ملك المغرب محمد السادس في مباحثات مع ملك إسبانيا فيليب الرابع (Stringer/AFP)

في أزمة امتدت أطوارها تصاعدياً منذ أبريل/نيسان الماضي، بعد أن استقبلت مدريد زعيم حركة "البوليساريو" للعلاج على أراضيها بهوية مزورة، الأمر الذي أثار حفيظة الرباط، لترفع هي الأخرى يدها عن حدود مدينتي سبتة ومليلية ما تسبب في موجة كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين. لتستمر إثرَ ذاك حرب التصريحات والبيانات، وتجاذبات الأحلاف بين دولتين جارتين تربطهما علاقات تاريخية.

وبعد أشهر من التصعيد المتبادل بدت بوادر انفراجة في العلاقات بين البلدين كان آخرها ما أتى به خطاب العاهل المغربي، محمد السادس، من دعوة صريحة للجلوس إلى الطاولة وجهاً لوجه مع نظرائه الإسبان، الأمر الذي لقي بعدها استحسان مدريد وبروكسل على حد سواء.

إشارات تقارب ملحَّة

"أزمة غير مسبوقة هزت بشكل قوي الثقة المتبادلة، وطرحت تساؤلات كثيرة حول مصيرها" هكذا وصف ملك المغرب، محمد السادس، التوترات المتصاعدة التي تعيشها علاقات بلاده بجارتها الشمالية إسبانيا. كان ذلك إثر خطاب ألقاه يوم الجمعة، 20 أغسطس/آب، في ذكرى "ثورة الملك والشعب"، العيد الوطني المغربي المخلِّد للثورة ضد الاستعمار الفرنسي بعد نفي الملك محمد الخامس إلى مدغشقر سنة 1953.

وأضاف العاهل المغربي في هذا الصدد قائلًا: "إننا اشتغلنا مع الطرف الإسباني، بكامل الهدوء والوضوح والمسؤولية (...) ونحرص اليوم، على تعزيزها (العلاقات) بالفهم المشترك لمصالح البلدين الجارين". مشدداً على أنه تابع "شخصياً، وبشكل مباشر، سير الحوار، وتطور المفاوضات" التي لم يكن الهدف منها "هو الخروج من هذه الأزمة فقط، وإنما أن نجعل منها فرصة لإعادة النظر في الأسس والمحددات التي تحكم هذه العلاقات" حسب ما جاء به نص الخطاب.

هذا قبل أن ينطلق للتأكيد أنه يتطلع "بكل صدق وتفاؤل، لمواصلة العمل مع الحكومة الإسبانية، ومع رئيسها معالي السيد بيدرو سانشيز، من أجل تدشين مرحلة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين البلدين، على أساس الثقة والشفافية والاحترام المتبادل، والوفاء بالالتزامات".

هذه النية في إنهاء الأزمة الدبلوماسية التي تضمنها الخطاب الملكي المغربي، لقيت على الجانب الآخر من مضيق جبل طارق استحسان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي شكر الملك على "كلماته التي أعرب فيها عن نيته افتتاح مرحلة جديدة في العلاقات مع إسبانيا". مؤكداً أن "إسبانيا اعتبرت المغرب دائماً حليفاً استراتيجياً، سواء لإسبانيا أو للاتحاد الأوروبي".

بالمقابل، وعلى طول الأسابيع الأخيرة الماضية بدأت هذه التوترات بالحلحلة مع استئناف سلسلة من المفاوضات بين البلدين، قالت تقارير صحافية إنها تمت عبر وساطات أوروبية وعلى رأسها ممثل السياسة الخارجية الأوروبية جوزيف بوريل ومسؤولون آخرون من المفوضية الأوروبية. مفاوضات لم يعلن عنها رسمياً إلا عبر خطاب محمد السادس الأخير، لكن إشاراتها بدت جلية، إحداها استئناف النشاطات الدبلوماسية مع سفارة مدريد بالمملكة المغربية، ورفع الحظر الذي فرضته عليها الخارجية المغربية طوال وقت الأزمة. كما أن من بين هذه الإشارات عودة المراسلات والتهنئات بين ملكي البلدين.

رهانات المصالحة القادمة

كشف الناطق السابق باسم الحكومة المغربية، حسن عبيابة، أن "المغرب فاجأ إسبانيا بإنهاء الأزمة بين البلدين بعدما تبين أن إسبانيا تقبل بالتعامل الجديد مع المغرب حفاظاً على مصالح الدولتين". مشدداً في حديثه لوكالة سبوتنيك على سلامة خيار بلاده في خوض مفاوضات غير معلنة، تفادياً لأي "تشويش على العلاقات المغربية الإسبانية، من بعض الدول، بما فيها بعض الدول الأوروبية". ومؤكداً أن "جدول أعمال هذه المفاوضات كانت فيه الملفات السيادية هي الأولوية، تم تأتي بعدها الملفات الأمنية والاقتصادية".

ومع أن مدريد كانت أبدت إشارات مرونة واعتراف بدورها في الأزمة، كما يقول مراقبون، وذلك بتغيير وزيرة الخارجية بعد تحميلها تبعات التطورات التي عرفتها قضية "إبراهيم غالي"، إلا أنها ماا زالت ثابتة على موقفها من سيادة المغرب على إقليم الصحراء متشبثة بمساعي الأمم المتحدة.

إضافة إلى هذا تسعى مدريد إلى حسم ملف سبتة ومليلية في العلاقات الثنائية، بتأكيد طابعهما الإسباني مع لعب دور هام في تنمية المنطقة المغربية المحيطة بهما. وبالمقابل، وإذا فشل هذا الطرح، تهدد بدمج تام للمدينتين في الاتحاد الأوروبي. وكان المغرب قد ألمح إلى احتمال طرح ملف سبتة ومليلية على الأمم المتحدة، كما يواصل ضغطه حول الحدود البحرية المحاذية لجزر الكناري التابعة للعرش الإسباني.

TRT عربي
الأكثر تداولاً