عبد الواحد الراضي أقدم برلماني في العالم يفوز بعهدة جديدة (Others)

54 سنة قضاها تحت القبة البرلمانية متقلداً طوالها عدة مناصب، متأرجحاً بين الأغلبية الحكومية والمعارضة. هو البرلماني "الاتحادي" عبد الواحد الراضي، الظاهرة الفذة في السياسة المغربية والعالمية، إذ يعد أقدم "معمِّر" سياسي في العالم.

وها هو وللمرة العاشرة وعن عمر يناهز 86 سنة يجري انتخابه مجدداً للنيابة عن دائرة سيدي سليمان (غرب المغرب) عن حزبه التقليدي "الاتحاد الاشتراكي"، ما يدفع المتابعين إلى العودة إلى سيرته النضالية قبل الاستقلال وبعده، ومساره السياسي الحافل. بجانب التساؤل حول الأسباب التي أطاحت بكل ما دونه من وجوه، ولم تمسس ضعف الثقة في وجه عبد الواحد الراضي لدى ناخبيه.

اكتساح جديد لاسم قديم!

كما جرت عادته اكتسح عبد الواحد الراضي القيادي بحزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" البالغ من العمر 86 عاماً الانتخابات التشريعية بسيدي سليمان، حيث انتخب لولاية برلمانية جديدة للمرة الحادية عشر على التوالي.

هو الذي خاض الانتخابات البرلمانية الأولى في البلاد سنة 1963، حيث كان لا يزال حينها شاباً بعمر لم يجاوز الـ26 عاماً، عن حزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" قبل أن يتحو اسمه إلى "الاتحاد الاشتراكي". ودأبت دائرة سيدي سليمان على أن تمنحه صوتها منذ ذلك الحين وتنصبه انتخابات تلو أخرى، ممثلًا لها داخل القبة.

هذا وتصدرت أحزاب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" و"الاتحاد الدستوري" و"التجمع الوطني للأحرار" نتائج الانتخابات التشريعية على مستوى إقليم سيدي سليمان. أحد مقاعدها عن دائرة "القصيبة" كان من نصيب الراضي.

تراث برلماني عالمي

سنة 2019 صنفت منظَّمة اليونسكو عبد الواحد الراضي تراثاً برلمانياً عالمياً، لكونه الأطول مكوثاً بالمنصب في تاريخ البشرية. لم ينافسه في الإصرار على البقاء في الكرسي السياسي سوى الرئيس الكوبي السابق «فيديل كاسترو» الذي آثر التنحي، بينما الراضي لا يزال يواصل مسيرته الخالدة تحت قبة البرلمان.

دخل عبد الواحد الراضي البرلمان منذ حقبة حكم الرئيس الفرنسي «شارل ديجول» وآوَتهُ قُبة المؤسسة التشريعية منذ أن كان الرئيس الأمريكي «جون كيندي» في الحكم، ولا يزال برلمانياً حتى الآن بعد فوزه بالعهدة الجديدة.

مَن عبد الواحد الراضي؟

ولد عبد الواحد الراضي سنة 1936، وعرف اليتم صغيراً حيث فقد والديه ليربو في كنف جده. وينحدر من عائلة فلاحية بمنطقة سيدي سليمان القروية، وفي ذلك شكَّل استثناء الطبقة السياسية المغربية، القادمة أساساً من الطبقات البورجوازية الحضرية. دخل الراضي السياسة في سن يافعة فانخرط في الحركة الوطنية المقاومة من أجل استقلال البلاد من قبضة المستعمر الفرنسي.

لا ينفي قدوم الراضي من وسط قروي تعرضه للسياسة منذ سنه الصغير، فعائلته كانت من بين أعيان المنطقة وأجداده لأبيه كانوا "قيَّاداً"، أي كانوا ممثلي السلطة المركزية المغربية في القبائل. وفي كنف ذلك الجو نما، والتحق مع نيل البلاد الحرية بحزب "الاستقلال" الذي كان يقوده الراحل علال الفاسي حينها ويبرز داخله تيارٌ يساري بقيادة المهدي بن بركة.

ويقول الراضي في مذكراته: "ومع الزمن، وبعد تدخلاتي اللافتة للانتباه داخل مجلس النواب، بدأ سي علال (الفاسي) يبدي تجاهي بعضاً من الاهتمام أو التثمين، كما بدأ يناديني بـ(السَّميَّة العزيزة) (الاسم العزيز) في إشارة إلى الاسم الشخصي لوالده وابنه اللذين حملا معاً اسم عبد الواحد".

دخل عبد الواحد الراضي أول برلمان مغربي سنة 1963 عن حزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" الجناح اليساري المنشق عن حزب "الاستقلال" سنة 1959. قبلها كان قيادياً في صفوف "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب"، المؤسسة النقابية الطلابية المغربية، حين كان يتابع دراسته بجامعة السوربون الباريسية متخصصاً في علم النفس.

سنة 1963 تعرَّض الراضي برفقة 5000 آلاف آخرين من قيادات حزبه وقواعده للاعتقال والتعذيب بمعتقل "درب مولاي علي الشريف" المشهور بالفظاعات التي كانت تمارس داخله في تلك الفترة. في ما عرف وقتها بمؤامرة "يوليو/تموز 1963" حين اتهم النظام المغربي مناضلي "الاتحاد" بتدبير مؤامرة لاغتيال الملك الحسن الثاني في غرفة نومه.

"كان الجَلَّادون الذين يُقيمون في ذلك المكان الرهيب يَرفَعُون صَوْتَ الراديو إِلى حَدِّه الأقصى، ولا أعرف لماذا هل كان لمجرد الاستماع فحسب أم كان للتَّغطية على أصوات المعتقلين الذين كانوا يتعرضون لأقسى صُوَر التعذيب؟" يكتب الراضي عن تلك الحقبة من حياته.

منذ ذلك الحين لم يغادر عبد الواحد الراضي قبة البرلمان المغربي، متقلِّداً منصب رئاسة مجلس النواب من 1997 إلى 2007. وشغل حقيبة وزارة التعاون سنة 1983، كما كان وزيراً للعدل في حكومة عباس الفاسي الفهري سنة 2007. كما جرت توليته كاتباً أولاً لحزب الاتحاد الاشتراكي بين 2008 و2012.

TRT عربي