يُعتبر الأطفال من أبرز الفئات التي تتأثر بالحرب السورية، إذ يعتمد كثير من الأسر، نتيجة الفقر وغياب البديل، على ما يجنيه الأطفال من عملهم كمورد رزق رئيسي.

إدلب ـــ اضطُرّ كثير من الأطفال في ظل الحرب السورية وتدهور الوضع الإنساني والاقتصادي إلى دخول سوق العمل رغم صغر سنّهم لإعالة أنفسهم وأسرهم، مؤجّلين أحلاماً هي من أبسط حقوقهم، مِمَّا خلّف آثاراً سلبية على هؤلاء الأطفال، وجعلهم عرضة للاستغلال وسوء المعاملة، وحرمهم حقَّهم في التعليم.

بملابسه الرثة وجسده المُتعَب يجرّ الطفل عمر في أحد شوارع مدينة إدلب عربة السحلب متنقلاً بين الحارات والمدارس طوال اليوم، ليجني رزق أسرته.

عمر المنصور (12 عاماً) أصبح المسؤول عن الإنفاق على إخوته وأمه بعد وفاة والده في غارة حربية منذ سنتين.

بملابسه الرثة وجسده المُتعَب يجرّ الطفل عمر في أحد شوارع مدينة إدلب عربة السحلب ليجني رزق أسرته
بملابسه الرثة وجسده المُتعَب يجرّ الطفل عمر في أحد شوارع مدينة إدلب عربة السحلب ليجني رزق أسرته (TRT Arabi)

ليس الطفل عمر وحيداً في هذه المعاناة، إذ اضطُرّ كثير من الأطفال السوريين إلى البحث عن عمل يساعدهم على كسب لقمة العيش التي باتت صعبة المنال، أمام ضعف الدخل اليومي مقارنة مع النفقات العالية وغلاء الأسعار الكبير الذي تشهده سوريا.

يتحدث عمر عن معاناته بالقول: "تُعِدّ أمي السحلب وتجهّز العربة بما يلزم، وتوقظني في الصباح الباكر لأتجوّل بين الحارات وعلى أبواب المدارس، وأعود في المساء بعد أن أبيع ما لديّ، لأحصل على مبلغ 1000 ليرة سورية (أقل من دولارين)، أعطي ما جنيته لأمي لشراء الخبز والطعام".

أم عمر تشعر بالحزن على ولدها الذي تَحمَّل مسؤولية كبيرة تفوق عمره وقدراته، تقول لـTRT عربي: "لا شك أن التعليم حقّ وحاجة للأطفال، لكن المعيشة والبقاء على قيد الحياة حاجة أولى، إذ اضطُررت إلى إرسال أولادي للعمل بعد وفاة والدهم، وفشلي رغم محاولاتي المتكررة في الحصول على فرصة عمل لكوني لا أحمل شهادة ولا أتقن مهنة".

تتنوع الأعمال التي يؤدِّيها الأطفال رغم صغر سنّهم، سواء في المعامل أوالمخابز أو محلات تصليح السيارات
تتنوع الأعمال التي يؤدِّيها الأطفال رغم صغر سنّهم، سواء في المعامل أوالمخابز أو محلات تصليح السيارات (TRT Arabi)

تتعدد المسببات الدافعة إلى خروج الأطفال إلى العمل، ومن أهمّها الفقر وصعوبة الحياة المعيشية، أو فقدان العائل لموت أو اعتقال أو إصابة، كما أن الحرب والنزوح واللجوء كلها عوامل تنتج عنها ظروف اقتصادية صعبة، مِمَّا يدفع الأطفال إلى العمل للإسهام في تلبية الحاجات المعيشية للأسرة.

الطفلة ريمة الحسن (12 عاماً) تعمل في ورشة لصناعة جلايات الألمنيوم في بلدة معرشورين بريف إدلب، وعن ذلك تقول: "بعد اعتقال النِّظام السوري والدي اضطُررت إلى ترك المدرسة والعمل مع إخوتي لمساعدة أنفسنا في تأمين حاجات المنزل الضرورية، وثمن العلاج لأمي المريضة".

في ظل قلة فرص العمل يُقدِم بعض الأطفال على ممارسة أعمال شاقة وخطرة لاتتناسب مع بنية الطفل الضعيفة
في ظل قلة فرص العمل يُقدِم بعض الأطفال على ممارسة أعمال شاقة وخطرة لاتتناسب مع بنية الطفل الضعيفة (TRT Arabi)

تضيف ريمة بحزن شديد: "أتمنى أن يرجع والدي إلينا ليتولى الإنفاق على المنزل، في حين أعود أنا وإخوتي إلى المدرسة لمتابعة تعليمنا".

ريمة تعشق المدرسة، وكانت مواظبة على واجباتها المدرسية، لكن حاجتها إلى العمل أجبرتها على التخلِّي عن آمالها وأهدافها في الحياة.

كذلك يُسهِم التفكك الأسري في دفع الأطفال باكراً إلى سوق العمل، فالأب غائب معظم الوقت ومتخلٍّ عن مسؤولياته تجاه أسرته، أو يُقدِم على الزواج بامرأة أخرى، مِمَّا يعرِّض الأطفال للظلم والحاجة. عائلة الطفل وليد (9 سنوات) من ريف حماة مثال على ذلك؛ يقول: "انفصل أبي وأمي بسبب الخلافات المستمرة بينهما، وتزوَّج كل منهما، وبقيت مع أخي بعهدة جدّتنا، لذلك أصبحنا نعمل في جمع الخردة من مكبَّات القمامة لبيعها وإعطاء ثمنها للجدة لتؤمّن لنا قوت اليوم".

الطفل حسن الصالح يعمل عشر ساعات يوميّاً في ورشة لتصليح الدراجات النارية، وهو غير راضٍ عن المبلغ القليل الذي يحصل عليه
الطفل حسن الصالح يعمل عشر ساعات يوميّاً في ورشة لتصليح الدراجات النارية، وهو غير راضٍ عن المبلغ القليل الذي يحصل عليه (TRT Arabi)

وتتنوع الأعمال التي يؤدِّيها الأطفال رغم صغر سنّهم، سواء في المعامل أو المخابز أو محلات تصليح السيارات، أو العمل بائعين جوَّالين في الشوارع.

وفي ظل قلة فرص العمل يُقدِم بعض الأطفال على ممارسة أعمال شاقة وخطرة لا تتناسب مع بنية الطفل الضعيفة، كالبناء والحدادة وغيرهما، مِمَّا يؤثر على صحتهم الجسدية ويسبّب لهم الأمراض، كما يكون الأطفال في أثناء وجودهم في بيئة العمل عرضة للخطر، مما يؤثر فيهم جسديّاً ونفسيّاً مع غياب الرعاية الصحية، ويتعرض الطفل العامل لكثير من أمراض المهنة وحوادث العمل وإصاباته، في ظل عدم اهتمام أصحاب العمل بتعليم الأطفال وتدريبهم على مبادئ السلامة المهنية.

فادي الحوراني (13 عاماً) هُجّر من درعا إلى إدلب منذ سنوات، يعمل في الحدادة، وقد تَعرَّض لكسر في قدمه نتيجة سقوط باب عليها، وعن ذلك يقول: "لم أجد عملاً مناسباً، مِمَّا دفعني إلى العمل في الحدادة، وفي أثناء رفع باب كبير، وقعت أرضاً وكُسرت رُكبتي. أجريت عدة عمليات ولم أشفَ بشكل كامل حتى الآن".

يبيع الطفل محمد العبسي الشيبس والبسكويت لإعالة عائلته
يبيع الطفل محمد العبسي الشيبس والبسكويت لإعالة عائلته (TRT Arabi)

كذلك تتفاقم ظاهرة عمالة الأطفال في المخيمات ومراكز الإيواء بسبب بُعد المدارس وفقدان الأمان، وخسارة العائلات النازحة مواردها المادية ومصادر رزقها.

نزح الطفل محمد العبسي (13 عاماً) من ريف حماة مع أسرته إلى أحد المخيمات في المناطق الحدودية مع تركيا، وبدأ يعمل ليساعد والده في تأمين المصروف اليومي، وعن ذلك يقول: "كنا نزرع أرضنا ونستفيد من محصولها السنوي، ولكن بعد نزوحنا فقدنا مصدر رزقنا الوحيد، فبدأت أعمل في بيع الشيبس والبسكويت لمساعدة والدي، في حين يعمل أخي الأصغر في بيع المناديل الورقية في الشوارع".

المرشدة الاجتماعية نور الغريب من معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، تتحدث لـTRT عربي بقولها: "تُعَدّ عمالة الأطفال من الظواهر الأكثر خطورة، التي تترك أثراً سلبيّاً على المجتمع بعامَّة وعلى الأطفال بخاصَّة، إذ يكون العمل عبئاً على الطفل يهدّد سلامته وصحته، كما يستغل أرباب العمل ضَعف الطفل وصغر سنه وعدم معرفته بحقوقه في المجتمع وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه ضدّ أي نوع من أنواع الاستغلال".

يؤثّر العمل، حسب مختصين، في الصحة الجسدية للطفل من ناحية التناسق العضوي والقوة وسلامة الحواسّ
يؤثّر العمل، حسب مختصين، في الصحة الجسدية للطفل من ناحية التناسق العضوي والقوة وسلامة الحواسّ (TRT Arabi)

كذلك يؤثّر العمل، حسب الغريب، في الصحة الجسدية للطفل من ناحية التناسق العضوي والقوة وسلامة الحواسّ، ويؤدِّي أيضاً إلى شعور الطفل بفقدان الأمان وبالعزلة الاجتماعية، فيبدأ الطفل بالشعور بأنه أقلّ مستوىً من غيره، وأنه مُجبَر على تَحمُّل أعباء عائلته، في يلعب الأطفال الآخرون ويلهون طوال اليوم، ناهيك بتعرُّض الأطفال لمخاطر متنوعة منها اكتساب عادات سيئة كالتدخين وتعاطي المخدرات، واحتمالية التعرض للنصب والاحتيال والغبن في الأجور.

الطفل حسن الصالح (14عاماً)، من الغوطة الشرقية، يعمل عشر ساعات يوميّاً في ورشة لتصليح الدراجات النارية، وهو غير راضٍ عن المبلغ القليل الذي يحصل عليه، يوضح ذلك لـTRT عربي بقوله: "أعمل منذ الصباح الباكر حتى المساء، مع استراحة قصيرة لتناول الطعام، مقابل أجر زهيد هو 1000 ليرة سورية، في حين يعمل رجل في نفس العمل ويتقاضى ضعف ما أحصل عليه، كما أتعرض باستمرار لضرب وتوبيخ زملائي وصاحب العمل".

يؤكّد حسن بأنه ليس راضيًا عن ذلك، ولكن أمه تقول إن عليه التحمل والصبر، لأن الأجر القليل أفضل من لا شيء في ظل الحاجة وندرة الأعمال.

يُعتبر الأطفال من أبرز الفئات التي تتأثر بالحرب السورية، إذ يعتمد كثير من الأسر، نتيجة الفقر وغياب البديل وقلة الوعي المجتمعي، على ما يجنيه الأطفال من عملهم كمورد رزق رئيسي، علماً بأن عمالة الأطفال السوريين ستخلق جيلاً كاملاً لم يدخل المدارس، بل امتهن الشارع ليؤمّن قوت العائلة، مما ينذر بمخاطر كبيرة تهدّد هذا الجيل بالجهل والأمية والمستقبل الضائع في ويلات الحرب.

المصدر: TRT عربي