بالرغم من محاولة عناصر الأمن فضّ اعتصام الأئمّة والإطارات المسجدية بتونس بالقوة، إلا أن المعتصمين مصممون على التمسك بالاحتجاج على التهميش الحكومي وأوضاعهم المزرية.

لليوم العاشر على التوالي يتمسك المئات من إطارات المساجد وأئمتها في تونس باعتصامهم المفتوح أمام وزارة الشؤون الدينية بالعاصمة، انتفاضة كما يقولون لكرامتهم، وتنديداً بالظروف الاجتماعية والمادية المزرية التي يعيشونها في ظل تهميش حكومي، مهددين بهجر المساجد وتسليم مفاتيحها لسلطة الإشراف.

ولم يمنع عامل السن ولا بُعد المسافة التي تكبدها الإمام محمد الأخضر المباركي من مسقط رأسه بمحافظة توزر جنوب البلاد نحو ساحة القصبة بالعاصمة للاعتصام رفقة العشرات من أئمة المساجد للمطالبة بحقوقهم المادية والمعنوية.

اعتصام مفتوح

بلهجة حادة يشكو الشيخ في حديثه لـTRT عربي ضنك العيش رفقة عائلته كثيرة العدد، وهو الذي قضى أكثر من أربعين عاماً في خدمة مسجد الجهة، نصفها بشكل طوعي والباقي براتب حكومي لا يتجاوز الـ100 دولار في الشهر لا يكاد يفي بأبسط متطلبات العيش وفي ظل غياب لأي تأمين اجتماعي وصحي.

يطالب الأئمة والوعاظ المعتصمون بإعادة هيكلة قطاعهم المهمش منذ عقود، وسن قانون أساسي للإطارات المسجدية ومنح العاملين حقوقهم الاجتماعية الكاملة
يطالب الأئمة والوعاظ المعتصمون بإعادة هيكلة قطاعهم المهمش منذ عقود، وسن قانون أساسي للإطارات المسجدية ومنح العاملين حقوقهم الاجتماعية الكاملة (TRT Arabi)

ويتمسك الرجل رغم كبر سنه وظروفه الصحية بمواصلة الاعتصام المفتوح بساحة الحكومة بالقصبة، وعدم العودة لمسقط رأسه إلى حين الاستجابة لمطالبه الاجتماعية والمادية رفقة زملائه من الإطارات المسجدية، التي لا تكف حناجرها عن الهتاف بشعارات الصمود والتنديد بسياسات التهميش التي تمارسها الحكومة تجاههم.

وحاولت عناصر أمنية الاثنين الماضي، فض اعتصام الأئمة والإطارات المسجدية بالقوة، لكن إصرار المعتصمين على مواصلة الاحتجاج على بُعد خطوات من مقر الحكومة بمساندة ودعم من اتحاد الشغل حال دون ذلك.

نقابة قطاع الشؤون الدينية أكدت في بيان لها أن "تحرك أهل القطاع هو احتجاج الكرامة ضد سياسة التجويع والتفقير الممنهجة كي يسهل تدجينه وخدمة أجندات حزبية ضيقة".

قطاع مهمش

ويؤكد البشير بقة عضو المكتب التنفيذي للجامعة العامة للشؤون الدينية في حديثه لـTRT عربي أن عدد الإطارات المسجدية المشاركة في "اعتصام الصمود " بلغ نحو 5000 إطار مسجدي قدموا يوم الاثنين الماضي للمشاركة في وقفة احتجاجية تحولت بعدها إلى اعتصام مفتوح.

يبلغ العدد الإجمالي للإطارات المسجدية في كامل تراب البلاد  20000 يتوزعون على 6035 مسجداً
يبلغ العدد الإجمالي للإطارات المسجدية في كامل تراب البلاد  20000 يتوزعون على 6035 مسجداً (TRT Arabi)

وهدد القيادي بتصعيد أشكال الاحتجاج حال عدم التفات الحكومة لمطالب الأئمة المعتصمين، والتي قد تصل، حسب قوله، لهجر المساجد وعدم إقامة الصلوات كآخر حل للضغط على الوزارة والحكومة بهدف إيجاد حل نهائي لسياسات التفقير والتجويع الممنهجة ضد الإطارات المسجدية.

ويطالب الأئمة والوعاظ المعتصمون بإعادة هيكلة قطاعهم المهمش منذ عقود، وسن قانون أساسي للإطارات المسجدية ومنح العاملين حقوقهم الاجتماعية الكاملة على غرار باقي موظفي القطاع الحكومي، من عُطل سنوية ومِنح مرضية وتقاعد.

وندد غالبية الأئمة الذين تحدثت معهم TRT عربي في مقر اعتصامهم على بُعد أمتار من وزارة الشؤون الدينية، باقتصاص الحكومة لِمِنَحهم خلال شهر رمضان الماضي في سلوك وصفوه بالغريب، بذريعة عجز في ميزانية وزارة الشؤون الدينية.

عضو المكتب التنفيذي بشير بقة اعتبر أن الإطارات المسجدية هي الحلقة الأضعف في معركة بين وزارة الشؤون الدينية ووزارة المالية، التي رفضت طلباً بتمكين الوزارة المعنية من ميزانية تكميلية لسد عجزها وخلاص أجور إطاراتها المسجدية.

لم يمنع عامل السن ولا بُعد المسافة التي تكبدها الإمام محمد الأخضر المباركي من مسقط رأسه بمحافظة توزر جنوب البلاد نحو ساحة القصبة بالعاصمة للاعتصام
لم يمنع عامل السن ولا بُعد المسافة التي تكبدها الإمام محمد الأخضر المباركي من مسقط رأسه بمحافظة توزر جنوب البلاد نحو ساحة القصبة بالعاصمة للاعتصام (TRT Arabi)

ويستنكر القيادي باتحاد الشغل الوضع الاجتماعي الذي وصفه بالكارثي لغالبية الأئمة؛ حيث لا يملك أغلبهم دفتر علاج ولا تغطية اجتماعية، خصوصاً من النساء "المؤدبات" اللاتي يتم اقتطاع أجورهن بشكل فاضح ومهين خلال فترة الولادة والمرض.

غياب تعليق رسمي

يبلغ العدد الإجمالي للإطارات المسجدية في كامل تراب البلاد 20000 يتوزعون على 6035 مسجداً، بينهم 14000 إمام متفرغ بشكل تام لخدمة بيوت الله، ويتقاضون أجوراً ضعيفة لا تكاد توفر لهم الاحتياجات الأساسية.

ورفض وزير الشؤون الدينية أحمد عظوم التعليق على الموقف الرسمي لوزارته بخصوص الاعتصام، مكتفياً بالقول في تصريح مقتضب لـTRT عربي إن الوزارة بصدد المشاورات مع الإطارات المسجدية لإيجاد حل يرضي جميع الأطراف.

وسبق أن أقر الوزير خلال جلسة برلمانية للمصادقة على ميزانية وزارة الشؤون الدينية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بالوضعية الهشة لإطارات المساجد، وبتدني الأجور التي يتقاضونها والتي قد لا تتجاوز الـ 27 دولاراً شهرياً للأئمة غير المتفرغين.

وفي ظل غياب أي بوادر انفراج فيما يتعلق بالمشاورات مع الحكومة حول مطالبهم، يتمسك الأئمة باعتصامهم، رغم الظروف المناخية الحارة، ونومهم في العراء مؤكدين أنها معركة كرامة ووجود.

المصدر: TRT عربي