كورونا في قطاع غزة (TRT Arabi)

بعد ثلاثة أيام من التهدئة المتفَق عليها بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل لتنهي فتيل حرب دامية أنهكت قطاع غزة على المستويين المعنوي والمادي، تعيد غزة حسابات أوراقها على المستويات كافة، فيما يحتضر القطاع الصحي وأصبح قاب قوسين أو أدنى من رفع الراية البيضاء أمام جائحة كورونا.

وكأنه لم يكفِ قطاع غزة معاناته من عدوان إسرائيلي شرس وهمجي دام أحد عشر يوماً، ونزيف الدم المنسكب من أبنائه بلا أية رحمة، بات اليوم مهدداً أكثر، ليقترب من أن يكون منطقة شبه منكوبة، حيث يعاني من ثنائية موت وموت لا يرحمان، فكان أمام أبناء غزة إمَّا الموت قصفاً، وإمَّا الموت بـ"كورونا".

لم يترك جيش الاحتلال الإسرائيلي هدفاً في غزة إلا وكان ضمن قوائم استهدافه. بيوت مدنية، وبنايات وأبراج سكنية، ومؤسسات ومكاتب إعلامية، ومصانع وشركات تجارية، ومؤسسات ومراكز تعليمية، ومكتبات للكتب والروايات، وشوارع وطرقات رئيسية، حتى المدارس ورياض الأطفال والمراكز الطبية والمستشفيات ومؤسسات الأطفال ومراكز الأيتام والتأهيل لم تسلم من دماره. وقد كان المختبر الرئيسي لإجراء فحص "كوفيد 19" في قطاع غزة الواقع في مقر وزارة الصحة الفلسطينية بين الأهداف الأخيرة لمرمى صواريخ الاحتلال، فلم يتركه إلا بعد أن خلف فيه دماراً واسعاً، لتعلن وزارة الصحة بعدها خروج المختبر عن تقديم مهامه المهمة والحساسة على إثر الدمار الذي لحق به جراء القصف الإسرائيلي الذي استهدف بناية سكنية مدنية تقع مقابل مقر الوزارة وعيادة الرمال التابعة لها، وقد تعمد الاحتلال الإضرار بكل المنطقة من حولها، مخلفاً شهداء وإصابات كثيرة، فضلاً عن دمار شديد أصاب المنطقة ككل بينها مقر وزارة الصحة.

وزارة الصحة (TRT Arabi)

وقبل التصعيد الإسرائيلي كان القطاع يعاني أصلاً من تفشي فيروس كورونا بين المواطنين وارتفاع كبير في أعداد الوفيات والمصابين، ما أجبر الحكومة في غزة على فرض إجراءات مشددة عديدة، بدءاً من الإغلاق الليلي والإغلاق الكامل يومي الجمعة والسبت، ومنع الحركة والتجوال وتقييدهما ما أمكن خلالهما، والمراقبة الصارمة لتطبيق إجراءات السلامة، ومحاسبة المخالفين والمتجاوزين، وإغلاق كثير من المرافق العامة، ولم يتم تخفيف الإجراءات إلا قبل يومين فقط من بدء العدوان، في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك واقتراب عيد الفطر.

المختبر الأساسي لفحص فيروس "كورونا" في قطاع غزة خرج عن العمل تماماً

مع تعرض مقر وزارة الصحة لهذه الهجمة والاستهداف العدمي، سارع وكيل الوزارة يوسف أبو الريش إلى عقد مؤتمر صحفي، مؤكداً تعرض الوزارة لأضرار كبيرة، خاصة المختبر الأساسي لفحص فيروس "كورونا" في قطاع غزة وخروجه عن العمل تماماً، مندداً بتعرض مقر الوزارة للاستهداف واستشهاد مواطنين وإصابة عدد من الطواقم الصحية، وتوقف خدمة الاتصال المباشر 103 إثر القصف، مؤكداً أن استهداف الاحتلال المتعمد للطواقم والمؤسسات الصحية، والذي طال مبنى وزارة الصحة وعيادة الرمال الأساسية في قطاع غزة، هو تأكيد لرسالة القتل والإجرام التي ينتهجها المحتل.

قبل التصعيد الإسرائيلي كان القطاع يعاني أصلاً من تفشي فيروس كورونا بين المواطنين وارتفاع كبير في أعداد الوفيات والمصابين (TRT Arabi)

واعتبر أبو ريش في تصريحه الصحافي، أن هذا الاستهداف "جريمة نكراء تهدف إلى ثني الوزارة عن مواصلة عملها الإنساني في إنقاذ حياة الجرحى وتقديم الرعاية الصحية للمواطنين، ووزارة الصحة بكافة كوادرها المؤمنة برسالتها الإنسانية ثابتة في ميدان عملها رغم التضحيات والاستهداف المتعمد، وعلى المجتمع الدولي توفير الحماية لمقدمي الخدمات الصحية ومحاسبة المحتل على جرائمه النكراء والمستمرة بحق الطواقم الطبية والمؤسسات الصحية".

"القصف المستمر من الطيران الإسرائيلي وقطعه للطرق صعّب علينا الأمر وهدد حياة والدي"

محمد أبو ريالة مواطن حاول كثيراً منذ يوم أمس التواصل مع طواقم الإسعاف والخدمات الطبية من أجل تقديم علاج عاجل لوالده المسن المصاب بكورونا، ويعاني من أعراض متقدمة في المرض، نظراً لطبيعة سنه وأسباب أخرى، لكن القصف الإسرائيلي المتواصل حال دون توفير العلاج العاجل اللازم له.

وأبو ريالة ووالده ليسا الوحيدَين، فكثير من المواطنين يحاولون الوصول إلى مستشفيات القطاع لتلقي العلاج، وضمنهم مرضى كورونا، لكنهم يواجهون صعوبات جمّة في التنقل، كما يخافون بقوة من استهداف العدو لهم بعد أن كانت الغالبية العظمى من الاستهدافات للمدنيين العزل.

كان المختبر الرئيسي لإجراء فحص "كوفيد 19" في قطاع غزة الواقع في مقر وزارة الصحة الفلسطينية بين الأهداف الأخيرة لمرمى صواريخ الاحتلال (TRT Arabi)

تواصلت TRT عربي مع المواطن أبو ريالة الذي أكد أنه "منذ يومين واحنا بنحاول نتواصل مع الجهات المختصة لإرسال سيارة إسعاف ونقل والدي إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم مع تدهور حالته الصحية، ومعاناته من نقص حاد في الأكسيجين، لكن القصف المستمر من الطيران الإسرائيلي، وقطعه للطرق صعّب علينا الأمر وهدد حياة والدي، اليوم نقلناه فقط إلى المستشفى بعد أن ساءت حالته، وها هو يتلقى العلاج المتوفر فقط بسبب ظروف العدوان والقصف". وها قد انتهى العدوان لكن الأمر ما زال على حاله بالنسبة إلى العديد من الفلسطينيين الذين يعانون من الوباء، لا سيما مع اكتظاظ المستشفيات بضحايا الحرب.

"لن نيأس أو نستسلم وسنجد البديل في أسرع وقت ممكن وسنواصل مواجهة الفيروس"

وفي حديث خاص مع TRT عربي أكد الدكتور أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، وصول المواطن إلى المستشفى بعد معاناة كبيرة، وأنه يتلقى حالياً العلاج، فيما أشار إلى صعوبة الوضع الذي أصبح يواجه القطاع الصحي في غزة عقب تعمد الاحتلال استهداف المختبر الأساسي لفيروس كورونا، وفي ظل شح في الأدوات والمواد اللازمة لإجراء الفحوصات المخبرية، فضلاً عمّا يعاني منه القطاع الصحي عموماً من أزمات وعجز حاد على كل المناحي، وتفاقم الأمر مع توزيع جهود الطواقم الطبية بين مواجهة الفيروس وتفشيه خاصة في هذه الظروف، وبين حالة الطوارئ على إثر العدوان على غزة، وأعداد الإصابات الكبيرة التي تصل إلى مستشفيات القطاع كل لحظة منذ بدء العدوان.

لكن الطواقم الطبية في القطاع وعلى عادتها تتحدى كل ما تواجهه من أزمات، فتلك الطواقم التي واجهت ثلاث حروب سابقة والعديد من التصعيدات الإسرائيلية لن تستلم أبداً، وقد أكد القدرة "أن إدارة الأزمات في وزارة الصحة ولجنة متابعة فيروس كورونا وكل طواقمنا المعنية تبحث عن البدائل بعد توقف عمل المختبر الرئيسي عن العمل، وبالتأكيد لن نيأس أو نستسلم وسنجد البديل في أسرع وقت ممكن، وسنواصل مواجهة الفيروس ومنع تفشيه في القطاع".

هذا وكان القدرة استنكر تعرض المقر الرئيسي لوزارة الصحة وعيادة الرمال المركزية في مدينة غزة لدمار هائل جراء الاستهداف الإسرائيلي، وأكد في مؤتمر صحفي مساء الاثنين، أن الاستهداف تسبب في وقف عمل إدارة وزارة الصحة وانتقال مركز قيادتها إلى مجمع الشفاء الطبي، مشيراً إلى إصابة عدد من الكوادر الطبية العاملة في التطبيب عن بعد، أحدهم وصفت جراحه بالخطيرة وهو الطبيب ماجد صالحة.

دمار شديد أصاب مقر وزارة الصحة (TRT Arabi)

كما طالب القدرة المؤسسات الدولية بالتدخل لوقف العدوان الإسرائيلي، مجدداً الدعوة لفتح المعابر لوصول المساعدات الصحية الطارئة والوفود الطبية، إضافة إلى تسهيل حركة خروج المصابين والمرضى لاستكمال علاجهم خارج قطاع غزة.

من جانبه أقر مجلس حقوق الإنسان، اليوم، بأن إجمالي عدد النازحين في غزة نتيجة التصعيد الأخير يتجاوز 52 ألفاً، فيما نقص الأدوية يصل إلى ـ46%، وعجز الإمدادات الطبية وصل إلى 36% ممَّا يهدد الحياة في غزة، يضاف إلى ذلك مأساة القضاء على المختبر الرئيسي لفحص "كوفيد 19"، وتهديد حياة الكثير من الفلسطينيين بالخطر، لا سيما مع نزوح الكثيرين إلى مراكز الإيواء في مدارس الوكالة التي لا تستوعب بحسب الناطق باسم الأونروا إلا 50 ألف نازح، مع الخوف من عدم القدرة على الالتزام بإجراءات الوقاية والسلامة اللازمة.

هذا وحتى كتابة هذا التقرير، وعقب مرور ثلاثة أيام على الحرب الدامية على القطاع، لا يزال المختبر المركزي لفحص كورونا يراوح مكانه حيث آثار القصف والدمار، ولا زالت وزارة الصحة تحاول إيجاد بديل، ومع الصدمة والجهود المضنية والضغوط التي واجهها القطاع الصحي في أثناء الحرب، يبدو أمر العودة إلى إجراءات كورونا ومنع تفشيه في القطاع على سلم الانتظار، فالحرب الدامية ودماء المدنيين والأطفال جعلت كورونا أقل مهابة وضرراً لدى الغزيين الذين كان لسان حالهم خلال تلك الحرب الدامية "والله كورونا أرحم بكتير".

TRT عربي