تحولت مدرجات ملاعب كرة القدم بالمغرب إلى فضاء للاحتجاج ضد الأوضاع الاجتماعية، ففي كورال جماعي وبصوت واحد تصدح حناجر ألوف المشجعين بشعارات ورسائل تتبنى قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية تشغل الرأي العام.

نقل مشجعو الفرق المغربية مطالبهم من الشارع إلى المدرجات، للتعبير عن مشاعر السخط والاستياء من أوضاعهم الاجتماعية، في نقد شرس لواقع قطاعات التعليم والصحة والإدارة وموقف صريح من العملية السياسية.

يرددها الصغير والكبير، تلقى أغاني "الألتراس" والمجموعات المشجعة الأخرى إقبالاً واسعاً، إذ تحولت كلماتها إلى شعارات على جدران البنايات وأصبحت مؤطرةً للوعي السياسي للمواطن البسيط، كما استطاعت أن تتخطى حدود المغرب، لتتغني بها الفصائل المشجعة لفرق بدول عربية تحمل بدورها نفس الهموم وتتشارك في مشاعر الغضب والتمرد.

"مرآة عاكسة"

من أغنية "في بلادي ظلموني" لجماهير الرجاء الرياضي، مروراً بأغنية "صوت الشعب" لجمهور الوداد، وصولاً إلى أغنية "هادي بلاد الحكرة" لجمهور اتحاد طنجة، وقعت الفصائل المشجعة للفرق المغربية عشرات الأغاني في مدرجات الرياضة الأكثر شعبية، في إبداعات فنية طامحين أن تحدث التغيير المنشود.

تكشف مضامين الشعارات التي تبعثها الجماهير المنظمة في فصائل "الألترا" عن وعي سياسي وثقافي كبير، إذ توجه انتقادها لـ"قمع" السلطات و"فشل" السياسات الحكومية، بشكل مباشر كأسهم حادة، وتسمي الأسماء بمسمياتها بلا ترميز.

يقول منصف اليازغي، خبير في الشأن الرياضي، في تصريح لـTRT عربي، إن هذه الظاهرة التي تعرفها الملاعب المغربية "تثبت أن الشباب المغربي وجد فضاءً فسيحاً، أكثر حرية وتغيب فيه القيود من أجل الاحتجاج على واقع اجتماعي معيش، ولإيصال صوت الشعب".

وفي الوقت الذي يُرجع فيه عدد من المتتبعين للشأن المحلي بروز هذا الشكل الاحتجاجي إلى تراجع أدوار مؤسسات الوساطة من أحزاب وهيئات مدنية وسياسية، التي من شأنها أن تسمع أصواتهم ومطالبهم. يؤكد منصف اليازغي أن " الجماهير، أمام تراجع أدوار الأحزاب والبرلمان، نابت عن الشعب وكانت ناطقاً رسمياً باسمه، لتبليغ الهموم التي يحملها".

من جهته، اعتبر عبد العزيز بلبودالي، رئيس الهيئة المغربية للمؤلفين الرياضيين، أن الشعارات التي يرفعها المشجعون تعكس "الاحتقان الذي يعيشه الشارع المغربي، خلال السنوات الأخيرة على المستوى الاجتماعي"، مشيراً إلى أنها "تصف حال فئات واسعة من المجتمع وبذلك فهي تلقى التجاوب بسرعة لدى الجمهور".

"صوت الشعب"

في مقابل عزوفهم عن العمل السياسي والانخراط الحزبي، تضم الفصائل المشجعة للفرق الوطنية عشرات الآلاف من الشباب المغربي، فمنذ ظهورها سنة 2005 وإلى اليوم تواصل استقطاب شباب من خلفيات اجتماعية متباينة ومن مستويات تعليمية متباينة، إذ يجدون في انتمائهم "الألترا" محتضناً شغفهم بفرقهم المفضلة وبحب كرة القدم، بفضل "التيفوهات" التي ترفعها ومسيرات "الكراكاجات"، والرشق الكلامي "الكلاشات" مع جماهير الفرق المنافسة.

خلال 90 دقيقة، يعبر اللاعب رقم "12"، من خلال أغانيهم على مجموعة كاملة من المشاعر المعقدة، كالمعاناة والكراهية والألم والظلم، و يكتشف معها قارئ كلماتها البسيطة وجملها اللحنية أسلوباً فريداً، يجمع بين الحس الجمالي والجرأة والحماسة الزائدة.

عن كيفية إعداد هذه الأغاني، يكشف أحمد، عضو مؤسس لفصيل "ألترا" بمدينة الدار البيضاء، أن الأغاني الأخيرة التي عرفت انتشاراً واسعاً، كانت وليدة لحظات عفوية، ويكتبها منخرطون في الفصيل أو من خارجه، قبل أن يجري التنسيق بيننا في عملية إخراجها النهائية، معتمدين على ألحان تضيف إليها بعداً موسيقياً جميلاً حتى تجد الإقبال بالموازاة مع الرسالة".

وفي جوابه عن سؤال موقعTRT عربي حول ما إن كانت موجة الأغاني الأخيرة للفصائل مدفوعة من جهة سياسية ما، استبعد المتحدث الأمر، قائلاً:"السياسة لعبة قذرة، وأغلب السياسيين فاسدون؛ نحن غير متواطئين في العملية، نجد في المدرجات المكان الأمثل للتعبير عن ذواتنا وإحساسنا بالخذلان" مضيفاً أن "كلمات الأغاني من صميم واقعنا المعيش ونحن صوت ملايين المغاربة".

عن التحول، من عمل الإلترا الكلاسيكي في تشجيع ودعم الفريق بأناشيد رياضية إلى التفاعل مع الهموم المجتمعية، يقول منصف اليازغي إن هذا يعطينا، "فكرة أن هذا الجمهور ليس قاصراً كما يعتقد البعض، وليس مستواه الفكري أو التعليمي متدنياً، بل على العكس أصبح قادراً على إبداع أغاني تحمل إشارات واضحة، وتتفاعل مع المستجدات التي يعرفها المغرب".

الرواج الشديد لهذه الأغاني في المدرجات والمقاهي ووسائط التواصل الاجتماعي، وتردد صداها بين مختلف الفئات المجتمعية، نستخلص منه حسب الكاتب الرياضي بلبودالي، "تجنب الأحكام المسبقة والمتسرعة حول قصور وعي مشجعي كرة القدم"، أما بالنسبة لمنصف اليازغي فيرى أنه "أمام المشاكل المجتمعية الحالية، فالمعضلة الحقيقية هي أن لا يتلقف الفاعلون السياسيون والمسؤولون مطالب هؤلاء الشباب".

المصدر: TRT عربي