عندما تقترب من بسطات المشروبات الساخنة في غزة لتتعرف على أصحابها، تجدهم من خريجي الجامعات، بل منهم من يمتلك ثقافةً عالية وحبّاً كبيراً للأدب.

غزة ــــ "الكار مش كارنا ولكن أحسن من قعدة دارنا"، "موفمبيك على قد الحال" عبارات خُطت باللهجة العامية الغزاوية لتعبر عن حالة أصحاب هذه العربات المتنقلة التي تحتوي على عدد من الكاسات الكرتونية وأباريق الشاي وغيرها من المنتجات البسيطة، التي يعدها أصحابها للزبائن الذين يتوجهون لهم لعدم غلاء أسعارهم.

عندما تقترب من هذه البسطات لتتعرف على أصحابها، تجدهم من خريجي الجامعات، بل منهم من يمتلك ثقافةً عالية وحبّاً كبيراً للأدب. غير أن الظروف الاقتصادية القاسية جعلت مستقبلهم شيئاً آخر غير أحلامهم، شيئاً يشبه الواقع الصّعب في غزة.

واقع لا يشبه الأحلام

كان بلال العمري (23 عاماً) يحلم خلال سنوات دراسته الأربع في الصحافة والإعلام، أن يكون على شاشات التلفزيون ينقل أخبار غزة للعالم ويشاهده أهله فخورين به.

لم يكن سهلاً على بلال العملُ في بيع المشروبات الساخنة للمارة في الشارعأو الجالسين على الكورنيش، فهو ليس مجال عمله
لم يكن سهلاً على بلال العملُ في بيع المشروبات الساخنة للمارة في الشارعأو الجالسين على الكورنيش، فهو ليس مجال عمله (TRT Arabi)

اعتقد أن حلمه سيتحقق، لكنه صُدم بالواقع وظروفه. يحكي لـTRT عربي: "منذ أن تخرجت قبل 3 سنوات، طرقتُ جميع الأبواب للحصول على عمل في مجال دراستي، لكنني لم أجد هذه الفرصة مطلقاً، ولهذا وصل بي الحال إلى العمل على عربة لبيع المشروبات الساخنة والذرة من أجل توفير مصروفي اليومي دون الحاجة لأحد".

لم يكن سهلاً على بلال العملُ في بيع المشروبات الساخنة للمارة في الشارع أو الجالسين على الكورنيش، فهو ليس مجال عمله، بل إنه كان في البداية مدعاةً للخجل والشعور باليأس. كأنّ سنوات دراسته الجامعية ذهبت سدىً.

لكن حاجته الماسة للعمل دفعته للقبول بالواقع والخروج من قوقعة العزلة عن المجتمع. يقول "أنا معيل لأسرة مكونة من عشرة أفراد، ووالدي لا يستطيع توفير كافة المستلزمات لهم، بسبب ظروف قطاع غزة السيئة جداً، إنه السبب الرئيسي الذي دفعني للبحث عن أي وسيلة للعمل".

تباع المشروبات الساخنة وأكواب الذرة بشواكل قليلة جداً لا تتعدى 2 شيكل للكوب الواحد، أي بقيمة أقل من دولار، وذلك يناسب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون في غزة.

"بسطة الممرض" لبيع القهوة والشاي

حذيفة أبو عيد (27 عاماً) شابّ درس تمريض طوارئ وقضى سبع سنوات بعد التخرج في التطوع في المستشفيات، أي في العمل بدون مقابل، معتقداً أنه قد يحصل في أيّة لحظة على وظيفة مقابل عائد مادي، لكنه وجد نفسه يضيّع سنوات عمره دون أن يستطيع توفير حتى تكلفة المواصلات.

فكر حذيفة أن العمل جيد لتوفير المصروف اليومي، لكنه يعلم جيداً أن هذا ليس مكانه ولم يكن أبداً الشيء الذي يطمح إليه
فكر حذيفة أن العمل جيد لتوفير المصروف اليومي، لكنه يعلم جيداً أن هذا ليس مكانه ولم يكن أبداً الشيء الذي يطمح إليه (TRT Arabi)

قرر بعدها الانسحاب والجلوس في البيت، ومرّ بفترة اكتئاب صعبة. يحكي لـTRT عربي: "ذهبت سنواتٌ من عمري هباءً منثوراً. كنت أعتقد أنني أمشي في الطريق الصحيح، غير أنني اكتشفتُ أنني لم أضف إلى حياتي شيئاً، بل على العكس من ذلك، أصبت بحالة اكتئاب حادة وانعزلت عن المجتمع. بعدها فكرت أن الحل الوحيد هو العمل على بسطة لبيع المشروبات الساخنة والحياة تمشي معي بستر الله ".

"شيء يسترني حتى لا أمد يدي للناس" مقولة يقتنع بها حذيفة لكي يحفظ كرامته وكرامة عائلته التي يعيلها ويساعد أبناء أخته الأيتام.

فكر حذيفة أن العمل جيد لتوفير المصروف اليومي، لكنه يعلم جيداً أن هذا ليس مكانه ولم يكن أبداً الشيء الذي يطمح إليه.

يقول: "هذا ليس مكاني؛ مكاني في المستشفى أعالج المرضى. الظروف هي التي قست وفرضت عليّ أن أقف طوال ساعات النهار والليل من أجل بيع القهوة والشاي للناس. هذا مؤلم جداً".

تكثر أسئلة الناس وعلامات التعجب والاستغراب على وجوههم عندما تعلم بأن حذيفة عمل ممرضاً لسبع سنوات وانتهى به الحال إلى بسطة صغيرة على الكورنيش. هذا الأمر يزيد من تدفق الحزن إلى قلب حذيفة الذي تشبه ظروفه وحياته ظروف وحياة الآلاف من الشباب في غزة.

ما يزيد ألم حذيفة هو لحظات الخجل الذي تصيبه من زملائه الممرضين الذين يأتون بين الفينة والأخرى إلى الكورنيش لشراء الشاي أو القهوة من عنده.

البسطة لتوفير المصروف الجامعي

صهيب حمدان (24 عاماً)، يدرس في الجامعة شعبة الآداب الإنجليزي، لكنه متأخر في سنوات الدراسة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي لم تمكنه من دفع الرسوم باستمرار لهذا تأخر تخرجُّه عن زملائه عامين كاملين.

توجه صهيب للعمل على بسطة لبيع المشروبات الساخنة من أجل توفير رسومه الجامعية ومصروفه اليومي
توجه صهيب للعمل على بسطة لبيع المشروبات الساخنة من أجل توفير رسومه الجامعية ومصروفه اليومي (TRT Arabi)

توجه صهيب للعمل على بسطة لبيع المشروبات الساخنة من أجل توفير رسومه الجامعية ومصروفه اليومي.

يقول لـTRT عربي: "اتجهت للعمل على بسطة من أجل توفير مصروفي ومساعدة عائلتي وتوفير بعض المال لإنهاء دراستي الجامعية التي تأخرت كثيراً بسبب الوضع المادي الصعب".

ويضيف قائلاً:" أنا مقتنع بأن العمل في غزة غير معيب وإن كان على بسطة في الشارع بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يتشارك فيها الجميع. مخططي هو إنهاء دراستي الجامعية، ثم الهجرة الى الخارج، ربما أجد مجال عمل يناسب أحلامي وطموحاتي".

أديب يبيع على بسطة في الشارع

هاني السالمي (40 عاماً)، كاتب روائي ألّف 11 رواية. افتتح بسطة لبيع القهوة عندما أراد الكتابة وشرب قهوة معها فلم يجد في بيته قهوة ولا في جيبه ثمناً لشرائها، لهذا فكر بأن يعمل بائع قهوة على بسطة في الشارع لكي يبيعها للمارة والسائقين وطلبة المدارس والجامعات.

كان السالمي يخجل من أصدقائه ومن يعرفه، كونه كاتباً ومثقفاً يعد القهوة والشاي ويبيع السجائر للناس في الشارع
كان السالمي يخجل من أصدقائه ومن يعرفه، كونه كاتباً ومثقفاً يعد القهوة والشاي ويبيع السجائر للناس في الشارع (TRT Arabi)

يقول: "شعرت بحزن شديد على حالي عندما لم أجد في جيبي شيكلاً واحداً لشراء القهوة لهذا اتجهت لبيعها على بسطة، وهناك أشغل وقتي بالكتابة حيث أصدرت كتابي الأخير بعنوان المسيحي الأخير".

كان السالمي يخجل من أصدقائه ومن يعرفه، كونه كاتباً ومثقفاً يعد القهوة والشاي ويبيع السجائر للناس في الشارع، لكنه بعد مدة استطاع التصالح مع نفسه، والاقتناع بأن هذه مهنة كجميع المهن، وأن الكثيرين يمرون بنفس ظروفه وأوضاعه".

يُشار إلى أن آخر أرقام مركز الإحصاء المركزي الفلسطيني حول معدلات البطالة للطلبة الحاصلين على الشهادات الجامعية وصلت إلى نسبة أكثر من 60% في جميع المجالات، وزادت النسبة بشكل كبير وملحوظ في السنوات الأخيرة بعد اشتداد الحصار على غزة وإغلاق المعابر وضعف الظروف الاقتصادية في كافة المجالات.

المصدر: TRT عربي