طاقة غير محدودة.. ما الاندماج النووي وهل ينهي مرحلة النفايات النووية؟ / صورة: AP (Damien Jemison/AP)
تابعنا

صرحت وزيرة الطاقة الأمريكية جينيفر جرانهولم صباح الثلاثاء أن تجربة الاندماج النووي التي أجراها علماء أمريكيون كررت "ظروفاً معينة لا توجد إلا في النجوم والشمس". وقالت: "هذا الإنجاز يجعلنا نقترب خطوة مهمة واحدة من إمكانية وجود طاقة اندماج وفيرة خالية من الكربون تغذي مجتمعنا".

واعتبرت جرانهولم هذا الإنجاز بمثابة "اختراق سيسجل في كتب التاريخ"، مشيرةً في بيانها إلى العلماء في ليفرمور والمختبرات الوطنية الأخرى يضطلعون بعمل من شأنه مساعدة الولايات المتحدة على "حل المشكلات الإنسانية الأكثر تعقيداً وإلحاحاً، مثل توفير الطاقة النظيفة لمكافحة تغير المناخ والحفاظ على رادع نووي بلا إجراء تجارب نووية".

ولأول مرة على الإطلاق، نجح العلماء الأمريكيون في منشأة الإشعال الوطنية في مختبر لورانس ليفرمور الوطني في كاليفورنيا، وهي منشأة بحجم ملعب رياضي ومجهزة بـ192 ليزراً، يوم 5 ديسمبر/كانون الأول الجاري في إنتاج تفاعل اندماج نووي أدى إلى زيادة صافي الطاقة، وفقاً لما أكده مصدر مطّلع على المشروع لشبكة سي إن إن الأمريكية.

الاندماج النووي

يحدث الاندماج النووي عند دمج ذرتين أو أكثر في واحدة أكبر، وهي عملية تولد كمية هائلة من الطاقة على شكل حرارة يجرى تحويلها لاحقاً إلى كهرباء يمكن أن تزود المنازل والمكاتب بالطاقة دون انبعاث الكربون في الهواء أو إلقاء النفايات المشعة في البيئة.

وإذا ما أخذنا ذرات عنصر خفيف مثل الهيدروجين مثالاً للتوضيح، نجد أنه عند تسخين ذرتَين من الهيدروجين تتحدان لتكوين عنصر واحد أثقل مثل الهليوم، ينتج التفاعل النووي كميات هائلة من الطاقة التي يمكن التقاطها.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، يحاول العلماء من أكثر من 50 دولة تحقيق ما يسمى "كسب الطاقة الصافي"، وهو مَعْلم رئيسي في محاولة لتوليد طاقة نظيفة غير محدودة من الاندماج النووي. استمرت جهود العلماء حتى تمكنوا أخيراً من تحقيق كسب في الطاقة من خلال تجربة مختبر لورانس ليفرمور. إذ وضع العلماء 2.05 ميغا جول من الطاقة في الهدف وأسفرت عن 3.15 ميغا جول من ناتج طاقة الاندماج مما أدى إلى توليد أكثر من 50% من الطاقة عما وضع فيه.

كانت التجربة بمثابة المرة الأولى التي تؤدي فيها تجربة إلى إنشاء تفاعل ينتج طاقة أكثر مما يستهلك، إذ أعلنت منشأة الإشعال الوطنية الأمريكية (NIF) أنها استخدمت بنجاح ليزراً من 192 شعاعاً لتحويل كمية ضئيلة من الهيدروجين إلى طاقة كافية لتشغيل نحو 15 إلى 20 غلاية.

طاقة نظيفة

على الرغم من أن انبعاثاتها تقترب من الصفر، فإن المفاعلات النووية الحالية التي تولد الطاقة عن طريق الانشطار النووي تنتج الكثير من النفايات المشعة، والتي يمكن أن تكون خطيرة ويجب تخزينها بأمان ربما لمئات السنين.

في حين أن الطاقة الناتجة عن الاندماج لا تؤدي إلى هذه النتيجة، خصوصاً وأن الاندماج النووي لا يعتمد على الوقود الأحفوري أو ينتج غازات دفيئة ضارة، فضلاً عن أن النفايات الناتجة عنه أقل نشاطاً إشعاعياً وتتحلل بسرعة أكبر. لذلك يمكن أن يساعد أيضاً في معالجة تغير المناخ.

كما أن معظم تجارب الاندماج النووي تستخدم الهيدروجين، والذي يمكن استخراجه بتكلفة زهيدة من مياه البحر والليثيوم، مما يعني أن إمدادات الوقود يمكن أن تستمر لملايين السنين.

هل اقتربنا من توليد الطاقة عن طريق الاندماج؟

خلال العقود التي كان العلماء يجرون فيها تجارب على تفاعلات الاندماج، لم يتمكنوا حتى الآن من إنشاء تفاعل ينتج طاقة أكثر مما يستهلك. وفي حين أن الإنجاز الأخير يعتبر ركيزة أساسية في هذه المساعي، لا تزال تحديات هندسية وعلمية ضخمة في المستقبل.

فالمهندسين لم يطوروا بعد آلات قادرة على تحويل هذا التفاعل بتكلفة معقولة إلى كهرباء يمكن نشرها عملياً في شبكة الطاقة. فيما يقول العلماء إن بناء الأجهزة الكبيرة بما يكفي لتوليد قوة الاندماج على نطاق واسع يتطلب مواد يصعب إنتاجها بشكل غير عادي. في الوقت نفسه، يخلق التفاعل نيوترونات تضع قدراً هائلاً من الضغط على المعدات التي تصنعها، بحيث يمكن تدميرها في هذه العملية.

ومع ذلك، أشاد الباحثون والمستثمرون في تكنولوجيا الاندماج بهذا الاختراق باعتباره تقدماً مهماً، خصوصاً وأن لتحسين التكنولوجيا جهوداً حثيثة لإحداث تأثير في تغير المناخ في الوقت المناسب. يمكن أن يساعد الاستخدام الواسع النطاق للاندماج النووي البلدان على تحقيق أهدافها لإنتاج انبعاثات "صفرية صافية" بحلول عام 2050. ومع ذلك، سوف تمر سنوات عديدة قبل أن تتمكن النجاحات التجريبية الأخيرة من تحقيق ذلك.

TRT عربي