ارتفاع حصيلة ضحايا مجزرة حي الرمال بغزة في ظل تواصل عمليات إنقاذ من بقي تحت الأنقاض (AA)

سبعة أيام كاملة مرت على غزة الجريحة كأنّها عمر بأكمله، امتزجت خلالها ملامح المدينة بالدم والدموع مع بدء قرع طبول الحرب على القطاع، وذلك عقب انتفاض غزة ومؤازرتها للقدس ورفضها قرار الاحتلال بتهجير سكان منطقة الشيخ جراح والاستيلاء عليها.

بين الشهداء 58 طفلًا و35 سيدة، فيما مُحيت 12 عائلة من السجل المدني

خلال الأيام الخمسة الماضية ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجازر حرب لعل أشنعها كان إبادة عائلات بأكملها وطمس وجودها لدرجة إخراجها من السجل المدني الفلسطيني، وحسب آخر تصريح لوزارة الصحة الفلسطينية فقد بلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي على القطاع حتى الآن 220 شهيداً ونحو 6000 جريح، وغالبية هذه الحصيلة هي من الأبرياء المدنيين، وبين الشهداء 58 طفلًا و35 سيدة، فيما ثمة 12 عائلة جرى محوهم من السجل المدني الفلسطيني.

المجازر تُرتكب ليلاً مع اقتراب منتصف الليل تبدأ القلوب تتسارع وتترقب، فقد غدا ليل القطاع كابوساً يحمل غيوماً من الحزن، على الرغم من كل ما تحققه المقاومة من انتصارات، تباغت آلة القتل الإسرائيلية الفلسطينيين، تداهم ليلهم وتقتنص من الأهداف ما يوجع أهل هذه المدينة أكثر.

ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجازر حرب لعل أشنعها كان إبادة عائلات بأكملها (TRT Arabi)

في الليلتين الثالثة والرابعة ذاقت منطقة شمال قطاع غزة ألواناً من الدمار براً وجواً بشكل عشوائي، أصوات قصف الطائرات وقذائف الدبابات كانت تدك مسامع القطاع كله، ولم يكن أحد يدرك حجم ما يحصل في الشمال حتى أتى الصباح ليكشف عن مجزرة إبادة وقصص مأساوية، إذ تعمد الاحتلال تدمير أكثر من ثمانية بيوت على رؤوس قاطنيها بلا تحذير أو إخطار، عائلة بأكملها انتشلت جثثاً من تحت الأنقاض. عائلة الطناني أزيلت من السجل المدني بعد أن استشهد الوالدان مع أبنائهما الأربعة، وأحد طواقم الدفاع المدني أثناء تأدية واجبه أُبلغ باستشهاد ابنته فتوجه سريعاً إلى مستشفى الشفاء ليودع ابنته وأطفالها الذين قضوا في القصف العنيف على شمال القطاع.

في الليلة التالية حاول الصحفي محمد المنسي توثيق جرائم الاحتلال المتواصلة على الشمال بهاتفه، فتوجه إلى مستشفى الإندونيسي هناك حيث الوضع أقل خطراً عليه، بعد أن استهدفت طائرات الاحتلال سابقاً سيارة تنقل صحفيين يوثقون أحداث الشمال، ففجع المصور الشاب أثناء تصويره لمشاهد الشهداء والجرحى بوجود اثنين من أشقائه بين الشهداء، ودخل بحالة هستيرية يخاطب المتابعين على صفحات التواصل باستشهاد شقيقيه واستهداف منزل عائلته وهو يصرخ ويبكي فراقهما.

كشف محمد بحديث خاص لـTRT عربي كيف كان يصور بالمستشفى أثناء مباغتة طيران الاحتلال المنطقة التي يسكنها، وسمع وقتها بتعرُّض إخوته للقصف ليجد شقيقيه يوسف وأحمد بين الشهداء؛ "قُصف مسجد بجوار البيت، فركض إخوته خارج البيت من هول القصف فقصفتهم طائرات الاحتلال واستهدفتهم بساحة البيت وهو مدنيون عُزل وقتلتهم".

عائلة أبو حطب.. أنقذت العناية الإلهية رضيعاً من تحت الأنقاض ليكون الناجي الوحيد من هذه المجزرة

في الليلة الخامسة مجزرة أخرى تركت الغزيين في حالة صدمة وحداد كبيرين، فاسُتهاف منزل بمخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين لعائلة أبو حطب وانتشلت طواقم الإسعاف والدفاع المدني جثثاً وأشلاء لعائلتين كل منهما يتكون من أم وأربعة أطفال، فيما أنقذت العناية الإلهية رضيعاً من تحت الأنقاض ليكون الناجي الوحيد من هذه المجزرة.

أسوأ الليالي وأشدها قسوة على قلوب الغزيين

جاءت بعد ذلك أسوء الليالي وأشدها قسوة على قلوب الغزيين قبل فجر الأحد، إذ أغارت قوات الاحتلال غارات عديدة هزت القطاع كله، أقسى المشاهد كانت باستهداف بنايات سكنية لعائلتَي "الكولك" و"أبو العوف"، خراب كبير تركته آلة الحرب في المنطقة، كأنّ هزة أرضية أصابتها، أُجبر أهالي المنطقة على الفرار إلى مستشفى الشفاء للعلاج أو للاحتماء من هول ما حدث.

المجازر تُرتكب ليلاً مع اقتراب منتصف الليل تبدأ القلوب تتسارع وتترقب (TRT Arabi)

بدأت عملية إسعاف المصابين وانتشال الجثث. في البداية تحدثت وزارة الصحة عن أعداد كبيرة من الإصابات، بمرور الوقت أصبحت تتحدث عن شهداء، ثم أخذت أرقام الشهداء تتزايد ساعة إثر ساعة، فيما انتشل ثمانية أفراد أحياء إذ كانت طواقم الدفاع المدني تسمع أصوات نداءاتهم واستغاثتهم. ما أن انتهت عملية إزالة ركام المنازل المهدمة وانتشال الجثث والأشلاء الخاصة بأهالي شقق المنزلين وفرغت عمليات الإزالة بعد أكثر من اثني عشر ساعة، حتى كانت حصيلة الشهداء قد وصلت إلى 43 شهيداً وأكثر من 50 إصابة. بين الشهداء 22 فرداً من عائلة واحدة، وخمس عائلات أخرى فقدت أكثر أفرادها.

هذا الرقم من الشهداء المدنيين كان موجعاً، مناظر انتشال الجثث كانت أكثر إيلاماً من أي شيء مر أمام أنظار الغزيين في كل الحروب السابقة، وكان الاحتلال يتقصد إيلام الغزيين هكذا وإحباطهم، وإضعاف حالة ارتباطهم بالمقاومة.

انتشاله حيّاً من تحت الأنقاض بعد سبع ساعات من قصف المنزل وهو يرفع إشارة النصر

من بين الناجين من المجزرة رياض اشكنتنا، تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشاله حياً من تحت الأنقاض بعد سبع ساعات من قصف المنزل وهو يرفع إشارة النصر، لكنه تفاجأ بعد ذلك بفقده خمسة من أفراد عائلته هم زوجته عبير وأطفاله الأربعة لانا ورنا ويحيى وزين، فيما نجت معه فقط طفلته الخامسة سوزي لتكون شاهداً معه على هذه المجزرة وتخفف من أوجاعه.

يروي رياض الساعات التي قضاها بين الموت والحياة أسفل تلك الأطنان المدمرة من الكتل الإسمنتية والحجارة في مقابلة مع TRT عربي، فيقول: "ضليتني في حفرة وفوقي عمود خمس ساعات أو ست ساعات، إيدي تحت عمود دابس عليها، وضهري نازل عليه عمود، وكنت أقول يارب اللهم عجل ملك الموت، أجا واحد ونادى فصرخت ما سمعني، بعد نص ساعة أجا كمان واحد فصرخت يا الله فسمعني، وقال يا شباب في واحد تحت، وبدأت عملية الحفر وانتشالي".

يؤكد رياض أنه مدني أعزل، موظف بسيط عادي، لا ينتمي إلى أي حزب، لديه خمسة من الأطفال الصغار هم كل حياته، لا يحمل صاروخاً ولا يهدد أمن إسرائيل، فوجئ كغيره من أهل البنايتين بقصف الاحتلال لهم من دون إنذار ومن غير سبب يذكر.

لقد تعمد جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية عدوانه على غزة استهداف المدنيين، فقد دمر الكثير من البنايات السكنية على رؤوس أصحابها من دون سبب يذكر، كما دمر أربعة أبراج سكنية تضم مكاتب إعلاميين وصحفيين، والكثير منها بشكل جزئي، كما استهدف البنى التحتية للقطاع فعمد إلى قصف الطرقات الرئيسية وتدميرها وكذلك المقرات الأمنية والحكومية والخدمية وغيرها.

وقد عبر العديد من المؤسسات الحقوقية والأممية ومنها الإعلامية عن استنكارها لتعمُّد الاحتلال استهداف الأبراج والبنايات السكنية وقصفها لمكاتب الإعلام العربية والعالمية. فيما لا تكترث آلة القتل بكل ذلك وتخوض عدوانها وتتغول فيه أكثر مدعومة بالولايات المتحدة الأمريكية.

TRT عربي