القمة الثلاثية في لفيف، والتي جمعت أردوغان ونظيره زيلينسكي، بالإضافة إلى أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (AA)
تابعنا

لمواصلة نشاط تركيا الدبلوماسي في المنطقة وإعطاء زخم جديد لمساعيها في التوسط لوقف إطلاق النار وتسهيل محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أوكرانيا وأجرى محادثات مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في أوكرانيا، بالإضافة إلى لأمين العام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لتعزيز قضية السلام.

وخلال زيارته لمدينة لفيف، الخميس، كرر الرئيس أردوغان مرة أخرى دعم تركيا طويل الأمد لوحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها. وفي أعقاب القمة الثلاثية، قال أردوغان، الذي عقد أيضاً اجتماعاً ثنائياً مع زيلينسكي، إن "النقطة الأساسية للقمة كانت كيف ستنتهي الحرب".

تجدر الإشارة إلى أن المساعي التركية لإخماد حدة التوترات بين روسيا وأوكرانيا كانت قد بدأت عندما باشرت روسيا حشد قواتها على الحدود قبل أشهر من اشتعال الحرب، فيما ازداد زخم هذه المساعي مع بدء الحرب أواخر فبراير/شباط، وذلك عندما تمكنت تركيا من إحضار وفود من روسيا وأوكرانيا واستضافت أولى جولات المفاوضات بين البلدين في إسطنبول في مارس/آذار، وهي تدفع من أجل استمرار هذه العملية حتى اليوم.

"طاولة الأمل"

عنونت صحيفة "حريات" التركية القمة الثلاثية التي عُقدت في لفيف الخميس بـ"طاولة الأمل في لفيف"، وذلك في إشارة إلى الطاولة المستديرة التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأوكراني فولوديمر زيلينسكي، بالإضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وفي القمة التي عُقدت في قصر بوتوتشكي، بالقرب من الحدود الأوكرانية مع بولندا، وعقد خلالها أردوغان وزيلينسكي اجتماعاً ثنائياً كان محوره الرئيسي البحث عن طرق دبلوماسية لإنهاء الحرب وحلّ النزاع. وفي معرض خطابه في المؤتمر الذي أعقب القمة، قال الرئيس أردوغان: "لقد أكدنا دعمنا لوحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها. لقد شاركتُ السيد زيلينسكي في أننا سنقدّم الدعم اللازم لإعادة إعمار أوكرانيا، كما فعلنا حتى الآن". وأضاف: "نحن قلقون بشأن النزاعات في محطة الطاقة النووية. لا نريد تجربة تشيرنوبيل جديدة".

وعن أهمية الاختراقات الدبلوماسية التركية، قال أردوغان: "بدأ العالم كله يشعر بالانعكاسات الإيجابية لاتفاقية إسطنبول التي جعلت من الممكن تصدير الحبوب الأوكرانية إلى الأسواق العالمية. أنا شخصياً أُصرّ على إيماني بأن الحرب ستنتهي على طاولة المفاوضات. أعتقد أنه من الممكن إحياء المفاوضات على أساس المعايير التي وُضعت في إسطنبول في مارس/آذار. نحن على استعداد لتقديم جميع أنواع الدعم لتحقيق هذا الهدف ولعب دور الميسّر أو الوسيط مرة أخرى".

في المقابل، قال زيلينسكي في بيانه: "زيارة أردوغان أظهرت أن دولة قوية تدعمنا". وقال الأمين العام للأمم المتحدة، غوتيريش، في لفت الانتباه إلى مشكلة محطة الطاقة النووية: "يجب سحب المعدات العسكرية والأفراد في زابوريجيا، والضرر المحتمل هو الانتحار".

قطار الدبلوماسية التركية والمحطة الأوكرانية

زيارة أردوغان الأخيرة لأوكرانيا تُعتبر بمثابة أجدد محطة على المسار الذي سلكه قطار الدبلوماسية التركية لوقف الحرب ومنع تأجيجها. فمنذ أن قُرعت طبول الحرب، فعّلت تركيا دبلوماسيتها النشطة التي تحظى بعلاقات جيدة مع كلٍّ مِن موسكو وكييف للعب دور الوساطة من أجل وضع حدٍ للأزمة الآخذة بالتصاعد والمتجهة بسرعة نحو صراع مسلّح، وذلك ضمن مساعيها الحثيثة للحفاظ على البحر الأسود كمنطقة للسلام والاستقرار من خلال الاستفادة من ثقلها الدبلوماسي.

وما أنْ بدأت المعارك في 24 فبراير/شباط، حتى باشرت الخارجية التركية بالتواصل مع البلدين والضغط لوقف إطلاق النار. وعلى الرغم من شدة المعارك في الأيام الأولى، تمكّنت الخارجية التركية من تحقيق اختراق دبلوماسي كبير بعدما استطاعت جمع وزير الخارجية الروسي ونظيره الأوكراني على طاولة مفاوضات واحدة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، والذي عُقد في الفترة بين 11-13 مارس/آذار 2022.

وبعكس كثير من الدول التي كانت مستمرة في تأجيج الأوضاع وصبّ الزيت على نيران الحرب المستعرة بين روسيا وأوكرانيا، لم تكتفِ تركيا بالدعوة إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب عبر المفاوضات السلمية وحسب، بل تمكنت وساطتها من جمع الوفدين الروسي والأوكراني لأول مرة في إسطنبول في نهاية مارس/آذار 2022.

وعلى الرغم من أن مفاوضات إسطنبول قد عُلّقت، إلا أن تركيا أصرّت على مواصلة جهودها لإنهاء الحرب والتوصل إلى سلام يضمن وحدة الأراضي الأوكرانية وسيادتها بالطرق الدبلوماسية والسلمية. وهي المساعي التي مكّنتها من تحقيق اختراق دبلوماسي وصل صداه لشتى بقاع العالم، بعدما تمكنت من التوصل إلى اتفاق يسمح بتصدير الحبوب الأوكرانية برعاية تركية وأممية، حيث كانت اتفاقية إسطنبول بشأن صادرات الحبوب بمثابة تقدّم كبير في تخفيف الضغط على سلسلة الإمداد الغذائي العالمية.

كيف أصبحت تركيا لاعباً فاعلاً في الوساطة الدولية؟

انطلاقاً من الرؤية التي وضعها مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك على صعيد السياسة الخارجية، والهدف الذي حدده في مقولته "سلام في الوطن، سلام في العالم"، بذلت تركيا منذ تأسيسها كل الجهود من أجل تهيئة بيئة من السلام الدائم والاستقرار والازدهار في منطقتها وخارجها.

وطوال العقدين الماضيين، لم يتبنَ الرئيس أردوغان هذه السياسة فحسب، بل استكملها وطوّرها تحت شعار "العالم أكبر من خمسة". وبينما حددت هذه السياسات الطريق الذي سارت عليه الخارجية التركية في العمل على تثبيت السّلم في الإقليم والعالم. أتاح الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي، الذي يتوسط منطقة جغرافية نشطة سياسياً مليئة بالنزاعات، لأنقرة لعب أدوار محورية على نطاق عالمي في مجال الوساطة الدولية، والتي تُعدّ إحدى طرق الحلّ السلمي للمشاكل الدولية.

وإلى جانب سياساتها الخارجية الواضحة وموقعها الجيوسياسي المميّز الذي يجعل منها جسراً بين الشرق والغرب، تحظى تركيا بشراكات استراتيجية مع العديد من الأطراف، كما أن علاقات الصداقة القوية التي تربط بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وزعماء العالم، تتيح للرئيس وطاقم حكومته العمل بشكل فعّال ونشط للتوسط من أجل حلّ المشاكل والأزمات. ولهذا، تمتلك أنقرة كثيراً من مفاتيح الحلّ للعديد من الملفات الحساسة في منطقتها، والعالم أجمع.

TRT عربي