اتهامات بالعنصرية والتمييز للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون  (Christophe Archambault/AFP)

متجمهرين حول الطائرات، يتعلقون بحواشيها كما يتعلقون بآخر خيط لنجاتهم، تستمر المركبة الجوية في التقدم غير آبهة بعشرات الأرواح حولها، ثم تحلق رامية إياهم من على ارتفاع عشرات الأمتار نحو الهاوية. ليست هذه مشاهد من فيلم هوليودي عن نهاية العالم، بل هي المأساة التي عاشها مطار كابل يوم الاثنين 16 أغسطس/آب، راسمة الوجه القبيح لحرب دامت 20 عاماً واضعة حياة ملايين المدنيين على محك الاختيار بين موت تعددت أشكاله، أبرزه ذاك الذي في سبيل النجاة خارج أراضي البلاد.

أمام كل هذه المآسي لم يدخر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جهداً في التحذير من مغبة موجة النزوح التي قد تثيرها على أوروبا. كان ذلك إثر خطاب توجه به للشعب الفرنسي، مساء الاثنين، اتهمه الكثيرون بالعنصرية. ورأى فيه آخرون انتهازاً لفرصة الأحداث الأفغانية الأخيرة في محاولة لاستمالة ناخبي اليمين المتطرف في حملة انتخابية سابقة لأوان رئاسيات 2022.

"خطر اللاجئين الأفغان"؟

في أول كلمة له بعد سقوط كابل وسيطرة حركة طالبان التامة على أفغانستان، حذَّر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ممَّا أسماه "مخاطرَ" موجة لجوء ثانية قد تجتاح أوروبا عقب ذلك. في خطاب استمر لنحو 10 دقائق ركز فيه على "حماية" أوروبا من "تدفق" المهاجرين الأفغان "غير الشرعيين"، وأعلن عن "مبادرة" مع الدول الأوروبية للحؤول دون "موجات هجرة واسعة تغذي التهريب على أنواعه" من أفغانستان، ومساعدة دول الجوار على استقبال اللاجئين.

هذا ودون الحديث عن فتح ممرات آمنة للأفغان الفارين أو منح تأشيرات على نطاق واسع. ركّز الرئيس الفرنسي بالمقابل على عزم بلاده إطلاق "مبادرة لبلورة رد صلب ومنسق وموحد"، داعياً إلى "تضامن في الجهود والتجانس في معايير الحماية وإقامة آليات تعاون مع دول العبور" مثل تركيا وإيران وباكستان.

كما شدَّد على "حماية من يساعدوننا: مترجمون وسائقون وطباخون وآخرون". وبالتالي فإن "جميع الموظفين الأفغان في الهياكل الفرنسية الذين يمكن أن يتعرضوا للتهديد وكذلك أسرهم التي تمثل أكثر من 600 شخص"، يمكن بحسب الحكومة أن يتم إيواؤهم في فرنسا. يضاف إليهم "عدد آخر من الحقوقيين الأفغان والمحامين والصحفيين والفنانين والمناضلين"، معتبراً ذلك "شرفاً لفرنسا".

حديث ماكرون هذا لاقى استهجاناً كبيراً من الرأي العام الدولي والعالمي، متهماً إياه بـ"العنصرية" وبـ"الانتقائية" في تمتيع المواطنين الأفغان بحق اللجوء المكفول دولياً، الذي يهدف أساساً إلى الحفاظ على سلامة الإنسان من دون اعتبارات مهنته أو نشاطاته العامة. وفي هذا السياق غرد حساب النقابة الطلابية الفرنسية، الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا، قائلًا: "مستقبلًا، ستذكر كتب التاريخ بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ترك للموت آلافاً من اللاجئين الأفغان".

وقالت المناضلة الحقوقية والصحفية الفرنسية من أصول مغربية، فايزة بن محمد، على صفحتها بتويتر: "لا يمكن تحمُّل الإصغاء لما تفوه به ماكرون. أن يتحدث عن "حماية" أوروبا من سيل الهجرة الناتجة عن الأوضاع بأفغانستان، مع منح دروس حول أهمية نشر المبادئ الجمهورية، هو فعلاً أمر مريض". هذا وتداول ناشطون آخرون عريضة مطالبة بفتح معابر آمنة للاجئين الأفغان.

حملة انتخابية مسبقة؟

ختمت بن محمد تغريدتها المذكورة بالقول: "إيمانويل لوبان"، في دلالة على محاولة الرئيس محاكاة خطاب زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف، مارين لوبان. ولم يجانب رأيها آراء آخرين حول أن الخطاب الأخير لماكرون يحمل نوعاً من منافسة اليمين الشعبوي في خطابه المعادي للمهاجرين.

ماكرون ولوبان اللذان يتنافسان حول عرش الإيليزي في انتخابات السنة القادمة، قُرأ حديث ماكرون الأخير على أنه حملة انتخابية سابقة لأوانها، ومحاولة منه لاستمالة ناخبي اليمين المتطرف للتصويت له. الأمر الذي أشار إليه منافسهما الآخر، جان لوك ميلانشون، عن حركة فرنسا الأبية أقصى يسار المشهد السياسي الفرنسي، إذ علَّق على حديث الرئيس قائلًا: " حان وقت إعادة تشكيل سياستنا الدولية، وانتخابات 2020 هي اللحظة الأهم لتحقيق ذلك".

هذا وتلقى الاتحاد الأوروبي انتقادات كبيرة، وصفت إعلامياً بـ"نفاق الأوروبي"، حول تأخره في الاستجابة لطلبات اللاجئين الأفغان، وتمسكه إلى حدود لحظة سقوط كابل بقرار الترحيل القسري في حقهم.

TRT عربي