قبلة مفضلة للمُصنعين.. كيف أصبحت تركيا مركزاً لتصنيع منتجات شركات أوروبية؟ (AA)
تابعنا

بعد الحرب الروسية على أوكرانيا والأزمات الخانقة التي ألقت بظلالها على العالم برمته، وبالأخص أوروبا، بدأ الصناعيون الأوروبيون، الذين دخلوا عنق الزجاجة للطاقة وأوقفوا خطوط إنتاجهم إلى حد كبير، بطرق أبواب المُصنّعين الأتراك من أجل تصنيع منتجاتهم من كل قطاع تقريباً، لا سيما في قطاعات البلاستيك والحديد والصلب، والتي تُعرف باستهلاكها طاقة مكثفة.

وفي حين أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 400-700% في أوروبا منذ بداية هذا العام أجبر المُصنّعين الأوروبيين على إيقاف خطوط إنتاجهم، وجد أولئك الذين واصلوا إنتاجهم الحل لاستكمال أعمال التصنيع في تركيا.

فوفقاً لرئيس مؤسسة البحث والتطوير والتعليم لصّناع البلاستيك الأتراك (PAGEV) يافوز إروغلو، فإن المصانع التي أوقفت خطوط إنتاجها واحداً تلو الآخر بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة تحاول الاستعانة بالمُصنّعين الأتراك لتصنيع منتجاتها، وأضاف قائلاً: "لقد فتحت أبواب فرص عظيمة لتركيا".

زيادة هائلة في الطلب

أشار إروغلو إلى إنهم رأوا بوضوح انعكاس ذلك في معرض أوراسيا للتغليف الذي أقيم الأسبوع الماضي، والذي حضره 13 ألف رجل أعمال أجنبي من 13 دولة، توافد المنافسون الأوروبيون إلى المعرض لتوريد المنتجات.

وتابع: "أوقفت القطاعات التي تستخدم الطاقة بشكل مكثف في الإنتاج. وقد أتاح الفراغ الناتج عن هذه القطاعات فرصة غير متوقعة للمُصنعين الأتراك. لأن المنتجات التي لم يجرِ إنتاجها هناك تحتاج إلى الحصول عليها من مكان ما. في هذا نقطة، تبرز تركيا كبديل جاد".

ولفت أيضاً إلى أن المصنعين الأوروبيين اتجهوا إلى تركيا التي أثبتت نفسها في الجائحة، بدلاً من بديل الشرق الأقصى للإمداد، مؤكداً أنه "جرى إبرام العديد من الاتفاقيات في هذا الاتجاه خلال المعرض.

قبلة المُصّنعين

وفي سياق متصل، صرح رئيس تعاونية إدارة المواقع الصناعية (IMES) كمال أكار بأن الأوروبيين، الذين يواجهون تكاليف إنتاج عالية بسبب ارتفاع أسعار فواتير الطاقة، ليس لديهم حل آخر سوى تصنيع منتجاتهم في تركيا. وأشار أكار إلى أن تركيا ارتقت إلى موقع قاعدة إنتاجية قوية للغرب بأدائها خلال فترة الوباء، وأضاف: "نشهد فوائد كبيرة من هذا الآن، وهناك اتجاه نحو تركيا من العديد من الدول، وبخاصة ألمانيا. وسيستمر هذا الوضع في تقديم مساهمة ذات مغزى لصادراتنا".

من جهته، قال يافوز إيروغلو إن الصناعيين الأوروبيين قد يضطرون إلى بيع آلاتهم من على الخطوط التي أغلقوها بمرور الوقت، وأضاف: "إن إغلاق الخطوط له تكلفة كبيرة على صاحب العمل. لذلك، سيضطر منافسونا إلى بيع آلاتهم. وهذا يعني شراء آلات عالية التقنية لشركات تركية وإحضارها إلى بلدنا بعد فترة، مشيراً إلى أنه يعلم أن هناك رجال أعمال أتراك يتخذون مبادرات في هذا الاتجاه.

وفي ظل المساعي العالمية لنقل مراكز الإنتاج من الصين إلى دول قريبة من الاتحاد الأوروبي تزامناً مع الأزمة التي ضربت سلاسل التوريد والإمداد خلال وبعد جائحة كورونا، نجحت تركيا في جذب اهتمام كبار المصنعين العالميين؛ نظراً إلى موقعها الجغرافي المميز والعديد من الميزات المهمة الأخرى، مثل مصانعها الحديثة والمتطورة وعمالتها المدربة، بالإضافة إلى اعتمادها على موارد طاقة متنوعة بعكس دول أوروبا التي رهنت نفسها للغاز الروسي الرخيص طوال العقود الماضية.

ويبرز موقع تركيا الاستراتيجي، الذي يوفر حوافز كبيرة للمستثمرين، إحدى أهمّ المزايا التي تقدّمها للمستثمرين الدوليين. بالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أنه يمكن الوصول إلى 1.3 مليار شخص واقتصاد يبلغ 26 تريليون دولار في المراكز المهمة في أوروبا وشمال إفريقيا ومنطقة الخليج وآسيا الوسطى بالطيران 4 ساعات، تجعل تركيا قاعدة إنتاج وإدارة مهمة.

مركز إنتاج عالمي

في طريقها لتصبح مركز إنتاج عالمياً، انتهجت الحكومات التركية المتعاقبة سياسات تجارية ونقدية وضريبية مشجعة ازدادت وتيرتها خلال السنوات العشرين الأخيرة، وذلك من أجل استقطاب الاستثمارات الصناعية وجذب المزيد من الشركات العالمية العاملة في مجال الصناعات الحيوية.

وإلى جانب التسهيلات الحكومية، لعبت عدة عوامل أخرى أدواراً رئيسية في أن تصبح تركيا مركز جذب دولياً وإقليمياً لقطاعات صناعية متعددة، لعل من أبرزها موقع تركيا الاستراتيجي القريب من الأسواق الكبرى في القارات الثلاث، وامتلاكها شبكة بنى تحتية حديثة ومتطورة تساعد على نقل وتصدير المنتجات بسرعة وسهولة، فضلاً عن امتلاك تركيا مهندسين وتقنيين وأيدي عاملة ذات خبرات حديثة ومتطورة، بالإضافة إلى حيازة تركيا بنية صناعية ضخمة وحديثة في شتى المجالات، ووجود مصانع وشركات تركية تُصنّع قطعاً ومنتجات مكملة لدعم المصانع الأم.

وتجدر الإشارة إلى أنه في أعقاب بدء الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا أواخر فبراير/شباط الماضي، أعلن عديد من الشركات الأجنبية العاملة فوق الأراضي الروسية أنها تفكر في سلْك المسار الذي سلكته دول الشرق الأقصى بعد انسحابها من الصين ونقل استثماراتها ومصانعها إلى تركيا، التي جعلت نفسها خلال العقديْن الماضيين مركزاً استراتيجياً مهماً على مستوى العالم في المجالات الصناعية والتجارية.

TRT عربي