أنهت صناديق الاقتراع في ألمانيا عهد سيدة أوروبا الأولى أنغيلا ميركل الذي استمرّ أربع ولايات، إذ تَمكَّن الاشتراكيون الديمقراطيون بقيادة أولاف شولتز، من تَصدُّر نتائج الانتخابات البرلمانية.

في انتكاسة غير مسبوقة تراجعت نتائج معسكر المحافظين في الانتخابات البرلمانية الألمانية، مقابل تفوُّق الاشتراكيين الديمقراطيين بقيادة أولاف شولتز، بفارق ضئيل، وحصوله على 25.7%، وفق النتائج الرسمية المؤقتة التي نشرتها اللجنة الانتخابية صباح الاثنين 27 سبتمبر/أيلول الجاري.

وبينما تطوي ألمانيا اليوم صفحة 16 عاماً من حكم أنغيلا ميركل، يلفّ الغموض المرحلة القادمة، التي يرجّح فيها مراقبون ومحللون خوض أولاف شولتز زعيم الاشتراكيين الديمقراطيين، مفاوضات صعبة لتشكيل ائتلاف حكومي، بالمشهد الحالي الذي أفرزته صناديق الاقتراع.

وفي خضم هذا الجدال، ورغم أن النتيجة غير محسومة بعد، يتساءل الجميع عن توجهات واستراتيجيات شولتز، المرشح الأوفر حظاً ليصبح خليفة سيدة أوروبا الأولى، في أهمّ القضايا والملفات الموجودة على طاولة الحكومة الألمانية المقبلة.

صعود شولتز.. مفاجأة انتخابية

خلافاً لأغلب التوقعات واستطلاعات الرأي التي منحته كأقصى حدّ، خلال شهر يوليو/تموز الماضي، نسبة 15% للفوز، تَمكَّن أولاف شولتز من تَصدُّر نتائج الانتخابات البرلمانية، ليكون المرشح الأول لمنصب مستشار ألمانيا المقبل.

وبعد أن كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي يتذيَّل نتائج سبر الآراء لنية التصويت، وأكّد حينها الخبراء والمحللون أن الحزب سيتراجع بشدة، وقد يختفي شأنه شأن الأحزاب والتشكيلات اليسارية الكبرى في أوروبا، حقّق شولتز انتعاشة وفوزاً هامّاً لحزبه، رغم أنه كان عُزل من رئاسته في السابق، بسبب مواقفه الليبرالية المفرطة، حسب رأيهم آنذاك.

ويبدو أن شولتز تَمكَّن من الاستفادة من خبرته وتجربته السياسية الطويلة، إضافة إلى أخطاء خصومه الأخيرة خلال السباق الانتخابي، التي سلّطَت عليها وسائل الإعلام الضوء بشكل كبير، في الوقت الذي تجاهلت فيه ظهور شولتز باعتباره المرشح المستبعد بالفوز.

وقد التحق أولاف شولتز المولود في أوسنابروك في 14 يونيو/حزيران 1958، بصفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي في سن يافعة ناهز فيها سبعة عشر عاماً، وعمل لاحقاً محامياً متخصصاً في قانون العمل، ليُنتخب إثر ذلك عام 1998 نائباً في البرلمان الألماني.

ومنذ نهاية التسعينيات بدأ اسمه يتردد على الساحة السياسية في ألمانيا، وشغل في تلك الأثناء عدة مناصب، وانتُخب عمدة لمدينة هامبورغ، ثاني أكبر مدينة في ألمانيا عام 2011، وعُيّن وزيراً للعمل الاتحادي، قبل أن يصبح وزيراً للمالية ونائباً لميركل.

وقد عرفه الألمان منذ مارس/آذار 2018 بشكل أفضل نائباً للمستشار ووزيراً للمالية في الائتلاف الكبير الذي كان يحكم البلاد بزعامة أنغيلا ميركل، التي على الرغم من دعمها له في البداية، تحدثت لاحقاً عن خلاف سياسي كبير بينها وبين شولتز.

وخلال مسيرته الطويلة وصولاً إلى لحظة ترشحه في الانتخابات، تَعرَّض شولتز باستمرار لحملة انتقادات واسعة، لأفكاره وتوجهاته وخطاباته وحتى لمظهره، ووصفته وسائل الإعلام بـ"أكثر سياسي مملّ في العالم"، كما لُقب بـ"شولتزومات"، وهي اختصار بين اسمه وكلمة "آلي"، بسبب ملامحه الصارمة وخطبه التي يلقيها بنبرة آلية.

ورغم أنه أثبت جدارته ونجاحه في عدة قرارات وسياسيات، فإنه بقي بالنسبة إلى كثيرين السياسي النموذجي الذي يفكر جيداً، لكنه ضعيف التواصل.

توجهات وسياسات معتدلة

لطالما شكّك قيادات الحزب الاشتراكي الديمقراطي وبعض أجنحته في التزام أولاف شولتز تجاه الأفكار اليسارية، وقد كلفته مواقفه المعتدلة والبراغماتية، وفق رأي خبراء ومحللين، خسارته لزعامة الحزب الذي تشير عدة مصادر إلى أنه رشحه للسباق الانتخابي الأخير على مضض.

وخلال حملته الانتخابية وعد شولتز بالعمل على تنفيذ أربع مهامّ رئيسية، يُعتبر أهمها النقل والمناخ والرقمنة والصحة، مؤكداً خلال إحدى خطاباته أنه "تحت قيادتي ستفعل ألمانيا كل ما في وسعها في أوروبا وحول العالم، لضمان أن تصبح العولمة أكثر عدلاً"، وشدّد متوجهاً إلى الجماهير الألمانية التي منحته ثقتها لاحقاً، على أنه سيعمل على أن تصبح بلاده من أفضل دول الرفاهية في العالم.

وقد تمكن من أن يكسب تأييد الألمان ويحظى بشعبية كبيرة لديهم، بفضل سياساته خلال أزمة انتشار الوباء المستجد كورونا حول العالم، وما فرضه من تداعيات سلبية على الاقتصاد بسبب الإغلاق شبه التامّ في البلاد. وتجاوزت بذلك ألمانيا صاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا، أزمة حادة، كانت وطْأتُها أخفّ بالمقارنة مع جارتها في الاتحاد الأوروبي.

أما ملف اللاجئين، الذي يُعتبر من أكثر الملفات حساسية، فقد أكّد شولتز في تصريحات سابقة أن المهاجرين يُعتبرون فرصة كبيرة لبلاده، قائلاً في كلمة ألقاها خلال لقائه مجموعة من الشباب في مبنى بلدية إهرنفيلد في كولونيا: "الهجرة الكبيرة إلى ألمانيا في السنوات الأخيرة أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. أولئك الذين هاجروا إلى بلدنا ساهموا كثيراً في رفاهية ألمانيا".

ولا يزال الحسم في شخصية المستشار المقبل والخليفة الذي سيحلّ محلّ أقوى سيدات العالم، مبكراً قليلاً، بخاصة بعد الوقوف عند نتائج الانتخابات الحالية، التي تجعل المفاوضات على الائتلاف الحكومي مسألة معقدة، وبالتالي سيكون ذلك أول تحدٍّ يقف على عاتق مستشار ألمانيا القادم.

TRT عربي