الواحد والعشرين، هذا ما كان سيحصل، كنا سنعيش المجهول والفوضى وحكم العسكر".

وتضيف تشاغلار التي تعمل بمنصب إداري في أحد البنوك التركية: "نعلم ذكريات الانقلابات المؤلمة من آبائنا، لكننا سعداء لأن جيلنا لم يعش هذه التجربة الصعبة، لو نجحت محاولة الانقلاب لعادت تركيا إلى الوراء 50 عاماً على الأقل في كل المجالات".

وتؤكد تشاغلار أن هذه الذكرى تعني لها وللشعب التركي الكثير، مضيفةً: "على صعيدي الشخصي تذكرني بأسوأ ليلة عشتها. فقدت فيها الشعور بالأمن، لكنها تعني لي أيضاً تلك الليلة التي أظهر فيها الشعب التركي شجاعته وأكد فيها أنه مستعد لتقديم أرواحه لأجل الوطن، أتذكر هذه الليلة بفخر كبير".

واستشهد في محاولة الانقلاب 251 مواطناً، عدد كبير منهم من المدنيين الذين لبوا نداء الرئيس التركي وخرجوا إلى الشوارع للوقوف في وجه الانقلابيين الذين أطلقوا النار بشكل مباشر عليهم في عدة أماكن، أبرزها جسر البوسفور الذي سقط فيه 37 شهيداً، ومبنى رئاسة الجمهورية في العاصمة أنقرة حيث استشهد 31، ومبنى رئاسة الأركان في أنقرة حيث استشهد 30، وأمام بلدية إسطنبول حيث سقط 11 شهيداً جميعهم من المدنيين، بالإضافة إلى 45 شهيداً سقطوا في قصف من الطائرات الحربية على مقر قيادة القوات الخاصة في غولباشي بأنقرة.

نجونا من كارثة كبرى

أكرم أوزديمير، موظف متقاعد يصف ما عايشه في ليلة محاولة الانقلاب، بالقول: "كنت أتابع التلفاز مع عائلتي، وردت أخبار أن وحدات من الجيش سيطرت على جسر البوسفور، لم نفهم ماذا يحصل ولم نُولِ ذلك اهتماماً، لكن إعلان بيان الانقلاب ودعوة الرئيس رجب طيب أردوغان إيانا للنزول إلى الشوارع أكدت وجود محاولة الانقلاب".

يقول أوزدمير:
يقول أوزدمير: "نزلنا لأجل بلدنا، لأجل مستقبل هذا الوطن، لأجل أطفالنا ومستقبلهم، حتى يبقى علمنا مرفوعاً في السماء" (TRT Arabi)

ويضيف أوزديمير لـTRT عربي: "بتعليمات من الرئيس أردوغان نزلنا إلى الشوارع، وبفضل الله وقوة شعبنا تمكنَّا من إحباط محاولة الانقلاب التي كانت تهدف إلى تدمير بلادنا، كنا نخشى أن يُقتل رئيسنا أو يعدَم هو وكل مساعديه والمسؤولين، هكذا فعل الانقلابيون في السابق"، في إشارة إلى إعدام رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس وعدد من مساعديه من قبل الانقلابيين عقب انقلاب عام 1960.

وعن الأسباب التي دفعته وآخرين إلى النزول إلى الشارع وتلبية دعوة أردوغان لمواجهة محاولة الانقلاب، يقول أوزدمير: "نزلنا لأجل بلدنا، لأجل مستقبل هذا الوطن، لأجل أطفالنا ومستقبلهم، حتى يبقى علمنا مرفوعاً في السماء، وحتى يبقى الأذان صادحاً من مآذن مساجدنا، لكل ذلك خرجنا وتمكنَّا بفضل الله من إحباط محاولة الانقلاب".

طلبنا من أوزديمير الذي يذكر الكثير مما عايشته البلاد في الانقلابات العسكرية السابقة وصف شعوره بمناسبة مرور 4 سنوات على محاولة الانقلاب، فقال: "ما يمكنني أن أقوله باختصار، وبناء على تجربة، إن بلادنا قد نجت من كارثة كبرى وتمكنت بفضل الله من تجاوزها بأقل الخسائر".

نؤمن بالتغيير الديمقراطي فقط

هلال رابعة الحايك التي تقطن في الجانب من الآسيوي من إسطنبول، تروي اللحظات الأولى لمحاولة الانقلاب بالقول: "كنت أنتقل من مكان إلى آخر في إسطنبول بالتاكسي، وصلني اتصال من والدي قال فيه إنه توجد محاولة انقلاب وطلب مني العودة إلى المنزل، لم أصدق الأمر في البداية، وسمعت لاحقاً في راديو التاكسي أن عناصر من الجيش يغلقون جسر البوسفور، وتأكدت أكثر عندما رأيت عربات عسكرية تخرج من إحدى القواعد العسكرية التي مررت من جانبها في ذلك الوقت".

اقرأ أيضا:

ذاكرة 15 تموز.. متحف يؤرخ للنصر على انقلاب عسكري فاشل

وتضيف هلال رابعة في حديثها لـTRT عربي: "وصلت إلى المنزل وتابعت مجريات الأحداث عبر التلفزيون حتى ظهر الرئيس أردوغان في التلفاز وطلب من الشعب الخروج إلى الشوارع، لبينا النداء وخرجت مع العائلة وتجمعنا في الميدان القريب من المنزل وتظاهرنا ضد محاولة الانقلاب".

وعن السبب الذي دفعها إلى النزول إلى الشارع على الرغم من خطر الموت، تقول: "هدفنا الأساسي كان إفشال محاولة الانقلاب وحماية وطننا، نحن نؤمن بأن التغيير يحدث بالطريقة الديمقراطية فقط ويجب ألا يجري عبر الانقلابات العسكرية"، وتتابع: "لو نجحت محاولة الانقلاب لغرقت تركيا في الفوضى ودُمر الاقتصاد وعشنا أيام صعبة وتراجعت مكانة تركيا بإضعافها وربما تقسيمها".

المصدر: TRT عربي