رغم مرور نحو شهر على دخول المادة رقم 141 من القانون الجنائي السوداني المعدل في عام 2020 التي تجرم ختان الفتيات حيز التطبيق، فإن عديداً من المدافعين عن حقوق النساء والمناهضين للختان لديهم مخاوف من استمرار تشويه الأعضاء التناسلية للنساء.

رغم مرور قرابة ثلاثة عقود على ذلك اليوم الذي تصفه زينب (اسم مستعار) بـ"المشؤوم"، فإنها لم تستطع تجاوزه،مازالت تتذكر كيف سحبتها حبوبتها (جدتها) إلى حجرها بقوة وسط نظرات صامتة لنساء الحي اللائي تجمعن ليكن شاهدات على بتر أكثر أعضائها حميمية. لم تكن تعي أن اللحظة التي ختنتها فيها "الداية" من المكان الذي أخبرتها جدتها بشأنه ذات يوم بأنها يجب أن تحذر من تعريته أمام الغرباء، ستتحول إلى ندب تحمله معها طيلة حياتها، و إلى جرح دائم يعيق ممارساتها لحياتها الطبيعية مثل باقي نساء العالم.

تتذكر زينب تلك الذكرى الأليمة كأنها اليوم، تحكي لـTRT عربي أنها منذ ذلك اليوم تحولت حياتها إلى جحيم لا يطاق، فهي غير قادرة على التبول دون ألم، وتعاني كل شهر من احتباس دماء الدورة الشهرية، وغير قادرة أيضاً على عيش حياتها الزوجية بصورة طبيعية. "العلاقة الحميمية جحيم أعيشه كلما اقترب مني زوجي، لم أشعر يوماً بالمتعة، لا أشعر بالرغبة في ممارسة الجنس"، تقول زينب، وتضيف: "كلما نظرت إلى جهازي التناسلي شعرت بالقرف، وأتساءل: لماذا فعلن بي هذا؟!".

أرقام صادمة

زينب ليست الوحيدة التي مرت بهذه التجربة القاسية، فوفقاً لإحصائيات أعدّتها منظمة اليونيسف سنة 2014، فإن 86.6 في المئة من النساء والفتيات في السودان تعرضن لتشويه أعضائهن التناسلية الأنثوية، 83 في المئة منهن مختونات ختاناً فرعونياً، وهو الأكثر قسوة وضرراً، إذ يُزالالشفران الصغيران كليّاً أو جزئيّاً، والشفران الكبيران، ثم تُخاط أجهزتهن التناسلية مع ترك فتحة صغيرة لمرور البول ودم الحيض.

وحسب منظمة الصحة العالمية فختان الإناث أربعة أنواع، الأول عن طريق إزالة خشف البظر والجلد حول البظر وإزالة البظر ذاته جزئيّاً أو كليّاً، أما الثاني فيُزال فيه الشفران الصغيران، مع إزالة البظر كليّاً أو جزئيّاً، وإزالة الشفرين الكبيرين، فيما يشمل النوع الثالث أي إجراء ضارّ يمسّ الأعضاء التناسلية الأنثوية من كيّ أو قطع أو تضييق للمهبل باستخدام مادة كاوية وغيرها، أما الأخير فهو الختان الفرعوني.

وفي ظلّ الحملة التي تخوضها منظمات حقوقية سودانية بدعم من الأمم المتحدة من أجل محاربة ختان الإناث في السودان، خصوصاً في المناطق النائية وفي شمال السودان، فقد انخفضت نسبة ختان الفتيات من الفئة العمرية الأصغر سنّاً، أي ما بين سنة و14 عاماً، من 37 في المئة سنة 2010 إلى 31.5 في المئة سنة 2014.

اقرأ أيضاً:

آمنة وأخواتها.. كورونا وسيرة قهر الفقراء في السودان

وغير بعيد عن السودان، وبنفس الدوافع الاجتماعية والثقافية، وبنفس الطريقة، تتعرض 98 في المئة من الفتيات في الصومال للختان، إذ لدىالصومال واحد من أعلى معدلات انتشار ختان الإناث في العالم، وينفّذه ممارسون تقليديون باستخدام سكين أو شفرة حلاقة، ويمارَس الختان في الصومال على الفتيات اللائي تتراوح سنّهن بين 4 و8 سنوات.

قانون يجرّم الختان

قبل شهر ونصف من الآن سدّت حكومة السودان إحدى الثغرات الخطيرة في القانون الجنائي، بإصدار مجلس السيادة الانتقالي تعديلات على قانون العقوبات شملت إضافة المادة 141 التي تُجرّم بنصٍّ صريح "ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية"، وقد اقترن التجريمفي النص الجديد بعقوبات على كل من ينتهك هذه المادة قد تصل إلى السجن ثلاث سنوات مع غرامة مالية، وتضمّ العقوبة كل من يزيل أو يشوّه العضو التناسلي للأنثى، سواء ارتُكبت هذه الجريمة في مستشفى أو مركز صحي أو مستوصف أو عيادة أو غيرها من الأماكن.

بالإضافة إلى الندوب الجسمانية التي يتركها الختان على النساء والفتيات، فإنه يترك آثاراً نفسية وخيمة
بالإضافة إلى الندوب الجسمانية التي يتركها الختان على النساء والفتيات، فإنه يترك آثاراً نفسية وخيمة (Getty Images)

تجدر الإشارة إلى أن المادة 141 من القانون الجنائي المعدَّل في 10 يوليو/تموز 2020، لم تكن الأولى في تاريخ تجريم الختان في السودان، فقد سبقها قانون لتجريم الختان عام 1946 إبان الاستعمار البريطاني، وفي 1973 أبقى المشرع السوداني التجريم، إلا أنه لم يحقّق أثراً إيجابيّاً على أرض في ظلّ المقاومة المجتمعية التي كانت تعتبر الختان ثابتاً من ثوابت المجتمع وركنا هامّاً من أركان "عاداته وتقاليده".

اقرأ أيضاً:

التحرش والاغتصاب.. لماذا تلوم المجتمعات العربية النساء وتحملهن المسؤولية؟

وقد رُفِع التجريم عن الختان على أثر تعديل القانون الجنائي سنة 1991، وهو ما استمرّ عليه الحال حتى 10 يوليو/تموز 2020.

وتعتبر أميرة عثمان، السكرتيرة العامة لمبادرة "لا لقهر النساء"، في حديثها لـTRTعربي أن "ارتباط المجتمع بالختان لا تعالجه القوانين مع ضرورتها ووجوب تنفيذها، إذ إن العقوبات المفروضة يمكن أن تؤدي إلى تقليل ارتكاب جريمة الختان، لكنها لن تقضي عليه"، وأردفت: "يجب محاربة الختان بنشر الوعي من خلال المناهج التعليمية والتليفزيون والإذاعة والجوامع لمعالجة جذور المعتقَد لا التعامل مع النتائج بعد سقوط الضحايا".

بدورها تعتبر الحقوقية ندى جوتار، أن "قضية ختان الإناث في السودان إرث مجتمعي قد يصعب القضاء عليه بالقوانين والتشريعات وحدها، بل يتطلب أيضاً تغييراً في الوعي وفي الثقافة الأسرية والمجتمعية"، وتؤكد ندى أن "العقوبات الرادعة خطوة مهمة للقضاء على عادة تشوّه وتضرّ بصحة الأنثى وتُعتبر عنفاً مركَّباً عانت منه جميع المختونات في مراحل الطفولة والمراهقة وما بعد الزواج وعند الإنجاب"، متمنية تطبيقه هذه العقوبات على أرض الواقع.

وتفسيراً لاستمرارهمنذ عقود رغم التجريم، قالت جوتار في تصريح لـTRT عربي "الختان يجري بطرق سرية، وفي العادة تُجرِيه مسنّات بالتنسيق مع قابلة الحي، وبإغراء الطفلات واستدراجهن"، مسترسلةً: "لكن منذ فترة أصبح لدى الناس وعي كبير بالأضرار الجسيمة لتلك العادة على الأسرة و على المجتمع عموماً".

التأثير النفسي للختان

بالإضافة إلى الندوب الجسمانية التي يتركها الختان على النساء والفتيات، فإنه يترك آثاراً نفسية وخيمة، ووفقاً للدكتورة هادية حسب الله، فإن "من أهمّ المشكلات التي تواجهها النساء بعد الختان فقدان الثقة بالذات، إذ إن الشابات اليافعات يشعرن بالضعف وبقسوة الانتهاك الجسدي، ويعتبرنها رسالة قوية بأنهن لا يملكن القدرة على كبح شهوتهن الجسدية دون تدخُّل جراحي مؤلم قاسٍ، وهو ما يجعلهن يشعرن بالفشل والخذلان".

وتضيف حسب الله في معرض حديثها لـTRT عربي، أن "صدمة العنف الجسدي للطفلات تقودهن إلى حالة إحباط مصحوب بعلامات التوتر والغضب والهياج والمعاداة، كما أن اليافعات يختلط عليهن العنف المندمج بالحماية، إذ تدّعي الأمهات العطوفات والجدات الحكيمات أن الختان حماية، وبذلك يختلط العنف الجسدي بالحب والحماية، وهو ما يُطلَق عليه "متلازمة استوكهولم"، فيستسلمن للضعف والهشاشة النفسية، التي قد تؤدي بهن إلى الاكتئاب وإلى قبول التعنيف من أزواجهن".

المصدر: TRT عربي