تُصنَّف كارثة بوبال أسوأ الكوارث الصناعية في التاريخ، إذ تَعرَّض أكثر من 500 ألف شخص لغاز مثيل أيزوسيانات (Afp Archives/AFP)
تابعنا

كارثة بوبال، ويُشار إليها أيضاً "بمأساة الغاز في بوبال"، هي حادثة تسرُّب غاز وقع في ليلة 2-3 ديسمبر/كانون الأوّل 1984 في مصنع "يونيون كاربايد" الأمريكي لمبيدات الآفات في مدينة بوبال، الواقعة وسط الهند.

وتُصنَّف الكارثة أسوأ الكوارث الصناعية في التاريخ، إذ تَعرَّض فيها أكثر من 500 ألف شخص لغاز مثيل أيزوسيانات، وشقّت المادة شديدة السمية طريقها إلى المدن الصغيرة والمناطق المجاورة الواقعة بالقرب من المصنع.

وتتفاوت التقديرات حول عدد ضحايا حادثة التسرُّب، فبلغت حصيلة القتلى الرسمية الفورية 2259 شخصاً، ولاحقاً أكّدت حكومة ولاية ماديا براديش الّتي فيها مدينة بوبال، وفاة 3787 نتيجة إطلاق الغاز السام، فيما تُشير تقديرات إلى أنّ عدد الضحايا كان أكثر من ذلك بكثير.

مصنع مخالف لمعايير السلامة

أُسّسَ مصنع "يونيون كاربايد" الأمريكي في بوبال عام 1969، متخصّصاً في إنتاج مبيد للآفات عبر غاز "ميثيل أيزوسيانات" كمادة وسيطة.

وانتهكت منشأة المصنع قوانين تخطيط وتطوير مدينة بوبال، بسبب الطبيعة الخطرة لمصنع به عدد هائل من المواد الكيميائية. وبعد إثارة تساؤلات حول مخاوف تتعلّق بالسلامة، فقدت الشركة أعداداً كبيرة من موظفي الهندسة الذين استُبدِلَ بهم في نهاية المطاف عمال غير مؤهّلين لم يُدَرَّبوا بما يكفي للتعامل مع مثل هذه المواد الكيميائية الخطرة والتقنيات المعقَّدة.

نتيجة لذلك تأثّر آلاف الموظّفين والسكان المحيطين بالمصنع على نحو سلبي صحياً وعلى مدار أعوام، بفعل المواد الكيميائية والمبيدات الحشرية وحوادث تسرّب الغاز المتكرّرة، وسط تفشّي أمراض السرطان والعمى والعاهات المستديمة وفقدان سبل العيش والضغوط المالية المترتبة على ذلك.

كوارث متكرّرة

في عام 1976 اشتكت نقابتان محليتان بالهند التلوُّثَ الناتج عن المصنع، وفي عام 1981 رُشَّ عامل عن طريق الخطأ بغاز الفوسجين السام في أثناء صيانته أنابيب المصنع، ما أدّى إلى وفاته بعد 72 ساعة.

بعد هذه الأحداث بدأ صحفي يُدعى راجكومار كسواني، التحقيق ونشر النتائج التي تَوصَّل إليها حول خطورة المصنع في جريدة "بوبال رابات" المحليَّة، الّتي حثّ فيها سكان المدينة قائلاً: "استيقظ يا شعب بوبال، أنت على حافة بركان".

وفي يناير/كانون الثاني 1982، أدّى تسرُّب لغاز الفوسجين إلى تسمُّم 24 عاملاً. وبعد شهر واحد تَكرَّرت الحادثة مع 18 عاملاً آخر. وفي أغسطس/آب من العام ذاته لامس مهندس كيميائي سائل مثيل أيزوسيانات مما أدّى إلى حروق بأكثر من 30% من جسده.

يُقدَّر العدد الإجمالي للمتضرّرين من "كارثة بوبال" بين 150 و600 ألف، بينهم 50 ألف شخص تَعرَّضوا للإعاقة بسبب تلك الكارثة (Greenpeace/Bhopal Medical Appeal)

آثار حادة وسحابة غاز

بحلول أوائل ديسمبر/كانون الأوّل 1984، كان معظم أنظمة السلامة بمصنع "يونيون كاربايد" ذات الصلة بغاز "مثيل أيزوسيانات" مُعَطَّلاً، وكان عديد من صمامات الأمان في حالة سيئة. وإضافة إلى ذلك كان عديد من أجهزة تنقية الغاز الّتي تعمل بفتحات التهوية خارج الخدمة، وكانت كذلك غلاية البخار المخصَّصة لتنظيف أنابيب المصنع مُعَطَّلة.

وفي ليلة 2-3 ديسمبر/كانون الأوّل توقّف جهاز تنقية وتنفيس الغاز عن العمل تماماً، إذ لم يكن يحتوي على صودا كاوية وقوة كافية لوقف تسرُّب الغاز بأمان، ما تسبّب في تسرُّب نحو 30 طنّاً من غاز مثيل أيزوسيانات السام إلى الغلاف الجوي في أقلّ من ساعة.

وتكوّنت سحابة غاز سامة حامت فوق المدينة، تخلّلتها غازات وموادّ سامة مثل الكلوروفورم، وثنائي كلورو ميثان، ووكلوريد الهيدروجين، ووالميثيل، وثاني أكسيد الكربون. وبقيت سحابة الغاز قريبة من الأرض وانتشرت في اتجاه جنوب شرقي الهند مؤثّرة في المدن والقرى المجاورة.

وكانت الآثار الأولية على موظفي المصنع وسكان المناطق المحيطة به هي السعال، وتهيجاً شديداً في العين، والشعور بالاختناق، وحرقان الجهاز التنفسي، وتشنُّج الجفن، وضيق التنفس، وآلام المعدة، والقيء.

تفيد تقارير بأنّ آلافاً تُوُفّوا في صباح اليوم التالي لتسريب الغاز السام، وسط مقابر جماعية وحرق للجثث.

وتشير تقديرات إلى موت 8-10 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى الّتي تلت الحادثة، ووفاة نحو 25 ألفاً في السنوات اللاحقة من أمراض متعلّقة بالتعرض للغاز السام، فيما يُقدَّر عدد المتضرّرين الإجمالي بين 150 و600 ألف، بينهم 50 ألف شخص تَعرَّضوا للإعاقة نتيجة تلك الكارثة، ومات معظمهم في السنوات الخمس اللاحقة، وهو ما يجعل كارثة بوبال كبرى الكوارث الصناعية في التاريخ من حيث عدد الضحايا.

وتشير التحقيقات الّتي تلت الحادثة إلى أنّه رغم إطلاق أحد موظفي مصنع "يونيون كاربايد" نظام الإنذار بالمحطة عند بدء التسرّب لتنبيه الموظفين وسكان مدينة بوبال، فأنّه سرعان ما وُقف، وفقاً لإجراءات الشركة الّتي تهدف إلى تجنُّب إثارة قلق السكان حول المصنع بشأن التسريبات الصغيرة.

وتأسّست اللجنة الطبية الدولية في بوبال رداً على الحادثة، واتُّهِمَت شركة "يونيون كاربايد" بالإهمال المتعمَّد، وأنّها كانت على علم بأنّ مصنعها يخالف معايير السلامة والصحة الأمريكية الأكثر صرامة، لذا اختارت مدينة بوبال الهندية الفقيرة ظنّاً منها أنّ أحداً لن يكترث بأمرهم حال حدوث تسرُّب.

وفي فبراير/شباط 1989 أمرت المحكمة العليا الهندية شركة "يونيون كاربايد" بدفع 470 مليون دولار تعويضات لأسر الضحايا.

TRT عربي