خلال عام واحد.. كيف تعمل تركيا لتكون ممراً استراتيجياً للطاقة؟ / صورة: AA (AA)
تابعنا

في الوقت الذي تدفع فيه أزمة الطاقة الحادة الدول الأوروبية إلى اقتراح إجراءات "خلاقة"، من بولندا التي حثّت مواطنيها على الذهاب إلى الغابات وجمع الحطب، إلى سويسرا التي طالب وزيرها المواطنين بالاستحمام معاً، تسعى تركيا لتطوير مشاريع الطاقة لديها خلال العام المقبل بما يجعل منها ممرّاً استراتيجيّاً رئيسيّاً لنقل الطاقة إلى أوروبا.

وحسب تصريحات وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونماز، مستغلةً موقعها الجغرافي الفريد الواقع على مفترق طرق القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، وباعتبارها إحدى أسواق الطاقة الأسرع نموّاً في العالم، تعمل تركيا منذ فترة طويلة على تحويل البلاد إلى مركز عالمي للطاقة والموارد الطبيعية.

وعلى هامش حفل زيادة سعة منشأة تخزين الغاز الطبيعي بمنطقة سيليفري، التي تُعتبر أكبر منشأة لتخزين الغاز الطبيعي في تركيا وأوروبا بقدرة استيعابية تبلغ 4.6 مليار متر مكعب، أشار دونماز إلى أن تركيا لديها كل الحجج التي ستجعل هدفها المتمثل في أن تكون الدولة المركزية في مجال الطاقة حقيقة واقعة، من خلال 7 خطوط أنابيب دولية للغاز الطبيعي، و4 منشآت للغاز الطبيعي المسال، ومنشأتين لتخزين الغاز الطبيعي تحت الأرض، وفقاً لما أوردته الأناضول.

مركز للطاقة خلال عام واحد

خلال حديثه لمجموعة من الصحفيين في مصنع معالجة الغاز الطبيعي فيليوس في مقاطعة زونغولداك بمنطقة البحر الأسود، قال الوزير دونماز إن تركيا تهدف إلى تشكيل مشروع جعل البلاد مركزاً للطاقة في غضون عام واحد، فيما عززت أنقرة البنية التحتية للطاقة، لافتاً إلى أن هذه المسألة تحتاج إلى تقييم منفصل من منظور قانوني وتجاري وتقني.

وأوضح دونماز أيضاً أن مثل هذا المركز للطاقة لن يعتمد فقط على الغاز الروسي، ولكن مصادره ستكون متنوعة، مؤكداً أنهم يُجرون محادثات مع كل من روسيا ودول مصدّره أخرى، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخير بجعل تركيا مركزاً لنقل الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا قد سرّع وتيرة هذا المشروع.

يُذكَر أن اقترح بوتين إنشاء قاعدة للغاز في تركيا قد صدر لأول مرة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي كوسيلة لإعادة توجيه الإمدادات من خطوط أنابيب نورد ستريم المتضررة وتصديرها إلى السوق الأوروبية عبر السيل التركي الذي لديه إمكانيات كبيرة لزيادة السعة، وهي الفكرة التي أيدها الرئيس رجب طيب أردوغان.

وقال الوزير إنه لا يمكن توقع أن يتحقق هذا المشروع في غضون ثلاثة إلى خمسة أشهر: "هدفنا هو إحياء مثل هذه السوق في غضون عام. قد يمكننا البدء بعدد محدود من الأسواق في الفترة الانتقالية قبل سوق دائمة في وقت لاحق". وتابع قائلاً: "توجد حاجة إلى عقود جديدة لتصدير الغاز وبيعه إلى أوروبا"، على الرغم من أنه ليس من المؤكد بعد من سيكون هؤلاء الموردون والمشترون الجدد.

"بديل آمن يربط كل الخطوط"

بالتزامن مع اندلاع الحرب الأوكرانية قبل أكثر من 10 أشهر، عادت تركيا لتتصدر الرؤى والخطط الأوروبية التي ترى في تركيا ممرّاً استراتيجيّاً آمناً لربط كل خطوط الطاقة الواصلة إلى أوروبا عبر أراضيها. هذه الخطط لم تكن وليدة الأزمة الأخيرة، فمنذ اشتعال الأزمة الروسية-الأوكرانية عام 2014 بعد استيلاء الروس على شبه جزيرة القرم الأوكرانية، تزايدت أهمية تركيا في سوق الطاقة، وبات الأوروبيون يضعون تركيا في مركز خططهم الرامية إلى كسر الاحتكار الروسي وتعزيز أمن الطاقة الأوروبي.

ويتيح موقع تركيا الاستراتيجي القريب من منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، حيث أكثر من 70% من احتياطيات النفط والغاز الطبيعي المؤكدة في العالم، تعزيزَ أمن الطاقة للبلاد، ومن ناحية أخرى يمنحها يداً عليا من خلال احتضانها 7 خطوط أنابيب الغاز الطبيعي العابرة للحدود التي تمر عبر أراضيها.

هذه الخطط ليست بجديدة لتركيا، فطوال العقدين الماضيين استثمرت تركيا عشرات المليارات لإنشاء البنية التحتية التي تخوّل إليها أداء هذه المهمة بكل نجاح، الأمر الذي دفع أردوغان عشية الاحتفال بالذكرى 99 لتأسيس الجمهورية التركية في 29 أكتوبر/، للإعلان عن جعل تركيا مركزاً عالميّاً للطاقة يأتي على رأس خارطة الطريق التي سيتبعها حزب العدالة والتنمية الحاكم، والتي بدورها ستحدد ملامح تركيا خلال الأعوام المئة المقبلة.

استثمارات مليارية

خلال الاجتماع التشاوري الرابع عشر لقطاع التنقيب عن الهيدروكربونات وإنتاجه، أجرى الوزير دونماز تقييمات حول أنشطة الاستكشاف والإنتاج في تركيا في مجال النفط والغاز، مؤكداً أنهم في تركيا ركزوا على أنشطة الحفر في البر والبحار في السنوات الأخيرة، وأضاف: "لقد أنتجنا 354 مليون برميل من النفط الخام ونحو 12 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي مع اكتشافات جديدة في السنوات العشرين الماضية. إذا أخذنا أسعار اليوم كأساس، فإن إنتاج النفط الخام المحلّي بلغ 28.3 مليار دولار، فيما حقّقنا 13 مليار دولار من إنتاج الغاز المحلي".

وعلى صعيد النفط صرّح دونماز بأنه اعتباراً من عام 2022، يوجد في تركيا ما مجموعه 40 شركة، منها 30 محلية و10 أجنبية، تعمل في أنشطة الاستكشاف والإنتاج، مشيراً إلى أنه في السنوات الـ21 الماضية استثمر قطاع البترول التركي والقطاع الخاص 15 مليار دولار في أنشطة التنقيب عن النفط وإنتاجه.

وفي إشارة إلى أن 33 ضعف كمية 16.5 مليار متر مكعب من الغاز المنتج طوال تاريخ الجمهورية لم تُلتقط إلا باكتشاف واحد في البحر الأسود، قال دونماز: "آمل أن نواصل حفر آبار جديدة في البحر الأسود، وسنفعل كما قلنا من قبل، سيأتي الباقي، تَرقَّبوا". وأضاف: "في قرن تركيا (مئوية الجمهورية التركية الثانية التي تبدأ العام المقبل)، سنصل إلى هدفنا المتمثل في الدولة المركزية بمجال الطاقة"، مشيراً إلى أنهم أنشؤوا بنية تحتية نشطة متطورة باستمرار من الإنتاج إلى التكنولوجيا في قطاع الغاز الطبيعي.

TRT عربي