تعود عادة دفع المهر في الهند إلى آلاف السنين، وذلك لمساعدة النساء المحرومات حينها من الميراث بموجب القوانين الهندوسية، ليتمكنّ من تأمين حياتهن في أثناء الزواج. وتسببت هذه العادة في عنف وإساءات جسدية ضد المرأة التي تُكرِه عائلتها على دفع المهر.

في البداية، لم يكن لدى قوات الأمن أي سبب لاعتبار وفاة الطالبة البالغة من العمر 24 عاماً أمرًا مشبوهاً، إلى أن تقدمت عائلتها بشكوى بموجب قانون "الوفاة بسبب المهر" في البلاد.

إذ يسمح القانون بتوجيه التهم إلى الأشخاص الذين تسببوا في وفاة أو انتحار امرأة خلال السنوات السبع الأولى من زواجها، والتي وعدت فيها الأسرة بالمهر، وهي عبارة عن مجموعة هدايا تُمنح لعائلة العريس عندما يتزوج الزوجان.

وقد حُظرَت المهور في الهند منذ أكثر من 60 عاماً، إلا أن هذه العادة مستمرة إلى اليوم، في المناطق الريفية والمدن التقليدية.

ورغم أن ولاية كيرالا من المدن الهندية التي تنخفض فيها نسبة الأمية، فإنها تسجل في الوقت ذاته أعلى قيمة في المهور، وفق تقرير للبنك الدولي صدر مؤخراً.

وبالرجوع إلى حادثة وفاة فيسمايا ناير، صرحت الشرطة في ولاية كيرالا بأنه لم يُحدَّد ما إن كانت ماتت مقتولة أو منتحرة. مع ذلك قُبضَ على زوجها الذي أنكر ارتكابه جريمة القتل.

الفتاة العشرينية فيسمايا ناير في حفل زفافها في مايو/آيار 2020 (Others)

ممارسة غير قانونية

تعود عادة دفع المهر في الهند إلى آلاف السنين، وذلك لمساعدة النساء المحرومات حينها من الميراث بموجب القوانين الهندوسية، ليتمكنَّ من تأمين حياتهن في أثناء الزواج.

إلا أنه مع مرور الوقت، تسببت هذه العادة في عنف وإساءات جسدية ضد المرأة التي تُكرَه عائلتها على دفع المهر. وجُرّم إثر ذلك بموجب قانون حظر المهور لعام 1961، بغرامة وحكم بالسجن مدة خمس سنوات على الأقل.

ويرى خبراء ومحللون أن القانون لم يكن فعالًا، لذلك أدخل عليه المشرعون في ثمانينيات القرن الماضي أقساماً ونصوصاً إضافية، تسمح للسلطات بتوجيه الاتهام إلى الرجال أو أفراد أسرهم بـ"الموت بسبب المهر"، ويُحكَم عليهم بذلك بالسجن المؤبد.

وعلى الرغم من هذه القوانين الردعية والإجراءات الصارمة، كشفت عدة تقارير تواصل ارتفاع عدد الجرائم على خلفية دفع المهور. ووفق مكتب سجلات الجريمة الوطني في الهند، فقد سُجّل أكثر من 13000 شكوى وأكثر من 7100 حالة وفاة على خلفية دفع المهور عام 2019.

إدانة واسعة لعادة دفع المهور

وفق ما أفادت به عائلة ناير، فقد كانت الضحية فتاة نشطة وذكية، تدرس بكلية الطب وناشطة بالمجتمع المدني، ومثلت الدولة في المعسكرات الوطنية، على غرار مشاركتها في جناح الشباب في الجيش الهندي.

وأشار شقيق ناير إلى أنه رغم حبها للرقص والسفر والطيران، فقد مُنعت بعد زواجها من كل ذلك، وحُرمت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الاتصال بوالديها، وكل ذلك بسبب المهر، لأن زوجها لم يكن سعيداً بالسيارة التي قدّمَتها له عائلة زوجته، وطالب بسيارة أفخم منها، إضافة إلى أنه لم يكن مسروراً بقيمة الذهب الذي منحته العائلة للزوجين، في حين كانت تمثّل مدخرات العائلة طوال أكثر من 20 عاماً من العمل الشاقّ.

ولم تكن ناير المرأة الوحيدة التي ماتت في ظروف مريبة في ولاية كيرالا الهندية، فقد قدّمَت عائلات ثلاث نساء أخريات شكاوى للشرطة بشأن المهور.

وفي نفس اليوم الذي ماتت فيه ناير، توُفّيت أركانا البالغة من العمر 22 عاماً، خلال السنوات السبع الأولى من الزواج.

وبعد يوم واحد عُثر على سوتشيترا تيال البالغة من العمر 19 عاماً ميتة كذلك في المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها، وتدّعي عائلتها أنها وفاة بسبب المهر. كما عُثر بعد ذلك على عروس جديدة رابعة ميتة في منزلها، قدّمَت عائلتها شكوى على خلفية نفس القضية.

وفي حين لم تُصنَّف الوفيات قطعاً على أنها وفيات المهور، فإنها أثارت صدمة وغضباً على نطاق واسع في ولاية كيرالا، وطالب على أثرها كثيرون بإنهاء هذه العادة المثيرة للجدل.

هنديات يتجمعن للمشاركة في "جدار المرأة" البالغ طوله 620 كيلومترًا ضد التمييز بين الجنسين في ولاية كيرالا، 2019. (Others)

هل يُكسَر حاجز الصمت؟

يعتبر خبراء ومحللون أن من الصعب تضييق الخناق على هذه العادة المثيرة للجدل لأنها أصبحت متداخلة مع سمعة المرء ومكانته الاجتماعية، إذ يخشى الناس أن يُنظَر إليهم بازدراء إذا لم يُظهِروا الثروة في زواج ابنتهم.

كما سُوّق لهذه العادة تحت اسم "تقديم الهدية"، مما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين ما يُعتبر تقليدياً "مهراً" وما يمكن تصنيفه على أنه هدية تُمنح طواعية من العروس لعائلة العريس.

وتعتبر شهيدة كمال، عضو لجنة المرأة في ولاية كيرالا، ذلك ثغرة في قانون حظر المهور لعام 1961. فالهدايا مثل الذهب أو الأرض أو السيارات التي وهبتها العائلات لا تندرج تحت حكم القانون.

أما الضحية فيسمايا ناير فقد تعمدت، وفق ما صرّح به شقيقها، إخفاء الإساءة التي تتعرض إليها من زوجها فترة طويلة لكي لا تسبب مزيداً من الآلام والعبء لعائلتها، ومثلها إلى اليوم كثير من الفتيات.

مع ذلك فقد بدأ حاجز الصمت يُكسر رويداً رويداً، وأصبحت المراكز النسائية والمحامون يتلقون مئات الاتصالات والشكاوي اليومية، حول ما يتعرضن إليه من إساءة بسبب المهور. وتشدّد في الوقت ذاته الجهات الرسمية والحقوقية على ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لدعم المرأة، وتحقيق المساواة بينها وبين الرجل.

TRT عربي