في سابقة علمية عربية، بدأ مركز تونسي استخدام الكلاب المدربة للتقصِّي المسبق لسرطان الثدي لدى النساء، فيما أكد القائمون على المشروع نجاح التجارب بنسبة فاقت 97 بالمئة، بما يفتح بدائل جديدة للكشف المبكر عن هذا المرض الخبيث.

تونس ـــ على وقع احتفال تونس بشهر "أكتوبر الوردي" للتقصِّي المبكر لسرطان الثدي، أعلن فريق من الخبراء التونسيين في مجال الصحة وتدريب الكلاب عن نجاح النواة الأولى لمشروع نموذجي هو الأول في تونس والعالم العربي وإفريقيا، يعتمد على التقصي المبكر لسرطان الثدي عند النساء، مستخدماً حاسة الشم عند هذه الحيوانات.

وبدأت منذ سنوات تجارب بحثية أثبتت نجاعتها، في كل من أوروبا وأمريكا، تعتمد على استخدام حاسة الشم لدى الكلاب للتقصِّي المبكر لسرطان الثدي، على غرار المركز الفرنسي"KDOG Cancer Detect Groupلكن هذه التجارب العلمية رغم أهميتها، لم تعمَّم في العالم العربي ولا في إفريقيا.

تجربة مريرة مع السرطان

الدكتورة هدى اليعقوبي، من كوادر المركز النموذجي K9 Dog centre Sousse بمحافظة سوسة الساحلية، دفعتها، كما تقول لـTRT عربي، تجربة شخصية مريرة عاشتها داخل عائلتها، للانخراط في هذا المشروع، إثر وفاة شقيقتها بسرطان الثدي بسبب تأخر الكشف المبكر عن الحالة.

الدكتورة هدى رفقة الفريق المكوّن لمشروع تقصي سرطان الثدي باستخدام الكلاب
الدكتورة هدى رفقة الفريق المكوّن لمشروع تقصي سرطان الثدي باستخدام الكلاب (TRT Arabi)

مراحل كشف السرطان

في شرحها طبيعة عمل المركز، تشير اليعقوبي إلى أن مراحل عملية تقصي سرطان الثدي التي مرت بها 500 سيدة داخل المركز وأثبتت نجاعتها بنسبة فاقت 97 بالمئة، سهلة ولا تتطلب حتى انتقالهن إلى عين المكان.

ويكفي أن ترسل المرأة قماشاً طبياً يمنحها إياه المركز لتضعه في صدرها ليلة كاملة، بحيث يمتص التعرقات والأجسام العضوية التي تفرزها ، ليوضع في وقت لاحق هذا القماش القطني في حاوية مع أقمشة أخرى، وتُجلَب الكلاب المدربة التي تتعرف بحاسة الشمّ على القماشة الخاصة بمريضة السرطان وتحاول التقاطها بفمها.

تؤكّد محدثتنا أن التجارب والأبحاث العلمية خلصت إلى أن كل ورم سرطاني يحمل رائحة مميزة، وأن للكلاب المدربة قدرة على تمييز الأجسام العضوية التي يفرزها جسم المرأة المصابة بشكل مبكر وبلا أعراض.

صاحب فكرة المشروع سيف خلال عملية تدريب الكلب على تقصي السرطان
صاحب فكرة المشروع سيف خلال عملية تدريب الكلب على تقصي السرطان (TRT Arabi)

وتقول اليعقوبي إن أهمية هذا المشروع تكمن في تسهيل عملية الكشف عن السرطان لدى النساء، لا سيما اللاتي يخشين الذهاب إلى مراكز التصوير الإشعاعي، أو اللاتي ينتظرن أدوارهن لأشهر في المستشفيات الحكومية ، فضلاً عن مخاطره الصحية على الجسم وتكلفته الباهظة في المصحات ومراكز الكشف الخاصة.

أرقام مفزعة لمرضى السرطان

وزير الصحة التونسي فوزي مهدي، كان كشف منذ أيام عن أرقام مخيفة لعدد الإصابات السنوية بسرطان الثدي لدى نساء تونس، إذ أقر بتسجيل 3300 إصابة جديدة في 2019، ولفت إلىأن 40 بالمئة من الأورام تُكتشف في مرحلة متأخرة، أي عندما يتجاوز قطرها 5 سم، مما يزيد تعقيد مسار العلاج ويزيد نسبة الوفيات، كما أشار إلى أن الفحص المبكر للسرطان دائماً، حسب وزير الصحة، قادر على إنقاذ 30 بالمئة من حالات الإصابة.

تدريبات خاصة للكلب

وُكلت إلى الكلب "روي" مهمة التقصي المبكر لسرطان الثدي في هذا المركز النموذجي عن طريق استخدام حاسة الشم لديه، وهو من فصيلة "الراعي البلجيكي"، ويقول مدربه سيف بن عياد، وهو أحد مؤسسي هذا المشروع ، فضلاً عن حمله شهادة دولية من هولندا في مجال التحكيم وتدريب "الأنياب"، إن كلبه خضع لدورات تدريب شاقة تواصلت على مدى أشهر لتمييز رائحة الموادّ العضوية التي يفرزها جسم المرأة المصابة بسرطان الثدي من بقية الروائح الأخرى.

الكلب روي خلال عملية شم القطعة القماشية التي تحمل الإفرازات العضوية
الكلب روي خلال عملية شم القطعة القماشية التي تحمل الإفرازات العضوية (TRT Arabi)

يستحضر سيف في تصريح لـTRT عربي بمرارة، فقدان بعض قريباته اللاتي قضين نحبهن بسبب الداء اللعين، ويقول متحسراً إنه كان يمكن أن يُمنَحن حياة جديدة حال اكتشفن المرض في مراحل مبكرة، وشدّد على أنه كان حريصاً على نقل التجربة الهولندية في مجال تدريب الكلاب واستخدام حاسة شمها، إلى بلده الأم تونس، سعياً منه لإنقاذ أرواح بشرية في المستقبل، لا سيما الريفيات اللاتي تُعوِزهن الإمكانيات المادية للكشف المبكر في ظلّ منظومة صحية متدهورة زادها وباء كورونا تعقيداً.

تعميم المشروع عربيّاً

يأمل القائمون على المركز أن تنخرط وزارة الصحة في هذا المشروع النموذجي وتدعمه، بعد النجاحات التي حقّقها في الكشف المبكر عن السرطان، مؤكدين أنهم قدّموا ملفهم طوعياً ومجانياً للجهات المعنية بانتظار ردهم.

وفي هذا الصدد يؤكد المدير التنفيذي للمشروع علي بن عياد، أن المركز الذي أنشئ في 2018 بمدينة القلعة الكبرى من محافظة سوسة الساحلية، يتضمن عدة اختصاصات لتدريب الكلاب لأغراض أمنية وصحية، لافتاً في حديثه لـTRT عربي إلى خوض المركز قريباً تجارب جديدة تعتمد على استخدام حاسة الشمّ لدى الكلاب في الكشف عن المرضى بفيروس كورونا في الأماكن العامة والخاصة.

ويطمح بن عياد إلى تعميم تجربة الكلاب المدربة لأغراض صحية في دول عربية أخرى، مؤكداً أن المركز يضع جميع خبراته أمام الراغبين في العالم العربي من مراكز بحثية في مجال مكافحة السرطان أو جهات طبية للاستفادة من هذا المشروع النموذجي الأول، سواء بتدريب الكلاب لأغراض صحية أو لتدريب مدربي الأنياب.

المصدر: TRT عربي