يغادر هارون هاشم رشيد شاعر الثورة والنضال إلى مثواه الأخير، تاركاً خلفه إرثاًً أدبياً خالداً من الكلمة المقاومة التي تحارب بحبرها وقوتها أعتى القوى الظالمة.

ودعت فلسطين اليوم الشاعر والمؤرخ الفلسطيني الكبير هارون هاشم، حيث وافته المنية في مدينة ميساساجا الكندية عن عمر ناهز 93 عاماً، وبرحيله تفقد الأمة عموماً وفلسطين خصوصاً مناضلاً ومكافحاً ومثقفاً كبيراً، عاش لأجل فلسطين وقضية العودة.

وقد نعت وزارة الثقافة الفلسطينية الشاعر الوطني رشيد، وقال وزير الثقافة عاطف أبو سيف إن رحيله خسارة للثقافة الوطنية الفلسطينية والعربية، وبرحيله تخسر فلسطين رمزاً من رموزها الإبداعية وعلماً من أعلامها النضالية الكفاحية، كرس حياته وعمره من أجل الحرية والخلاص والعودة.

الميلاد والنشأة

ولد الشاعر رشيد في حارة الزيتون بمدينة غزة عام 1927، وهو من شعراء الخمسينيات الذين أطلق عليهم اسم شعراء النكبة أو شعراء العودة، ويمتاز شعره بروح التمرد والثورة.

ونظراً لأنه يعد من أكثر الشعراء الفلسطينيين استعمالاً لمفردات العودة، أطلق عليه الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة لقب (شاعر القرار 194).

درس رشيد في مدارس غزة فأنهى دراسته الثانوية في العام 1947، وحصل على شهادة المعلمين العليا. بعد حصوله على الدبلوم العالي لتدريب المعلّمين من كليّة غزة . عمل في سلك التعليم حتى عام 1954، ثم انتقل للعمل في المجال الإعلامي فتولى رئاسة مكتب إذاعة "صوت العرب" المصرية في غزة عام 1954 لعدة سنوات، وعندما أنشئت منظمة التحرير كان مشرفاً على إعلامها في غزة من عام 1965 إلى 1967.

وبعد احتلال غزة من قبل إسرائيل عام 1967 ضايقته سلطات الاحتلال وأجبرته على الرحيل. فانتقل إلى القاهرة، وعين رئيساً لمكتب منظمة التحرير فيها، ثم عمل لمدة ثلاثين عاماً كمندوب دائم لفلسطين في اللجنة الدائمة للإعلام العربي واللجنة الدائمة للشؤون المالية والإدارية بالجامعة العربية. إضافة إلى ذلك واصل عمله الإبداعي في الكتابة والصحافة والتأليف والشعر.

أعماله الفنية

أصدر الراحل قرابة 22 ديواناً شعرياً صدر قرابة عشرين منها: عودة الغرباء، غزة في خط النار، أرض الثورات، حتى يعود شعبنا، سفينة الغضب، يوميات الصمود والحزن، ووردة على جبين القدس.

واختير ما يقارب 90 قصيدة من أشعاره ليقدمها إعلام الغناء العربي، حيث شدا بأشعاره الفنانة الكبيرة فيروز، وفايدة كامل، ومحمد فوزي، وكارم محمود، ومحمد قنديل، ومحمد عبده، وطلال مداح، وآخرون.

وقد اختار الأخوان رحباني عندما زارا القاهرة عام 1955 من أعماله حوارية بين فتاة فلسطينية من اللاجئين اسمها ليلى وبين والدها. بالإضافة إلى قصيدة "سنرجع يوماً" و"جسر العودة" فغنتهما فيروز وتم تسجيلها بالقاهرة.

كما غنّت فيروز رائعته:
سنرجع يوماً إلى حيّنا
ونغرق في دافئات المنى
سنرجع.. مهما يمرّ الزّمان
وتنأى المسافات ما بيننا
فيا قلب مهلاً، ولا ترتمي

على درب عودتنا موهنا...

وأصدر أعمالاً روائية منها: سنوات العذاب، القاهرة، 1970، وقدم دراسات عدة منها: الشعر المقاتل في الأرض المحتلة، مدينة وشاعر: حيفا والبحيري، الكلمة المقاتلة في فلسطين.

كما نال عدة جوائز تقديرية منها: وسام القدس عام 1990، والجائزة الاولى للمسرح الشعري من الألكسو 1977، والجائزة الأولى للقصيدة العربية من إذاعة لندن 1988.

وكتب الراحل أربع مسرحيات شعرية، مُثِل منها على المسرح في القاهرة مسرحية "السؤال" من بطولة كرم مطاوع وسهير المرشدي.

وبعد حرب العبور 1973 كتب مسرحية "سقوط بارليف" وقُدمت على المسرح القومي بالقاهرة عام 1974، ومسرحية "عصافير الشوك"، إضافة إلى العديد من المسلسلات والسباعيات التي كتبها لإذاعة "صوت العرب" المصرية وعدد من الإذاعات العربية.

بعيون محبيه

وفي يوم الإعلان عن وفاته تهافت الكتاب والشعراء والعامة لنعيه باستذكار كلماته وأشعاره، منهم على سبيل المثال حسام شاكر، الباحث والمؤلف الفلسطيني المقيم في النمسا حيث غرد قائلاً: "غاب الجسد وبقي الشاعر، أُغمِضَت العينان وتألّقت الكلمات… ترك رشيد إرثاً زاخراً من القصائد والأعمال الأدبية التي حفظتها الأجيال وستظلّ ترددها حتى العودة".

الصحفي الفلسطيني حازم الزميلي غرد بالقول بأن الفقيد "لم يكن عادياً.. كان تاريخاً متحركاً نابضاً ثائراً".

وأضاف الزميلي عن رشيد: "روى وعايش حكايتنا الفلسطينية بتفاصيلها، وجسد ثورة شعب، وقضية وطن لم تمت بالحب وأسطورة البقاء، شاعر الثورة هارون هاشم رشيد رحمك الله، افتقدتك فلسطين اليوم يا ابن غزة وكلماتك ما زالت محفورة في صدرنا كما الوطن مذ كنا صغاراً".

واليوم يغادر هارون هاشم رشيد شاعر الثورة والنضال إلى مثواه الأخير، تاركاً خلفه إرثاًً أدبياً خالداً من الكلمة المقاومة التي تحارب بحبرها وقوتها أعتى القوى الظالمة.

المصدر: TRT عربي