تمكنت السعودية من النجاة وتعويض الأضرار التي أصابت سمعتها نتيجة أحداث الـ11 سبتمبر/أيلول. لكن هل ستتمكن من التغلب على تبعات اختفاء الصحفي جمال خاشقجي؟

سمعة السعودية تواجه أكبر أزمة لها منذ هجمات سبتمبر بسبب اختفاء جمال خاشقجي
سمعة السعودية تواجه أكبر أزمة لها منذ هجمات سبتمبر بسبب اختفاء جمال خاشقجي (AFP)

ظل التحالف الأميركي السعودي سِمةً مستمرةً لنظام الأمن في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إذ سقطت أنظمةٌ وتَغَيَّرت حدودٌ على مر العقود، لكن المملكة السعودية صمدت في وجه الاضطرابات، كما صمدت شراكتها مع واشنطن.

كان هذا هو الحال، حتى وقتٍ قريب. لكن اختفاء -وقتل- الصحفي والناشط السعودي، جمال خاشقجي، أضاف ضغوطاً جديدةً إلى علاقةٍ ظلت مشحونةً منذ عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

شبكة CNN وغيرها من القنوات الإخبارية، حمّلت السعودية المسؤولية عن مصرع خاشقجي، مشيرة إلى أنها كانت حادثة وقعت أثناء استجوابه.

وفي حال اختار السعوديون المضي قُدماً في هذا التفسير، فسيُقابل بالكثير من التشكيك. لكن اعتراف الرياض بالمسؤولية سيكون كافياً، رغم ذلك، لتخفيف حدة التوترات مع واشنطن وأنقرة الناجمة عن قضية خاشقجي، ويُوفر المخرج الذي يسعى إليه الجميع بوضوح.

لا تمتلك الولايات المتحدة والسعودية خياراً سوى مواصلة تحالفهما، لكن الأمور لن تعود لسابق عهدها على الإطلاق.

فالسعوديون يواجهون حالياً أكبر أزمةٍ تضر بسمعتهم داخل الولايات المتحدة منذ أحداث الـ11 من سبتمبر/أيلول. حيث تعرضت جهود السعودية من أجل إعادة تسويق نفسها كدولةٍ حيويةٍ ومبتكرةٍ وإصلاحية، لضربةٍ قاتلة.

وهي الآن في حربٍ جوهريةٍ مع صحيفةٍ أميركيةٍ كُبرى -صحيفةٌ تتحدث مُباشرةً إلى الأيدي النافذةفي واشنطن. لكن الرياض مازالت تمتلك شبكة من المؤيدين -الجدد والقدامى- الذين يُمكنها الاعتماد عليهم داخل واشنطن للحصول على ما تريد.

تحالفٌ قديم يواجه اضطراباتٍ جديدة

 ظلت الرياض حتى وقتٍ قريب، تُمثِّل قوةً مُحَافِظَةً، نتيجة الوضع الراهن، تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار والأمن الإقليمي.

إذ عارض السعوديون انتشار الشيوعية، والوحدة العربية الثورية، ونموذج الإسلام الثوري الإيراني، وتوسُّع العراق البعثي. وبصفتها أكبر مُصَدِّرٍ للنفط في العالم على مدار نصف القرن الماضي، لعبت الرياض -باستثناء وقت حظر النفط العربي عام 1973- دورها كقوةٍ حاسمةٍ لاستقرار أسواق النفط، وبالتالي الاقتصاد العالمي.

 لكن السعوديون فقدوا شعورهم بضروريتهم المُلزمة، خلال عهد إدارة أوباما. إذ لم يبذل باراك أوباما جهداً يُذكر في توطيد علاقته بالملك عبد الله حينها. وصُدم السعوديون بتأييد إدارته للربيع العربي، وخاصةً الحركات الاحتجاجية في مصر والبحرين (في بدايتها على الأقل).

 وأرسل دعم أوباما الفاتر للمعارضة السورية، مقروناً بجهوده لمشاركة إيران دبلوماسياً -والتي تكللت بتوقيع الاتفاق النووي- رسالةً للسعوديين مفادها أن نظاماً جديداً سيبدأ في الظهور. حيث لن يقتصر الأمر على تقليص الشراكة الاستراتيجية مع السعوديين لمُستوىً أقل من المعتاد، بل إن واشنطن أصبحت تميل بقوةٍ إلى طهران أيضاً.

وتصاعد القلق السعودي رغم تأكيد واشنطن على أمن الرياض بصفقة أسلحةٍ تخطت قيمتها الـ100 مليار دولار أميركي، كما قدمت دعماً محورياً لحرب اليمن التي تقودها السعودية.

وأدى ظهور ولي العهد محمد بن سلمان على الساحة عام 2015 وانتخاب الرئيس دونالد ترمب عام 2016، إلى زوبعةٍ من الاضطرابات للنظام الإقليمي والعالمي. ودخل محمد بن سلمان، مثل ترمب، في عددٍ من الصراعات الداخلية والخارجية مثل: مكافحة الحرس القديم، والتخلص من عادات التوافق بالإجماع، ومواجهة إيران.

سعى محمد بن سلمان لتقويض السيطرة الاجتماعية للمؤسسة السلفية. إذ قيّد الشرطة الدينية، وفتح المجال العام أمام النساء والترفيه بِطُرِقٍ لم تشهدها بلاده منذ عقود.

واعتمد ولي العهد السعودي قواعد اللعبة التي انتهجتها دبي جوهرياً، بتسويق بلاده كمركزٍ جديدٍ للترفيه والابتكار التقني. كما وعد بالإصلاح: وبقفزةٍ كبيرةٍ إلى الأمام في سعودة القوى العاملة، وإلغاء الدعم الحكومي تدريجياً، وإدخال ضريبة القيمة المضافة.

وبدأت جهود إعادة رسم صورة البلاد تُؤتي ثمارها. إذ حصل محمد بن سلمان على جميع الأصدقاء الذين يُمكن شراؤهم بالمال في هوليوود وسيليكون فالي وعالم نيويورك الفني وأكبر مُلَّاك الأسهم الخاصة.

اكتسب موقفه القوي تجاه إيران دعم المتشددين في واشنطن، بما فيهم المؤيدين الأوفياء لدولة إسرائيل الذين يُعارضون إيران والإخوان المسلمين.

وأضحى هذا التحالف الجديد المؤيد للسعودية أكثر تنوعاً، على مختلف الأصعدة، من تحالفها التقليدي القديم، الذي تألف من العرب السابقين بوزارة الخارجية، ومسؤولي البنتاغون، و CIA الحاليين والسابقين، ومقاولي الدفاع البارزين، ورؤساء شركات الطاقة، وأعضاءٍ نافذين في الكونغرس.

لكن محمد بن سلمان احتفظ بنصيبه الكافي من المنتقدين في الغرب، بما فيهم الجانب الإخباري لصحيفة New YorkTimes الأميركية. كما لم تُبدي وكالة المخابرات المركزية استعداداً للثقة فيه إطلاقاً بعد أن أطاح بابن عمه الأمير محمد بن نايف، كوليٍ للعهد.

كما تصاعد الغضب من حرب السعودية في اليمن تدريجياً داخل الكونغرس، وتحديداً في أوساط الديمقراطيين التقدميين مثل رو خانا وكريس ميرفي وبيرني ساندرز وإليزابيث وارن.

اكتسبت الرياض خصوماً جُدُد، لكن بعض أصدقائها الجُدُد سيقفون بجانبها -في الوقت الراهن.

جبهة مواجهة إعلامية

ومع انتشار الرأي السائد بأن عناصر الأمن السعودي قتلوا خاشقجي، فقدت السعودية شركاءها غير التقليديين في هوليوود وسيليكون فالي. وبالنسبة لأباطرة الصناعة على الساحل الغربي لأميركا، كانت الفجوة الحضارية مُتَّسِعَةً بالفعل، وأضحت الآن خسائر السمعة مرتفعةً للغاية.

ولا يُمكن لأي متخصصٍ في العلاقات العامة أن يُلغي الأضرار التي ألحقتها الرياض بنفسها في الإعلام الأميركي.

إذ دخلت صحيفة Washington Post الأميركية بالفعل في منحنىً نشطٍ في عهد ترمب. وفي أعقاب ما يظهر أنه مقتل كاتب الأعمدة في الصحيفة، خاشقجي، أخذ محرروا وموظفوا الصحيفة على عاتقهم مهمة التصدي للرياض، ونقلوا أصواتهم إلى موجات الأثير والشبكات الاجتماعية.

لقد اختارت الحكومة السعودية الدخول في معركةٍ مع الصحيفة ذات السجل الحافل، ونزفت دماء هذه المعركة لتصل إلى القنوات الإخبارية الأميركية مثل CNN وMSNBC.

وتُخاطر السعودية الآن بأن تتحول -مثل إسرائيل-من دولةٍ كانت تتمتع بدعمٍ من الحزبين في الولايات المتحدة (وسط المسؤولين المنتخبين على الأقل)، إلى دولةٍ تمتلك الآن دعماً في أوساط اليمين الأميركي فقط.

ويُمكن النظر إلى سياسة الولايات المتحدة تجاه السعودية من خلال الانقسام الحزبي الأميركي. فأولئك الذين يُعارضون ترمب سيقفون في وجه محمد بن سلمان أيضاً.

وسيستمر الإجماع بين الحزبين داخل الكونغرس لمصلحة المملكة السعودية في التفكك. كما سيؤدي القتل الواضح لخاشقجي، إلى المسارعة في العملية الجارية، التي تَشَكَّلت نتيجة النهضة التقدمية في أوساط الحزب الديمقراطي، وهو الأمر الذي يتخطى سيطرة الرياض.

نحن الآن في خضم الانتخابات النصفية الأميركية. وفي أعقاب نوفمبر/ تشرين الثاني، سيبدأ موسم الحملات الانتخابية لعام 2020 فعلياً. وستتعرض الحرب في اليمن إلى تدقيقٍ أكثر صرامةً من جانب الكونغرس -خاصة من قبل المتنافسين على مقعد المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي.

لكن الأصوات المؤيدة لإسرائيل والمتشددين المعارضين لإيران في واشنطن، سوف يلتزمون بدعمهم للرياض.

إذ يُعتبر هذا مُنعطفاً حاسماً في حملتهم لإجبار إيران على الرضوخ لاتفاقٍ نوويٍ أكثر صرامةً ودحر نفوذها الإقليمي. وهو الأمر الذي يستحيل إتمامه بدون المملكة، التي تمتلك نفوذاً كبيراً في إنتاج النفط وتسعيره.

العقوبات الأساسية على طهران أضرت بالاقتصاد الإيراني، بينما تدخل العقوبات الثانوية المفروضة عليها طور التفعيل في نوفمبر/تشرين الثاني. وربما يكون النفوذ السعودي ضرورياً لجهود إثناء أو منع الاتحاد الأوروبي والهند من مواصلة تجارة الطاقة مع إيران. كما تظهر هنا أهمية الدعم المادي من الخليج العربي لتأييد المجموعات المناهضة للنظام في إيران.

ويُشجع الكثير من الأشخاص، غير المتحمسين لتوجه المملكة السعودية تحت قيادة محمد بن سلمان، على توخي الحذر وعدم إضعاف الرياض أو عزلها. فهذه الدولة مهمةٌ لاستقرار المنطقة والاقتصاد الدولي. لذا من المتوقع أن نشهد محادثات في واشنطن حول كيفية كبح جماح محمد بن سلمان أو تنحيته جانباً. لكن محاولة بذل مثل هذا الجهد، ربما تفتح صندوق "باندورا" في وجه الجميع.

المصدر: TRT عربي