المرأة التركية (AP)

ما بين العمل نادلة في أحد المقاهي أو المطاعم، أو موظفة خدمة في إحدى الشركات الخاصة أو في قطاع التعليم أو الصحة الحكومي، أو بروفيسورة ترأس إحدى الجامعات، وصولاً إلى شغل مناصب وزارية سيادية لرسم سياسات البلاد، تختلف المناصب والمجالات لكنها تنطوي جميعها تحت بند عمل المرأة في تركيا ومشاركتها في الحياة السياسية، وهي الثقافة الراسخة في المجتمع التي تحكي قصة كفاح ومشاركة كاملة في كل مجالات الحياة وتحدياتها، ترسيخاً لمبدأ ومقولة "المرأة نصف المجتمع".

وفي الطريق إلى ترسيخ مبدأ "المرأة نصف المجتمع" ولتصبح المرأة تشكل بالفعل نصف عدد القوى العاملة في البلاد، عملت الحكومات التركية المتعاقبة على مدى العقود الماضية على تقديم كل أشكال الدعم لتعزيز مكانة المرأة في مجالات العمل كافة، إلا أن التحديات كانت كبيرة وتداخلت الحسابات المعقدة والتي كان أبرزها تحدي الموازنة بين زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل وفي الوقت نفسه زيادة معدلات الخصوبة، للحفاظ على إبقاء المجتمع التركي "شاباً" وتجنب أزمة "الشيخوخة" التي تعاني منها الكثير من الدول الأوروبية، ويمكن فهم صعوبة هذا التحدي إذا ما علمنا أن أبرز معيقات عمل المرأة في العالم هو الإنجاب بمراحله المختلفة من الحمل إلى الولادة إلى التربية والتعليم.

وتحتفل تركيا كل عام في الأحد الثاني من مايو/أيار بعيد الأم الذي يصادف هذا العام التاسع من الشهر الجاري، وهو التقويم الذي يختلف من بلد إلى آخر، حيث يعتبر هذا العيد مناسبة لإسعاد الأمهات وتقديم الورود والهدايا لهن وتكريمهن على دورهن في المجتمع، كما تتحول هذه المناسبة إلى فرصة لإعادة تقييم احتياجات المرأة في المجتمع التركي، والمطالبة بمزيد من التسهيلات للأمهات لمواصلة انخراطهن في سوق العمل.

وفي رسالته بعيد الأم لهذا العام، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الأمهات يضعن حجر الأساس لبناء مجتمعات قوية، وأضاف: "رابطة الأم بأولادها تعتبر من أقوى الروابط، خاصة أننا أتباع حضارة ترى في احترام الأم مفتاحاً من مفاتيح الجنة.. الأمهات أثمن ما في الوجود"، وقدم أردوغان تهانيه لكل الأمهات "اللواتي يعتبرن رمز المحبة والرحمة والتضحية".

ثقافة اجتماعية راسخة

لا ترتبط فكرة عمل المرأة في المجتمع بالاحتياج المالي بدرجة أساسية، وإنما بثقافة عامة تؤمن بقدرة المرأة على أن تعمل في كل المجالات ما يعزز مكانتها في المجتمع، كما تؤمن معظم الإناث في تركيا ومن سن صغيرة بأن عملهن هو الكفيل بأن يؤسس لهن استقلالية أكبر في شخصيتهن وحياتهن وقدرة على رسم مستقبلهن، إلى جانب ثقافة التشاركية في تأسيس الحياة المستقبلية بعد الزواج.

هذه الأفكار جعلت من العمل ثقافة مبكرة في حياة الإناث، حيث تبدأ طالبات الثانويات والجامعات بالعمل في سن مبكرة بشكل جزئي في أعمال بسيطة مختلفة، بغض النظر عن الوضع الاقتصادي لعائلاتهن، ودون أن يشكل ذلك أي حرج أو تكبر على العمل في ظل ثقافة عامة وتقبّل واسع من المجتمع. وتكون هذه الأعمال بالأغلب ترتبط بقطاع السياحة والمطاعم والمقاهي والمبيعات في المراكز التجارية ومجالات التسويق والماركت وغيرها الكثير من المجالات.

ويبدأ أول تحدٍّ في حياة الفتاة التركية بقدرتها على الدمج بين الدراسة والعمل، فتجد طالبات من كليات الطب والهندسة يعملن نادلات في المطاعم والمقاهي، وتجد من تحاسبك في الماركت طالبة تستعد لخوض امتحان القبول الجامعي وتنافس على أفضل الكليات العلمية، أو طالبات درسن الثانوية المهنية وبتن متخصصات في مجال السياحة والفندقة، وحتى بعض المهن الصعبة بناء على تخصص وشهادة علمية في سن مبكرة جداً.

لكن النجاح في تحدي العمل والدراسة لا يعتبر الأهم في حياة الفتاة، حيث يبدأ بعد ذلك التحدي الأكبر المتمثل في القدرة على الدمج بين العمل وتأسيس أسرة والقدرة على الاستمرار في العمل عقب الإنجاب، وهي المهمة الصعبة التي يعمل المجتمع والحكومة بشكل متواصل من أجل التغلب عليها بوسائل مختلفة، أبرزها الدعم والتسهيلات الحكومية والتكاتف والتضامن الاجتماعي داخل الأسرة بدرجة أساسية.

ويحظر الدستور التركي بشكل صريح أي تمييز على أساس الجنس في كل مجالات الحياة، وينص على أن الأسرة تقوم على مبدأ "المساواة بين الزوجين"، ويمنح القانون المرأة حقوقاً متساوية مع الرجل في الممتلكات المكتسبة في أثناء الزواج، وهو ما يُفسَّر على أنه محاولة لإعطاء قيمة اقتصادية لعمل المرأة في بيت الأسرة.

كفاح الأم العاملة

يعتبر الدمج بين العمل والأمومة من أصعب التحديات في حياة أي أم في العالم، فالأمر مرتبط بأبعاد تتعلق بمدى القدرة على الابتعاد عن الطفل لساعات طويلة يومياً، وتوفير آلية مناسبة للعناية بالطفل، والقدرة على توفير التكاليف المالية للحضانات والمربيات، ولاحقاً القدرة على تحمل أعباء العمل والأمومة معاً، وهي تحديات متداخلة ومعقدة تجعل الدمج بين الأمومة والعمل من أسمى أشكال الكفاح في الحياة.

وفي تركيا تساعد الثقافة الاجتماعية في تجاوز هذه المعضلة، حيث تتكاثف جهود العائلة لمساعدة الأم العاملة في تربية أطفالها والعناية بهم، ويعتبر الأجداد والجدات المتقاعدون عن العمل هم الخيار الأول لمعظم الأمهات العاملات من أجل تأمينهم على الرعاية بأطفالهن والاعتناء بهم طوال وقت العمل خاصة في السنوات الأولى، قبل أن تبدأ المهمة تنتقل تدريجياً إلى الحضانات ورياض الأطفال التي توفر إمكانية استقبال الأطفال ما بين الثامنة صباحاً والسابعة مساء، وذلك حتى تتمكن الأم من ترك طفلها قبيل ذهابها إلى العمل وتسلمه بعد عودتها، لا سيما أن ساعات العمل الأساسية في تركيا تمتد ما بين الساعة التاسعة صباحاً والسادسة مساء.

وعلى الجانب الآخر، تسعى الحكومة لتعزيز دعمها للأمهات العاملات ضمن استراتيجية طويلة الأمد نجحت في تطبيق الكثير منها حتى اليوم، والتي تتمثل في منح إجازات مجدية للأمهات الحوامل، وفترة استراحة ما بعد الميلاد التي تزيد كلما زاد عدد الأطفال، ومنح الأم ساعات معينة في أثناء وقت العمل للتفرغ للعناية بالطفل وإرضاعه طبيعياً، وعروض للعمل بساعات أقل يومياً، وإمكانية الحصول على إجازات تصل إلى عامين من دون راتب غير الإجازات المدفوعة، وغيرها من الإجراءات التي يعتبر أبرزها وأهمها توفير دور حضانة ورعاية لأطفال الأمهات العاملات في نفس أماكن العمل، وهو ما يتيح للأمهات بأن يبقين على مقربة من أطفالهن ويشعرن بأمان أكبر وراحة أفضل في العمل.

وتواجه الحكومة بشكل عام تحدياً كبيراً جداً عبر العمل استراتيجياً على ملفين يتعارضان في كثير من المحاور، ففي الوقت الذي يحذّر فيه الرئيس أردوغان من تراجع نسب الخصوبة ويدعو العائلات إلى إنجاب ما لا يقل عن ثلاثة أطفال، تسعى الحكومة في مسار آخر إلى رفع نسب مشاركة المرأة في العمل. وهي مهمة تبدو معقدة ومتداخلة إذا ما علمنا أن أبرز معيق لتعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل هو الإنجاب وتربية الأطفال، وبالتالي فإن خطط الحكومة لدعم الأمهات العاملات وفتح الحضانات في أماكن العمل وتقديم التسهيلات المالية وسن قوانين تأتي في إطار جهود كبيرة لتحقيق تقدم في ملفي رفع نسب الخصوبة وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل بالتوازي.

إحصائيات وأرقام هامة

لا توجد إحصائيات دقيقة لنسب مشاركة المرأة في سوق العمل التركية، ولكن معظم الدراسات والتقديرات تشير إلى أن العاملات المسجلات بشكل رسمي تبلغ نسبتهن قرابة 35%، وهو ما يجمع مختصون على أنها نسبة لا تمثل الواقع الحقيقي لعمل المرأة، ويقولون إن نسبة العاملات أكبر من ذلك بكثير ولكن بشكل غير رسمي وغير مسجل في الدولة وبالتالي يصعب إحصاؤها، إلا أنها تبقى معضلة يجمع مختصون ومسؤولون على أن الدولة تسعى لحلها من خلال ترسيم عمل المرأة وضمان حقوقها كاملة بموجب القانون.

ومؤخراً كشفت إحصائية رسمية في تركيا أن عدد الأكاديميات من الإناث في البلاد ارتفع في العقدين الأخيرين لما يقارب ثلاثة أضعاف، لتصل نسبتهن إلى 45%، بينهن قرابة 9 آلاف يحملن درجة بروفيسورة، بينما تحمل 6514 درجة "أستاذة مشاركة"، وأكثر من 17 ألفاً يحملن لقب دكتورة محاضرة في الجامعات التركية المختلفة.

وأوضحت بيانات رسمية لهيئة التعليم العالي في تركيا أن البلاد يوجد بها 170 ألفاً و561 أكاديمياً، 45% منهم من النساء بعدد يصل إلى 76 ألفاً و668، بعد أن كان هذا العدد لا يتجاوز 26 ألفاً في عام 2002، بارتفاع يصل إلى ثلاثة أضعاف، كما تجاوز عدد مساعدي هيئة التدريس من الإناث نظراءهن من الذكور، فمن إجمالي 36 ألفاً و984 مساعد تدريس، يوجد 18602 من الإناث و18382 من الذكور، كما تجاوز عدد مساعدات البحث من الإناث نظراءهن من الذكور، ومن إجمالي 49 ألفاً و102 مساعد بحث يوجد 24955 من الإناث و24147 من الذكور.

وبحسب البيانات الرسمية، فإن عدد الطلاب المسجلين حالياً في الجامعات التركية المختلفة ولكل البرامج بلغ 8 ملايين و76 ألف طالب، منهم 3 ملايين و887 ألفاً من الإناث، بنسبة تصل إلى 48.12%، ومن إجمالي طلاب البكالوريوس 47% من الإناث، والماجستير 46%، والدكتوراة 46% من الإناث.

العمل في الحياة السياسية

وتعتبر تركيا من أوائل دول العالم التي منحت المرأة حق الانتخاب وذلك عام 1934، وفي أول انتخابات شاركت فيها المرأة عام 1935 دخلت 17 نائبة إلى البرلمان التركي، واستمرت المرأة التركية في لعب دور كبير في الحياة السياسية وصولاً إلى الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2018، والتي دخلت فيها 101 نائبة إلى البرلمان التركي الذي يتكون من 600 نائب، أي ما نسبته أكثر من 17%، في قفزة كبيرة تظهر مدى تطور مشاركة المرأة في الحياة السياسية التركية.

ولا تقف مشاركة المرأة عند حدود البرلمان، حيث لا تخلو حكومة تركية من العنصر النسائي، ورغم الصعوبات التي واجهت دخول المرأة إلى بعض المجالات والمهن في البلاد في العقود الماضية، لا سيما التمييز على أساس الحجاب، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عمل خلالا سنوات على إنهاء هذه الفروق، وسمح بدخول المحجبات إلى كل مستويات العمل الحكومي لا سيما القضاء والتعليم والجيش والشرطة وغيرها من المجالات، كما تقود سيدات أحزاباً تركية كبيرة أبرزهن حالياً ميرال أقشينار زعيمة حزب الجيد المعارض، وتعتبر تانسو تشيلر أحد أبرز رؤساء الوزراء الذين مروا على الحياة السياسية التركية.

TRT عربي