يزداد الخوف والتوتر المرتبطين بفيروس كورونا أكثر مع الوقت. نرى ذلك في الشارع أو في نشرات الأخبار أو في وسائل التواصل الاجتماعي والمحادثات الجماعية. الكثيرون قلقون ويعجزون عن هضم ذلك التزايد المتسارع في أعداد المصابين بالمرض وأعداد مَن ماتوا على إثره.

في حين أن الخوف هو عاطفة نواجهها كثيراً كأفراد، فيمكن أن يكون أيضاً مشاعر اجتماعية مشتركة تنتشر عبر المجموعات والمجتمعات وتشكل ردود أفعالنا على الأحداث الجارية. ومثله مثل العواطف الأخرى، يمكن للخوف أن يكون مُعدياً ينتشر بسرعة بين الأفراد بشكل سلبي يزيد من سوء الأمور ويدفع إلى نتائج خاطئة.

فكيف نفهم الخوف الناجم عن انتشار المرض ونتعامل معه بطريقة لا تعوق صحتنا النفسية والجسدية؟

"الفيروس القاتل"

في تقرير نشره موقع "ذا كونفرسيشن" تتبَّع أكثر من 100 صحيفة عالمية نشرت ما يقارب 10000 تقرير منذ بداية تداول الأخبار المتعلقة بالمرض منذ منتصف شهر يناير/كانون الأول الماضي، يُشير الكاتب إلى أنّ تلك الصحف تتعمد ذكر كلمة "الخوف" أو ما يُشابهها في اللغات المختلفة، إضافةً إلى توصيفات مثل المرض القاتل أو الفتّاك.

يُقارن الكاتب تغطية هذه الصُحف لفيروس كورونا مع تغطيتها لمرض الإنفلونزا الموسمية والتي بالكاد تذكر بين سطورها كلمات مثل الخوف أو الذعر أو الفتاك أو القاتل أو المميت، على الرغم من أنها تؤدي إلى وفاة ما بين 290.000 و650.000 شخص في جميع أنحاء العالم كل عام وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية.

علينا أن نفهم كيف تعمل أدمغتنا لنكون أكثر قدرة على فهم مخاوفنا وقلقنا والتعامل معهما بشكل أفضل من أجل اتخاذ قرارات وخطوات أفضل في مواجهة هذا الفيروس.

الكثير من تلك التقارير والأخبار حسب الكاتب، تعزز الخوف العام أكثر من كونها تغني الأفراد بالمعلومات الحقيقية عما يحدث بالفعل أو ثتقّفهم بكيفية التعامل مع الموقف.

لذلك، علينا أن نفهم كيف تعمل أدمغتنا لنكون أكثر قدرة على فهم مخاوفنا وقلقنا والتعامل معهما بشكل أفضل من أجل اتخاذ قرارات وخطوات أفضل في مواجهة هذا الفيروس والتهديدات الأخرى التي يمكن أنْ تحلّ على العالم في أيّ وقت.

يرجع هذا الخوف، وفي أحياناً كثيرة قد يصل الأمر إلى درجة الهلع، إلى أنّ أدمغتنا تستجيب لحالات الخطر بإفراز هرمون الكورتيزول الذي يحفّز استجابة "الكرّ والفرّ" في الجسم، وهي أولى المراحل التي طوّرها الإنسان بيولوجياً للاستجابة لحالات الإجهاد والخوف، والتي بدورها تزيد من نسبة التركيز والانتباه لأيّ تهديدٍ محتَمل قد يتعرّض له على اختلاف شكله أو نوعه.

يعدّ هذا التركيز أمرٌ بالغ الأهمية في أوقات الأزمات والمخاطر. لنفترض أن الإنسان البدائيّ واجه حيواناً مفترساً أو عدوّاً أمامه، وقتذاك كل ما عليه فعله هو التركيز والانتباه لهما كما لو لم يكن أي شيء آخر مهم في حياته حتى يستطيع البقاء والاستمرار. لكن ماذا يحصل حين لا يكون الخطر قريباً تماماً أو منطقياً بكلمات أخرى؟

لكن إذا لم يكن الخوف موجَّهاً نحو هدف صحيح فقد يتحول في هذه الحالات إلى حالةٍ من الهوس الخاطئ التي قد ينتج عنها اضطرابات القلق أو البارانويا، كأنْ يمتدّ الخوف إلى تفاصيل حياتك اليومية كافة وتتخذ على إثره العديد من القرارات الخاطئة وتتبنّى العديد من التصوّرات غير الصحيحة بناءً على خوفك فقط.

في النهاية، ليس من الغريب أنْ يحدث ذلك في عالمنا المترابط والمتواصل بشكل متزايد على مدار الساعة، فمن الصعب علينا أنْ نضع المخاطر في منظورها الصحيح مع كلّ ما يُنشر في صفحات فيسبوك أو تويتر أو في نشرات الأخبار التي لا تتحرّى الدقة والمصداقية فتعمل بدورها على تنشيط أدمغتنا البدائية لتعزيز الخوف والقلق وبالتالي العجز عن اتخاذ الاستجابة الصحيحة.

من الصعب علينا أنْ نضع المخاطر في منظورها الصحيح مع كلّ ما يُنشر في صفحات فيسبوك أو تويتر أو في نشرات الأخبار التي لا تتحرّى الدقة والمصداقية.

بدلاً من ذلك، نحن بحاجة قبل كلّ شيءٍ إلى أن نتعلّم التزام الهدوء والتروّي في مواجهة الخوف للتفكير بشكلٍ صحيح وهادئ للحفاظ على كل من صحتنا النفسية والجسدية في الوقت نفسه. هذا يتطلّب أولاً تهدئة أدمغتنا البدائية والتعامل بهدوء مع تطوراته المتزايدة من خلال معرفة الحقائق الصحيحة المتعلقة بالمرض وتقصّيها ومن ثمّ الاستعداد بشكلٍ صحيح للوقاية منه.

استجابة فردية لخوفٍ جماعيّ

في حديثها مع TRT عربي تُشير الكاتبة والمهتمة بعلم النفس أنيسة طاهري إلى أن الخوف العشوائي هذا يمكن أن يضخّم حالة من الذعر تعزز الاستجابة الفردية وما يأتي معها من سلوكيات يقوم بها الأشخاص مثل عزل أنفسهم أو تجنّب المهمات اليومية والهوس بالنظافة الشخصية والتسوق المهووس لمنتجات الصحة والنظافة مثل الأقنعة الواقية أو المطهرات أو الأغذية العضوية والمياه المعدنية.

مشكلة هذه السلوكيات وفقاً لطاهري، هي أنّها تعزّز المسؤولية الفردية وتُنسينا أنه للاستجابة الفعالة لحالات الطوارئ فإننا نحتاج إلى التفكير بشكلٍ جماعي وليس فردي، وأن الإجراءات والاحتياطات التي نتخذها كأفراد لن تكون كافية في حال لم تُحتوَ بشكل جماعي سواء من قبل الحكومات أو الشركات أو المؤسسات العالمية والمحلية.

تستشهد طاهري بما سمّاه أستاذ علم الاجتماع أندرو زاسز "الحجر الصحي العكسي"، إشارةً إلى محاولات الأفراد لعزل أنفسهم من التهديدات الموجودة حولهم من خلال السلوكيات الشرائية التي تقدِّم لهم دفاعاً ضئيلاً ضد الأخطار البيئية التي يرى أنها تشكل تهديداً أكبر بتوليدها شعوراً زائفاً بالأمان عند الأشخاص.

إذ "يعتقد المستهلكون أن هذه المنتجات ستحميهم، مما يخلق نوعاً من التخدير السياسي الذي يقلِّل بشدة من استعدادهم للمشاركة في العمل السياسي الجماعي لإحداث تغييرٍ حقيقي"، عوضاً عن أنها تؤدي إلى الاستغلال من خلال ارتفاع الأسعار واحتكار مجموعة محددة من الناس للسلع والمنتجات نظراً إلى عدم قدرة الجميع على شرائها وامتلاكها، تُضيف طاهري.

ولأن التأثيرات والتدابير المتعلقة بفيروس كورونا لا تزال غير واضحة في هذه المرحلة، فيوجد الكثير من عدم اليقين الذي يرتبط بسلوكيات الشراء والإنفاق. لكن في المقابل فإن الشراء المهووس وارتفاع الأسعار يؤديان إلى شعورنا بندرتها وصعوبة الحصول عليها، مما يزيد في الوقت نفسه من شعورنا بالخوف والقلق من عدم قدرتنا على حماية أنفسنا ومواجهة المرض.

العامل الحاسم هنا إذن هو المعلومات الجيدة وعدم الانقياد وراء الشائعات والأخبار الزائفة ومنشورات السوشيال ميديا المضلِّلة التي تزيد من خوفنا وتؤثر على الصحة النفسية بشكلٍ سلبي. هذا سيساعدنا في الحصول على صورة واضحة عن المرض ومعرفة كيفية التعامل معه.

المصدر: TRT عربي