جانب من الفيضانات التي تسببت بها الأمطار الموسمية الغزيرة وغمرت المناطق السكنية في ديرا الله يار في منطقة جعفر آباد في باكستان في أغسطس/آب. (AFP)
تابعنا

بدءاً من الجفاف الشديد الذي ضرب أوروبا وجفف أنهارها، مروراً بالحرارة الشديدة وحرائق الغابات في الولايات المتحدة والجفاف الضخم في البرازيل والأرجنتين، ووصولاً إلى الفيضانات القاتلة في باكستان والأمطار غزيرة في أستراليا وإندونيسيا، كلها حوادث تُظهر أن الأرض قد دخلت مرحلة متقدم وشديدة من كوارث الطقس.

ونظراً إلى أن تغير المناخ يدفع بكوارث الطقس إلى مستويات متطرفة جديدة، فقد كانت ظاهرة "لا نينا"، وهي ظاهرة جوية، هي الدافع وراء الفوضى منذ منتصف عام 2020. والآن يقف الكوكب على أعتاب شيء حدث مرتين فقط منذ عام 1950 ثلاث سنوات من "لانينا".

وحسب الخبراء الذين نقلت عنهم بلومبرغ، فإن عاماً آخر من "لانينا'' يعني أن العالم يتجه نحو تريليون دولار من أضرار كارثة الطقس بحلول عام 2023. ما يعني أن الفيضانات والجفاف والعواصف والحرائق ستدمر المزيد من المنازل، وتدمر المزيد من المحاصيل، فضلاً عن تعطيل النقل وضرب سلاسل التوريد وقطع إمدادات الطاقة، وفي نهاية المطاف، إنهاء الأرواح.

ظاهرة "لانينا"

من الصعب أن نتخيل أن كل هذا الدمار يعود إلى مجرد انخفاض طفيف في درجات الحرارة في المياه الزرقاء المتلألئة للمحيط الهادئ.

ويطلع مصطلح "لانينا"، والذي يعني باللغة الإسبانية "الفتاة الصغيرة"، على ظاهرة التغير الدوري غير المنتظم في الرياح ودرجات الحرارة في المحيط الهادئ الاستوائي الشرقي، مؤثراً على المناخ في الكثير من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية. وتُعرف مرحلة الزيادة في درجة حرارة البحر بـ"إلنينو"، بينما تُعرف مرحلة التبريد بـ"لانينا".

وتتكرر حالات "لانينا" كل 3 إلى 7 سنوات وتدوم عادة من 9 إلى 12 شهراً حتى سنتين. ووفقاً لتوقعات جديدة صادرة عن مركز تنبؤات المناخ في الولايات المتحدة، ارتفعت احتمالات استمرار برودة المحيط الهادئ الاستوائي حتى أكتوبر/تشرين الأول إلى 97%، فيما تبلغ فرص بقاء "لانينا" حتى يناير/كانون الثاني 80%.

واحدة من أقوى أحداث "لانينا" كانت مسجلة في 1988-1989 عندما انخفضت درجات حرارة المحيطات بمقدار 7 درجات فهرنهايت أقل من المعدل الطبيعي. وقعت آخر حلقة من حالات "لانينا" في أواخر عام 2016، وشوهدت بعض الأدلة على ظاهرة "لانينا" في يناير/كانون الثاني عام 2018.

تريليون دولار من الأضرار

يمكن أن تصل تكاليف الجفاف والعواصف الشتوية والأعاصير التي تسببها "لانينا" إلى عشرات المليارات، لكن التطرفات الجوية منتشرة جداً لدرجة يصعب معها حساب أضرار الحوادث الجوية المتتالية. أفضل مقياس هو من خلال الخسائر المجدولة من قبل شركات التأمين.

فقد كلفت كوارث الطقس العالم 268 مليار دولار في عام 2020، ونحو 329 مليار دولار أخرى في عام 2021، وفقاً لشركة Aon للبيانات والأبحاث.

إذا كانت الفترة المقبلة تشبه الفوضى التي جلبتها "لانينا" في عامي 2020 و2021، فمن المحتمل أن يقترب الإجمالي خلال الجولة الثلاثية، أو ربما يتخطى، 1 تريليون دولار بحلول نهاية عام 2023. توقعات الأضرار هذه مرتبطة مباشرة بظاهرة "لانينا"، إلى جانب التغير المناخي.

فاتورة الطقس هذه، التي تُحصي في الغالب خسائر الممتلكات وتلف المحاصيل لا تلتقط بالكامل تأثيرات "لانينا" غير المباشرة. بفعل تطرفات الطقس هذه يتأثر سعر كل شيء من فنجان القهوة إلى الفحم المستخدم في صناعة الصلب. عندما ترتفع هذه التكاليف، فإنها تغذي التضخم. إلى جانب الحروب الكبرى، "لانينا" هو الحدث الوحيد الذي له إبهام في مقاييس الأسواق والصناعات والاقتصادات العالمية.

ما علاقة التغير المناخي بـ"لانينا"؟

يحقق العلماء فيما إذا كان تغير المناخ مسؤولاً عن زيادة احتمالات ظهور "لانينا". فيما قال ريتشارد سيجر، أستاذ الأبحاث في مرصد لامونت دوهرتي للأرض بجامعة كولومبيا، إنه وزملاءه يعتقدون أن ارتفاع الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي يزيد من احتمالية انتشار ظاهرة "لانينا" القوية.

ووصف سيجر الظاهرة قائلاً: "لانينا مثل قائد سيمفونية الطقس". ومع ذلك، ثمة حاجة إلى مزيد من البحث لفهم الأنماط بشكل كامل.

وفي حين أن "لانينا" هي ظاهرة في المحيط الهادئ، فإنها تؤثر أيضاً على الأعاصير في المحيط الأطلسي خلال موسم العواصف، الذي يصادف في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول. قطعت أنماط الطقس المتغيرة الكثير من الرياح في البحر الكاريبي وأماكن أخرى عبر الحوض، مما سمح لمزيد من الأعاصير الأطلسية والعواصف الاستوائية بالتشكل والنمو بشكل أقوى.

كما أدت المياه الدافئة التي دفعتها لانينا شرقاً إلى موت مئات من طيور البطريق الصغيرة التي جرفتها المياه على شواطئ نيوزيلندا. وبينما ألحقت موجات الجفاف التي ضربت قارة أمريكا الجنوبية بتلف المحاصيل على نطاق واسع، تسببت الأمطار الغزيرة في أستراليا في تأخير زراعة القمح والشعير، وبالتالي انخفاض جودتها.

وفي سياق متصل، قال فهد سعيد، الرائد الإقليمي في جنوب آسيا والشرق الأوسط لتحليلات المناخ إنه يمكن ربط أنماط الطقس ربطاً مباشراً بـ"لانينا"، وأوضح قائلاً: "الفيضانات الوحشية في باكستان وأماكن أخرى لم تحدث بالصدفة".

TRT عربي