حُرموا من أبسط حقوقهم في العلاج داخل السجن، فاضطرّوا للعب دور الأطبّاء، وإجراء عملياتٍ جراحية لبعضهم البعض بطرقٍ بدائية داخل السجن. قصصٌ مؤثرة لأسرى فلسطينيين داخل سجون الاحتلال.

غزة ـــ تتعمد إدارة السجون الإسرائيلية قتل الأسرى الفلسطينيين والتنكيل بهم أحياءً، بل وتتلذذ بقتلهم بشكل بطيء، من خلال حرمانهم أبسط حقوقهم في العلاج، وحينما يحاولون بأياديهم التخفيف من معاناتهم، يُلقَى بهم في غيابة الجُبّ، لا يُعرف لهم مكان، ولا مصير.

تروي رزان طالب مخامرة قصة عذاب وتحدٍّ، أبطالها والدها الأسير طالب مخامرة وابن عمها خالد الذي أصيب برصاصات عدة في القدم والبطن؛ أُطلِقَت عليه أعيرة قوات الاحتلال في الثامن يونيو/حزيران 2016، وتلقى عقب ذلك علاجه في أحد المشافي الإسرائيلية، وأُودِعَ أحد السجون الإسرائيلية.

في إحدى الزيارات له لاحظت عائلة خالد وجود تشويه كبير في بطنه (معدته) خلّفه الأطباء الإسرائيليون الذين أجروا له العملية، بعد إصابته بأعيرة نارية في البطن، كما لاحظوا أن بقايا شظايا رصاص لا تزال موجودة في قدمه وتعوق سيره، وكان الجيش الإسرائيلي نقله إلى زنزانة الأسر فيما لم يكُن أكمل علاجه بعد.

بعد فترة وجيزة بدأت الشظايا الساكنة في قدمه تتحرك، ممَّا سبّب له ألمًا شديدًا لدرجة لم يتمكن بعدها من الوقوف على قدمه من هول الوجع الذي ألمّ به.

في إحدى الزيارات له لاحظت عائلة خالد وجود تشويه كبير في بطنه (معدته) خلّفه الأطباء الإسرائيليون الذين أجروا له عملية جراحية
في إحدى الزيارات له لاحظت عائلة خالد وجود تشويه كبير في بطنه (معدته) خلّفه الأطباء الإسرائيليون الذين أجروا له عملية جراحية (TRT Arabi)

عملية بقصّافة أظافر

ما كان يهوّن السجن على خالد ويخفّف وطأته وآلامه وأوجاعه، عمه طالب مخامرة الذي اعتُقل هو الآخر، وزُجّ به في سجون الاحتلال في السابع والعشرين من يوليوز من العام 2008.

بعد معاناة من الأوجاع المستمرة بسبب الشظايا العالقة في قدمه، وعقب محاولات متواصلة منه لمناشدة إدارة السجن إجراء عملية له وإخراج تلك الشظايا، والتخفيف من وجعه الذي كان يُخمِده بعَضِّ وسادته أو كتم أنفاسه عن الصراخ، ولمنع تفاقم حالته، وبعد أن باءت كل المحاولات مع إدارة السجن بالفشل، تقول "ما كان من أبي إلا أن أجرى لخالد الجراحة بنفسه، كي يخفف عنه ذلك الوجع المتزايد بمرور الوقت، وقد أجرى الجراحة بما توافر له في السجن من أدوات بسيطة، وهي مقصّ صغير وعلبة عطر (كولونيا) وقصافة أظافر".

أجرى العم طالب العملية لابن أخيه على مرحلتين، الأولى في الخامس والعشرين من ماي المنصرم، وباشر بالعملية بهذه الأدوات البسيطة، وتَمكَّن من نزع شظيتين عالقتين في قدم ابن أخيه، لكن لم يتمكن من إزالة باقي الشظايا العالقة نتيجة الألم الشديد الذي شعر به خالد، فاضطُرُّوا إلى قطع العملية، وقد شعر خالد بتحسُّن ملحوظ بعدها بأيام وقد خفّت آلامه.

وفي المرحلة الثانية، تمت العملية في العاشر من هذا الشهر، وتمكن العمّ طالب من إخراج شظيَّة أخرى، شعر خالد بعدها بتعب شديد، فما كان من العم طالب على أثر ذلك إلا التوقُّف عن العملية، فلم يكن له أن يغامر بصحة ابن أخيه بعملية كهذه، لولا أن لديه رباطة جأش وخبرة سابقة في مساعدة الأسرى، إذ أجرى عملية فك (جَسْر أسنان تقويمي) لأسير آخَر من يطا قبل سنوات.

وتكشف رزان لـTRT عربي عن اختفاء خالد، منذ اللحظة التي علمت فيها إدارة السجن، قبل عيد الفطر بأسبوع واحد، بالعملية، وبتحسُّن حالته الصحية. تقول "فوجئ أبي بأخذ القوات الإسرائيلية لخالد، واختفائه منذ ذلك الحين في مكان مجهول -ربما اقتادوه إلى العزل الانفرادي- ولكن لم تعلم العائلة عنه شيئاً، لا حالته الصحية ولا مصيره وما ألمّ به، حاولنا التواصل مع الصليب الأحمر ليصلنا به، لكن دون جدوى حتى لحظة كتابة هذا النص".

وكأن إدارة السجون الإسرائيلية تعاقبه على تحسُّن صحته، مما يُظهِر إصرارها ونيتها المسبقة، على الإضرار بصحة الأسرى الفلسطينيين، وإهمالهم طبيًّا، دون رحمة أو شفقة، ولو على الصعيد الإنساني على أقل تقدير.

الأطفال.. جراحةٌ بدائية خلف القضبان

حاولت TRT عربي بدايةً إجراء حديث مع والدة الأسير محمد عبد العزيز المغالسة (17 عامًا)، لكنها تمنعت خوفًا من أن يضرّ ذلك بولدها، فما كان إلا أن تواصلنا مع محامية نادي الأسير الأستاذة أماني سراحنة التي كشفت لنا معاناة هذا الطفل، وتدهور صحته داخل السجون الإسرائيلية.

اختُطِف الأسير الطفل في الرابع والعشرين من فبراير من هذه السنة، من داخل منزله في مخيم الفوار، وكان قبل اختطافه بعام واحد قد ركّب جسرًا تقويميًّا لأسنانه، ومن الضروري والمعلوم صحيًّا العناية به، وتغييره سنويًّا، فتوجه الأسير الطفل إلى إدارة السجون من أجل ذلك، مرارًا، لكنها كانت ترفض في كل مرة، وتُقابل مطالبه بالتعنُّت والتسلط.

اختُطِف الأسير الطفل محمد مغالسي في الرابع والعشرين من فبراير من هذه السنة، من داخل منزله في مخيم الفوار
اختُطِف الأسير الطفل محمد مغالسي في الرابع والعشرين من فبراير من هذه السنة، من داخل منزله في مخيم الفوار (TRT Arabi)

وقد تفاقمت حالة أسنانه، تقول المحامية أماني "بدأت التهابات اللثة تظهر وتتزايد، وتفاقم وضع أسنانه بمرور الوقت، لدرجة أنها كانت ستُصاب بالتشوه، وكان يعاني ألَمًا شديدًا يحاول كبحه، فيعَضُّ على أسنانه وتدمع عيناه ألمًا، ولا يستطيع الأكل أو الشرب بسهولة، مما أثر على صحته بشكل عامّ، فما كان من بعض زملائه الأسرى إلّا أن قرّروا إزالة التقويم له، لتخفيف معاناته وآلامه المتزايدة، ومخافة أن تطور حالته أكثر من ذلك".

لم يجد الأسرى أمامهم إلا مقصّ الأظافر يسعفهم في إجراء تلك الجراحة للأسير محمد، وبدؤوا بذلك، وقد كان الأمر صعبًا، وتسبب له في آلام كبيرة، وتسبب أيضًا في أضرار ظاهرة، لكنها أخَفّ وطأة مما كان سيحصل لو بقي أكثر.

هذه روايات كُتبت بحروفٍ من ألم بادر بها الأسير الفلسطيني لمواجهة الموت البطيء الذي تمارسه إدارة السجون الإسرائيلية في حقّ الأسرى جميعًا. عديد من الأسرى قتلتهم آلة الإهمال الطبي في سجون الاحتلال، إذ بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين الذين قتلوا داخل السجون الإسرائيلية 206 شهداء، منذ احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية عام 1967.

ووَفْقاً لمدير دائرة الإحصاء في هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية عبد الناصر فروانة، فإن 71 أسيرًا قُتلوا نتيجة التعذيب، و74 آخَرين قُتلوا عمدًا بعد اعتقالهم مباشرة، فيما قُتِل 54 منهم نتيجة الإهمال الطبي بحقِّهم، فضلًا عن سبعة أسرى قُتلوا داخل سجون الاحتلال بإطلاق الرصاص تجاههم مُباشَرةً.

المصدر: TRT عربي