تَحوَّل فان غوخ بمرور الوقت إلى أسطورة غامضة، بما يثيره ذلك من فضول لاستكشاف المزيد عنه رغم كل الرسائل التي تركها وراءه. يقتضي التحول إلى أسطورة بعض الجوانب المظلمة، مثل إساءة فهم حياته وحصرها داخل سردية واحدة تراه كمضطرب نفسي أدى جنونه إلى الانتحار.

بورتريه لفان غوخ في معرض تفاعلي بقاعة
بورتريه لفان غوخ في معرض تفاعلي بقاعة "لو أتيلييه دو لوميير" في فرنسا  ()

منذ أن غيّب الموت الفنان الهولندي فنسنت فان غوخ (1853-1890)، أصيب العالم بالدهشة كلما تكشفّت أجزاء من حياته أو أعماله الفنية، وهو الذي لم يحظَ باعتراف خارجي بموهبته، بل وعجز عن امتهان الفن إذ لم يبع سوى لوحة واحدة في حياته اشترتها إحدى قريباته.

نُشرت مراسلاته مع أخيه الأصغر تيو، الذي -بحنوّه البالغ- كان سبباً في تحقيق مشروعه الفني، للمرة الأولى باللغة الأصلية عام 2009 بعد جهود سنوات في تحقيقها وإعدادها، وتتضمّن نحو 903 خطاباً تعكس رؤاه الخاصة وكثيراً من أفكاره وتصوراته حتى اليوم الأخير من حياته.

على الرغم من حياته القصيرة التي لم تتجاوز 37 عاماً، فقد ترك ما يقارب 2100 عمل فني من اللوحات الزيتية والمائية، أنجزها خلال السنوات العشر الأخيرة قبل أن يذهب لملاقاة الموت، وقد عُثر على لوحة "غروب الشمس في مونتماجور" عام 2013، بينما تستمر عمليات البحث عن بقية لوحاته حتى اليوم.

لوحات أم أبواب سحرية؟

"تظهر الغيوم، والشموس، ولوحات البورتريه، مستلهمة أسلوب الفنان الاستثنائي، على جدران يبلغ علوّها 15 متراً. سوف يعود عالم فان غوخ الداخلي، الفوضوي، اللا محدود، الممتلئ بالشاعرية، إلى الحياة مُجدداً". بهذه الكلمات أعلنت دار عرض لو أتيلييه دي لوميير الفرنسية عن معرض تفاعلي يقام لأول مرة ويستمر حتى نهاية العام الحالي ديسمبر/كانون الأول 2019.

تُعرض مجموعة من أهمّ لوحات فان غوخ على نسخ رقمية متعددة الطبقات، تحتلّ جدران القاعة وأرضيتها، مع إضاءة تُوهِم بيوم عاصف أو تحوِّل الأرضية إلى نهر أو حقل وفقاً لمزاج اللوحة، كي تتيح للزوار الانغماس الكامل في عوالمه السحرية بألوانها المتناقضة التي تتدرج بين الأصفر والأزرق، أو تنحاز لأحد اللونين وتستغرق في تنوعات درجاته.

في وقتٍ سابق، وقبل نحو 130 عاماً، حاول فان غوخ عرض مجموعة من لوحاته على جدار أحد المقاهي، وانتظر في زاوية مظلمة بقلق كي يرى كيف يستقبلها الناس، لكنه لم يجد سوى لا مبالاة دفعت صاحب المقهى إلى إلغاء العرض باستهانة، وخرج فان غوخ غاضباً من المقهى لا يرى سوى الضباب.

أحد الرسامين الذين شاركوا في فيلم
أحد الرسامين الذين شاركوا في فيلم "في حُب فنسنت" 2017 ()

التباس الأسطورة بالكليشيه

يصعب حصر الأعمال الفنية من معارض وأفلام وكتب وترجمات استلهمت حياة فان غوخ التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بفنّه، منها ترجمة العمل الموسوعي "المخلص دوماً، فنسنت" إلى اللغة العربية عن دار الكتب خان في القاهرة، والذي صدر عام 2017 في أول ترجمة عربية معتمدة لمراسلاته.

في نفس العام اكتمل مشروع أول فيلم أنيميشن رُسم يدويّاً بالكامل في حُب فنسنت، بعد أكثر من 8 سنوات من العمل شارك فيها نحو 100 رسام بعد تدريبهم لعدة أشهر على تعلُّم تقنيات الرسم الخاصة بأسلوب فان غوخ، وإنجاز 65 ألف لوحة زيتية يُبنَى عليها الفيلم وتروي مراحل حاسمة من حياته.

تَحوَّل فان غوخ بمرور الوقت إلى أسطورة غامضة، بما يثيره ذلك من فضول لاستكشاف المزيد عنه رغم كل الرسائل التي تركها وراءه.

يقتضي التحول إلى أسطورة بعض الجوانب المظلمة، مثل إساءة فهم حياته وتسطيحها من خلال حصرها داخل سردية واحدة تراه كمضطرب نفسي أدى جنونه إلى الانتحار، أو تحويله ببساطة إلى كليشيه في عالم الفن حين يبحث عن موضوع مضمون الجماهيرية، أو يخلو من التجارب الفنية الأصيلة، أو يُثقله الشعور بالذنب تجاه رجل عذبته الموهبة وضيق العالم المحدود، فيتوسلّ بحكايته.

وهو ما دفع النقاد إلى مهاجمة بعض هذه الأعمال التي تقدّم أحياناً تجربته بشكل سطحي مجتزّأ يُشبع حاجة "الجماهير الكسولة"، فقد "استُوعِب فان غوخ بشكل كامل في الثقافة المعاصرة، حتى وصلنا إلى مرحلة يجب فيها إنقاذه من التحول كلِّياً إلى ثقافة البوب آرت" وفقاً لصحيفة الغارديان.

الكشف عن لوحة
الكشف عن لوحة "غروب الشمس في مونتماجور" في متحف فان غوخ بأمستردام بعد العثور عليها عام 2013 (AP)

لحظتان من حياة فنسنت

تَمحْوَرت معظم الأعمال التي تناولت حياة فان غوخ -عدا الكتب والترجمات- حول السنوات العشر الأخيرة، التي أنجز خلالها أغلب لوحاته الفنية، بينما يبقى الجزء الآخر مخفياً إلى حد كبير.

قد يقيم الفنان مسافة بين حياته وتجربته الفنية، كأن يحافظ جاهداً على القبول المجتمعي ورضا البيئة المحيطة مقابل أن يفسح المجال لرؤاه الذاتية في عمله الفني، ويتمسك بمقولة أن التجربة الفنية تنتمي إلى عالم آخر يخضع لمقاييس أخرى، لكن لم يُخلَّد في ذاكرة الشعوب سوى التجارب القليلة التي جاء فيها العمل الفني مُلتصقاً تماماً بصاحبه، وهنا فقط تحدث التراجيديا.

لوحة
لوحة "زهر اللوز" التي رسمها فان غوخ احتفالاً بقدوم ابن أخيه تيو - فبراير/شباط 1890 ()

اللحظة الأولى: الانحياز إلى الداخل

"أحياناً أظلّ ساهراً أرسم حتى وقت متأخر لأستدعي ذكرى ما، ولأثبّت الأفكار التي تطرأ على ذهني بشكل تلقائي عن رؤيتي للأشياء".

تربّى فنسنت في أسرة محافظة شديدة التديُّن، تطمح باستمرار إلى الارتقاء بطبقتها الاجتماعية. لم يرَ والديه في الرسم مهنة جيدة يمكنها أن تحقِّق له المكانة الاجتماعية المناسبة، أكمل فنسنت دراسته الثانوية ثم قرَّر أن يتحول إلى واعظ ديني.

سعى بضراوة في محاولة لإتقان الوعظ والخطابة، وذهب للدراسة متطلعاً نحوه كهدف أسمى لحياته، رغم كل محاولات أخيه إقناعه بأن هذا ليس طريقه، لكنه في النهاية فشل في تحقيق الأمر؛ لم يكُن هذا فعلاً طريقه.

في تلك الفترة بدأت صراعاته مع عائلته تحتدم، وظل الأمر يتصاعد حتى وصل إلى لحظة حاسمة، فقد شكلت التجربة التي مرً بها عام 1881 نقطة تحول في تصوراته الدينية، حين جاءت إحدى قريباته وطفلها الصغير للإقامة في منزل عائلته بعد وفاة زوجها، فأُغرِمَ بها فنسنت بجنون، ورغم رفضها مبادلته الشعور ظل يلحّ عليها حتى عنّفه والده على سلوكياته التي وصفها بـ"المفاجئة وغير المحتشمة" مُحذراً إياه من الإضرار بالروابط العائلية المقدسة، وحين لم يستجب فنسنت، طرده والده من المنزل.

عاد إلى بيت العائلة بعد ثلاثة أسابيع ليعود الصدام مع والده مُجدداً بعد يومين من وصوله، وفي تلك اللحظة أقسم فنسنت ألا تكون له علاقة بالدين، مُعلناً رفضه المنظومة الأخلاقية التي يتبنّاها والده، وانحيازه إلى عالمه الداخلي، حيث بدأ في وضع حياته موضع التجريب.

لوحة
لوحة "حقل القمح والغربان" التي رسمها فان غوخ في أواخر أيامه - يوليو/تموز 1890 ()

اللحظة الثانية: "الموت كصديق"

كان فنسنت دائم التنقل في بحث دائم عمَّا هو أبعد، عن رؤية أخرى للأشياء، ألوان أكثر سطوعاً وأشدّ حساسية، لم يسعَ لاكتمال التجربة، بل لعبور كلّي.

حين كان اعتراف الجمهور بموهبته على وشك الحدوث، وذلك بعد عرض 3 لوحات ضمن معرض يجمع أعمال غيره من الفنانين نفّذَته "جمعية الفنانين المستقلين"، ابتعدت أفكاره الداخلية تماماً عن ذلك. كان مرتعباّ من الوقوع في فخ الشهرة الذي قد يسلبه القدرة على بلورة رؤيته الخاصة إذا تعارضت مع مزاج الجمهور المتغير بدوره باستمرار، وهو ما عبّر عنه في إحدى رسائله مقتبساً مقولة الكاتب دوديه: "الشهرة؟ كأن تضع السيجار في فمك من طرفها المشتعل بينما أنت تدخن".

شكّل فنسنت بمرور الوقت نوعاً من الإيمان بالفن، بوصفه "إيماناً ووعياً بشيء متعالٍ، باختصار بما هو فوق". وفي السنتين الأخيرتين قبل موته، حاول التعبير في كثير من المواقف عن التلازم بين نضوج التجربة الفنية وتدمير الذات، "تتكلم الآن عن الفراغ الذي تشعر به أحياناً، إنه الشيء نفسه الذي أعاني منه (...) كلما أصبحت مضعضَعاً وعليلاً كجَرّة محطَّمة، ازددت إبداعاً في حركة الإحياء الفني العظيمة التي نتحدث عنها"، كما خاطب أخاه في إحدى رسائله.

منذ أواخر عام 1888 طالت فترات إقامة فنسنت في المستشفى بسبب تدهور حالته العقلية ودخوله في نوبات من البارانويا والهلوسة اشتدت وطأتها مع الوقت، وشُخصت حينها بـ"جنون ذو طبيعة صرَعية".

في تلك الفترة، تفاقمت حساسيته وشعوره بالعزلة وبأن العالم يلفظه، خاصة حين قدّم جيرانه التماساً للعمدة بإخراجه من المنطقة وعدم ترحيبهم بوجوده في الجوار.

قضى عاماً كاملاً في مصحة سان ريمي، أنجز خلاله مجموعة من أهم اللوحات وصلت أحياناً إلى لوحة كل يوم، رغم اضطرابه ونزوعه بقوة نحو التدمير الذاتي من خلال "أكل الألوان والزهور والأوساخ". هل سيطرت عليه حينها الرغبة في أن يتلاشى داخل الطبيعة بشكل كلي؟ ربما، لكنه أيقن حينها أنه لن يشفى أبداً.

نعم، الحياة الحقّة في شيء آخر، لكنني لا أظنني أنتمي إلى ذلك النوع من الأرواح التي هي مهيأة للعيش وأيضا مهيأة في أي لحظة للمعاناة

فان غوخ - في إحدى رسائله إلى تيو

لن يعرف أحد حقيقة ما حدث لحظة موته، في يوم الأحد 27 يوليو/تموز 1890، خرج فنسنت ليرسم في الحقول البعيدة، وعاد بصعوبة إلى النزل الرخيص الذي كان يقيم فيه بعد خروجه من المصحة، مضرَّجاً بالدماء، وأخبر الجيران قبل موته بأنه أطلق الرصاص على صدره.

ترددت بعدها أقاويل عن أنه قتل بالخطأ على يد أحد معارفه الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، لكنه فضّل الرحيل وتجنيب فتى في بداية حياته مصيراً مأساوياً، لكن يظلّ هذا تأويلاً ليس بوسع أحد تأكيدُه أو نفيُه. لقد أقرّ فنسنت النهاية التي تناسبه بتأكيده أنه من أطلق الرصاص على نفسه.

سوف تظل حقيقة ما حدث غامضة كسِرٍّ لا ينكشف إلى الأبد، "بأي حال، إنني أعلم تماماً أن الشفاء يأتي إن كان المرء شجاعاً، من الداخل، عبر التخلِّي العظيم للمعاناة والموت، وعبر هجر إرادة المرء وحبه لنفسه. لكنها لا تأتي إليّ، أنا أحب التصوير، وأرى الناس والأشياء وكل ما يصنع حياتنا، مصطنعاً، إن أردت. نعم، الحياة الحقّة في شيء آخر، لكنني لا أظنني أنتمي إلى ذلك النوع من الأرواح التي هي مهيأة للعيش وأيضا مهيأة في أي لحظة للمعاناة"، كما تحدث إلى أخيه في رسائله الأخيرة.

*اعتمدت المعلومات الواردة في التقرير عن حياة فان غوخ على مجلد "المخلص دوماً، فنسنت" ترجمة ياسر عبداللطيف ومحمد مجدي.

المصدر: TRT عربي