تأثير التغيير المناخي وشح المياه في الشرق الأوسط سيزداد سوءاً وقد لا يكون هناك طريق للرجوع. وبهدوء تتجه المنطقة نحو أكبر كارثة طبيعية في تاريخ البشرية، وقد يصبح نزوح اللاجئين والصراع العالمي المستمر مجرد ظل باهت للنزوح البشري المفزع المقبل.

معارك المياة المتوقعة في الشرق الأوسط
معارك المياة المتوقعة في الشرق الأوسط (Reuters)

تتجه منطقة الشرق الأوسط بهدوء نحو أكبر كارثة طبيعية في تاريخ البشرية، ولا يوجد شيء يمكن فعله حيال ذلك، وقد يصبح نزوح اللاجئين والصراع العالمي المستمر مجرد ظل باهت للنزوح البشري المفزع المقبل.

1) تحذيرات مُتجاهلة

حذَّر تقرير لمنظمة التعاون الإسلامي عام 2015 بهدوءٍ من مستقبل قاتم شحيح المياه بالنسبة للشرق الأوسط. وسلَّط التقرير الضوء على تغيُّر المناخ، والطقس المُتقلِّب، والافتقار الكامل إلى استدامة المياه في الشرق الأوسط، وهي أمور زاد من خطورتها "الاعتماد بدرجات كبيرة على الزراعة وانخفاض القدرة على التكيف".

مع مساحة 2% فقط من الشرق الأوسط مُغطاة بالمياه، و94% عرضة لعوامل تغير المناخ، فمستقبل المنطقة على المحك.

أصبح الوضع أكثر قتامة بعد ثلاث سنوات من ذلك التقرير، إذ أصبحت المياه مورداً مطلوباً ومُسيَّساً على نحوٍ متزايد.

2) الحرب مشتعلة بالفعل

كانت هناك بالفعل ستة صراعات في الشرق الأوسط أودت بحياة ملايين الأشخاص على مدى السنوات العشرين الماضية. لا يتسبب نقص المياه في اندلاع نزاع فحسب، بل يجعله أيضاً يزداد سوءاً.

يورد معهد بحوث المحيط الهادئ، الذي يحتفظ بقاعدة بيانات حول النزاعات العالمية، في تقرير له 92 نزاعاً نشبت بسبب المياه في الشرق الأوسط منذ الستينيات.

وما يُعتبر معياراً الآن قد يتخطى نقطة الانهيار مع استمرار حدوث تغير جذري في المناخ بالفعل. تتنبأ إحدى الدراسات بانخفاض معدل هطول الأمطار بنسبة 25% في جميع أنحاء الشرق الأوسط بحلول نهاية القرن الحالي.

وستكون البلدان التي تعاني بالفعل من عدم الاستقرار، ونقص المياه المزمن، والجفاف وانعدام الأمن هي الأكثر تضرراً.

توقَّع تقرير التنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة حدوث انخفاض في كمية المياه المتوافرة بنسبة 50% في سوريا، لكن ليس بحلول نهاية القرن الحالي، بل في عام 2025.

الحرب المستقبلية في الشرق الأوسط سوف تُخاض حول المياه، وليس السياسة

غالي بطرس أمين عام الامم المتحدة سابقا

3) المياه هي الذهب السائل الجديد وليس النفط

بعد تصريح الأردن بأنَّه لن يُجدّد عقد إيجار إسرائيل للأراضي الزراعية الأردنية، سارع وزير الزراعة الإسرائيلي، أوري أرئيل، بالرد مهدداً بقطع إمدادات المياه عن الأردن لعدة أيام.

بالنسبة لإسرائيل، فهذا ليس بالشيء الجديد. إذ أشار رئيس الوزراء الأسبق، أرئيل شارون، إلى أنَّ "حرب الأيام الستة" قد بدأت بعد "تحويل نهر الأردن"، معترفاً بالتأثير المُعجِز للجفاف.

قد تؤدي ندرة الغذاء، في مدينة يسكنها ملايين الأشخاص على الأرجح، إلى انتشار الجريمة والعنف. لكن في منطقة الشرق الأوسط القائظة القاحلة، يمكن أن يتسبب ذلك في حرب مباشرة.

الأردن، الذي كان يُعتبر حالة شاذة فيما يتعلق بإمدادات المياه، سرعان ما أصبح المعيار. يعتمد الأردن، الذي قد يتأثر بسرعة بأي شيء يحدث عند منبع نهر الأردن، بشكل أساسي على طبقات المياه الجوفية، وبذلك يستهلك كمية من المياه أكبر بنسبة 200% من تلك المستدامة، لذلك فهم يستنفدون إمداداتهم بشكل أساسي.

ويواجه الأردن احتمالية مواجهة خطر الجفاف شبه المؤكد مع تدفق اللاجئين، ونمو السكان في المناطق الحضرية، وجفاف الاحتياطيات.

4) لا حلول في الأفق

اختارت دول الخليج العربي، التي تعاني بالفعل من ندرة المياه، حلولاً أكثر تكلفة مثل تقنية تحلية المياه التي تفصل الأملاح الموجودة في البحر عن المياه.

توجد 70% من محطات تحلية المياه في العالم في منطقة الشرق الأوسط. وتنفق المملكة العربية السعودية وحدها أكثر من 24 مليار دولار لزيادة قدرتها على تحلية المياه. لكن حتى تِقنية تحلية مياه البحر لها حدودها.

يوجد عائق فيزيائي صلد لمدى كفاءة استخدام الطاقة في هذه العملية. كقاعدة عامة، سوف يتطلب الأمر على الأقل واحد كيلووات/الساعة من الطاقة لتحلية متر مكعب من مياه البحر.

إذا كانت تكاليف الكهرباء تبلغ، في المتوسط،​ 0.15 دولار لكل كيلووات/الساعة، فسوف تتكلَّف عملية تحلية المياه حوالي 150 دولاراً لكل 1200 متر مكعب من المياه. هذا يُعادل حوالي نصف مساحة حمام سباحة أوليمبي. ستكون تكلفة الكمية نفسها من المياه 4 دولارات فقط بالنسبة للمُزارع إذا جاءت من مصادر طبيعية.

الأمر لا ينتهي هنا. ما يجعل الأمر الأسوأ هو أنَّه كلّما زادت دول الخليج من عمليات تحلية المياه، أعيد ضخ المياه غير المُحلاة الملحية المُركزة في البحر مرة أخرى. وعندما تصبح مياه البحر أكثر ملوحة، فسوف تزداد حينها تكلفة عملية تحلية المياه وستقل نتائجها الإيجابية.

هذا النهج القائم على استخدام الطاقة بكثافة لا يخلو من المخاطر والتأثيرات السلبية على البيئة. إذ ينتُج عن عملية تحلية المياه منتجات كيميائية ثانوية، وانبعاثات عالية من غاز ثاني أكسيد الكربون، التي تُسرّع من ندرة المياه.

5) المستقبل سيكون أسوأ إذا كان الماضي مؤشراً يحتذى

التحذير بشأن نقص المياه ليس بالشيء الجديد. فالصومال هي مثال مأساوي على ذلك.

في عام 2004، كان الصومال شاهداً على "حرب البئر" المشينة، التي دامت عامين وأودت بحياة 250 شخصاً. وبحلول نهايتها، كانت منطقة رابادور موقع الصراع موطناً لقادة الحرب من أجل المياه، ومقاتلين من أجل المياه، وأرامل فقدن أزواجهن من أجل المياه.

تتذكر إحدى الأرامل، وتدعى فاطمة علي محمودي، الحرب المروعة من أجل المياه التي قُتل فيها زوجها قائلة: "كان جسده دامياً، ومتورماً، وملقىً ببساطة على الأرض هناك... لم نر مطلقاً هذا المستوى من العنف. العطش يدفع الرجال إلى ارتكاب فظائع الحرب تلك".

يقتل الجفاف أشخاصاً أكثر ممن يلقون حتفهم من جراء أي من الكوارث الطبيعية الأخرى. وخلص تقرير لمعهد بروكينغز إلى أنَّه على مدار أكثر من 100 سنة، كان أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالكوارث الطبيعية سببها الجفاف.

خلال الحرب الأهلية في الصومال، سرعان ما تطور القتال إلى سيطرة على المصادر الإستراتيجية للمياه واختزان الإمدادات الإنسانية، ما أدى إلى وقوع 300 ألف حالة وفاة.

عانى جنوب السودان من مأساة مشابهة، سرعان ما أثرت على الزراعة، وتسببت في انتشار المجاعة وحالة حادة من سوء التغذية.

ليس هناك بعد الآن مزيد من الاستثناءات وعلى نحو متزايد المعايير، فمن المتوقع أن يسوء انعدام الأمن المائي والاستنفاد.

تتوقع اللجنة الدولية للتغيرات المناخية أن ترتفع درجات الحرارة في أنحاء الشرق الأوسط بمقدار درجة إلى درجتين مئويتين بحلول عام 2030، وستزيد كذلك ثلاث درجات مئوية إضافية بحلول عام 2065.

6) لقد عبرنا بالفعل نقطة اللاعودة

تجاوز العالم بالفعل نقطة اللاعودة. فحتى الأهداف المتفق عليها المنبثقة عن قمة المناخ التابعة للأمم المتحدة في عام 2015 لن تحدث أي فارق.

لا تزال الغالبية العظمى من بلدان العالم تسلك مسار التنمية كثيف الاستهالاك للطاقة والانبعاثات، دون أي بادرة للتمهل. وعلى الجانب الآخر، فثلاث من أكبر الدول من حيث الانبعاثات تنتج ثاني أكسيد كربون أكثر من 100 بلد أخرى.

وحذر معهد ماكس بلانك من أن مناطق في الشرق الأوسط قد تصبح غير صالحة للحياة البشرية. وخلصوا إلى أنَّ درجات الحرارة في الصيف في الشرق الأوسط سترتفع إلى ضعف المتوسط العالمي الطبيعي.

ومن المتوقع أن تصل درجة الحرارة في المناطق المتوسطية معتدلة المناخ إلى 46 درجة مئوية بحلول عام 2050. وفي عام 2100 سيزيد معدل حدوث موجات حر شديدة إلى عشر مرات أكثر من المعتاد من قبل، فيما سيصبح الطقس المتطرف وعواصف الحرائق وسحب الغبار والتبخر السريع هي النمط المعتاد.

وحتى إن تكاتف العالم بطريقة ما وحاول منع ارتفاع درجات الحرارة المرتبط بتغير المناخ، فنحن بالفعل متأخرون للغاية عن منع آثاره.

7) شرق أوسط جديد

في هذا الشرق الأوسط الجديد، لن تنخفض درجات الحرارة أثناء الليل عن 30 درجة مئوية، وستصل درجات الحرارة الطبيعية أثناء النهار إلى 50 درجة مئوية. ويُعتبر تكييف الهواء حلاً على المدى القصير لأنه سيزيد فقط من استهلاك الطاقة وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

سيُطلق أكثر من ثلاثة مليارات شخص على الشرق الأوسط وأفريقيا موطنهم، بحلول 2050. وقد تحل المياه محل النفط كمورد إستراتيجي.

وفي خضم هذا الاضطراب، قد يصبح نزوح اللاجئين والصراع العالمي المستمر الحاليان مجرد ظل باهت للنزوح البشري المفزع المقبل.

المصدر: TRT عربي