كيف تحول البحر الأحمر إلى مصيدة ضخمة؟ (ESA)

للبحر الأحمر تاريخ حافل بالأحداث المروعة والمثيرة للجدل، بدءاً من أخذ الرهائن من قِبل القراصنة، مروراً بالهجمات البحرية المتبادلة بين إسرائيل وإيران في المياه الدولية، وصولاً إلى تهريب واسع النطاق للمخدرات والأسلحة من دون أي رادع.

ويُرجِع نيكولاس سميث الباحث المتخصص بالشؤون التاريخية والسياسية للقارة الإفريقية هذا الوضع المؤسف إلى الآثار الجسيمة التي خلّفها الاستعمار، ويسرد سميث القصة الكاملة في كتابه "الفوضى الاستعمارية في جنوب البحر الأحمر: تاريخ من العنف من عام 1830 إلى القرن العشرين"، فيأتي الكتاب بأدق التفاصيل بحق أحداث تحوّل بلدان البحر الأحمر من دول تتعاون معاً وفقاً لعادات وتقاليد وقيم مشتركة إلى دول تتصارع فيما بينها.

وفي عرض لكتابه في مقال على مجلة Foreign Policy يقول الكاتب إن الاستعمار خلق فوضى عارمة في البحر الأحمر، ويمكن تتبع ذلك من خلال أمرين: أولاً تقسيم الحكام الأوروبيين المستعمرين المنطقة إلى خليط من دول شديدة العسكرة تسعى للتنافس فيما بينها. ثانياً زرع الاستعمار لبذور "الانقسام المدني" التي مكّنته من تغيير الثقافة السياسية بالمنطقة، والتحكم بها بسلاسة.

كانت الحكومات الإقليمية بالبحر الأحمر قبل الاستعمار تتفاعل معاً على أُسس حضارية ودبلوماسية، يمكن تتبُّع أصولها وترابطها إلى فترة التجارة القديمة بين البحر الأبيض المتوسط ​​وآسيا. وكانت الدول الساحلية المطلة على البحر الأحمر، ولا سيما الصومال واليمن، من أوائل الدول التي تبنت الإسلام. عزز هذا التاريخ والإيمان المشتركين رؤية البحر الأحمر على أنه بوتقة تنصهر فيها الاختلافات العرقية، ولم يكن أبداً مسرحاً للتنافس.

ووقع التحول الكبير عام 1862، عندما كان روبرت بلايفير، نائب حاكم ميناء عدن البريطاني الاستعماري، يبحث عن سفينة بحرية بريطانية مفقودة. وبعد بحث طويل عُثِر على السفينة عالقة من دون طاقمها، وذهب بلايفير إلى استنتاج ساذج يفتقر إلى الأدلة مفاده أن السفينة قد تعرضت للقرصنة من قبل شعوب الساحل.

وعلى إثر تلك الحادثة، استدعى القائد العسكري البريطاني العديد من الزوارق الحربية التي جابت الساحل بحثاً عن الجناة، لكن بعد جولات تحقيق وبحث على شواطئ شمال شرق الصومال امتدت لعدة أسابيع، لم يعثروا على أي شيء.

وذهب بلايفير للقاء سلطان "ماجرتين"، وهي أكبر قبائل الصومال وإحدى عشائر قبيلة الدارود، وكان سلطان القبيلة شاباً عديم الخبرة يُدعى عثمان محمود، وأجبر القائد البريطاني السلطان الشاب على قبول خيارين أحلاهما مر: إما العثور على القراصنة المزعوم مهاجمتهم للسفينة البحرية البريطانية، واعتقالهم والحكم عليهم بالإعدام، وإما مواجهة تدمير عاصمته بواسطة الزوارق الحربية البريطانية التي تلوح في الأفق.

اختار السلطان عثمان محمود القبض على "الجناة" وقطع رؤوسهم في احتفال مروّع على الشاطئ أمام وفد منيع من المسؤولين البريطانيين. وكان لهذا النهج القاسي والظالم الذي اتبعه بلايفير تأثير عميق على سياسة شمال شرق الصومال وثقافة العلاقات الخارجية في المنطقة ككل، حيث أدت إلى الإضرار بمصداقية السلطان المحلية.

وتسببت تلك الوقعة في نشأة نعرات انفصالية عديدة، جعلت من البحر الأحمر مرتعاً للمنافسة الاستعمارية. وقدمت بريطانيا وألمانيا وإيطاليا ودول أخرى دعماً سياسياً ورعاية عسكرية للانفصاليين، ممَّا مكنهم من تقسيم السلطنة إلى قسمين وإنشاء سلطنة جديدة في جنوب ماجرتين.

سلسلة من الحوادث المماثلة ابتليت بها العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر في البحر الأحمر. لقد أفرط المسؤولون الاستعماريون في خلق فوضى، وزرعوا بذور الاختلاف والتناحر التي استمرت حتى يومنا هذا.

ويظهر تاريخ البحر الأحمر أن العنف يولد المزيد من العنف، أثارت قسوة وعجرفة القائد البريطاني بلايفير سلسلة من ردود الفعل التي أدت إلى تصاعد التوترات محلياً وتفكك نسيج البلد.

كانت هناك شبكة كثيفة من الوصلات تربط بلدان البحر الأحمر بعضها ببعض، وعززت القوانين والعادات التجارية التقليدية نهجاً أكثر استقراراً وسلماً للتجارة الدولية والعلاقات الخارجية، وذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر وإفساد الاستعمار لذلك المناخ الصحي.

إن تاريخ العلاقات الدولية في المنطقة قبل فترة الاستعمار ليس فقط نسيجاً ثرياً ورائعاً، بل يمكننا القول بأن العادات والأعراف المتبعة كانت تمثّل شريان حياة لمنطقة ابتليت بالحداثة الاستعمارية.

TRT عربي