تمكن حزب فوكس اليميني المتشدد من الوصول إلى البرلمان في الانتخابات التشريعية الأخيرة للمرة الأولى منذ انتهاء الديكتاتورية الإسبانية، من خلال حشد مؤيديه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصاته التي أجاد توظيفها لإيصال خطابه السياسي.

سانتياغو أباسكال زعيم حزب فوكس اليميني المتشدد وسط جماهيره بعد الوصول إلى البرلمان التشريعي 
سانتياغو أباسكال زعيم حزب فوكس اليميني المتشدد وسط جماهيره بعد الوصول إلى البرلمان التشريعي  (TRT Arabi)

وضع حزب فوكس اليميني في إسبانيا وسائل التواصل الاجتماعي نصب عينيه، حدّد هدفه، واستثمر معاركه الانتخابية في ميدان الإنترنت كي يحقق فوزاً غير مسبوق في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.

قبل ستة أشهر فقط، لم يكن فوكس الذي تأسس عام 2013 سوى حزب يقف على هامش الحياة السياسية في إسبانيا، لكنه تمكن في الانتخابات التي أُعلنت نتائجها الإثنين 29 أبريل/نيسان الجاري، من الفوز بـ24 مقعداً في البرلمان الإسباني من أصل 350، أي ما يعادل نسبة 10%، ليعلن اليمين المتطرف نفسه لاعباً جديداً على الساحة السياسية للمرة الأولى منذ انتهاء عهد الديكتاتورية برحيل الجنرال فرانكو عام 1975.

"شكّلَت استراتيجية التواصل المباشر عبر الشبكات الاجتماعية مفتاح النجاح كما حدث في أماكن أخرى" وفقاً لتصريح زعيم حزب فوكس سانتياغو أباسكال في لقائه مع الراديو الإسباني، حيث أوضح أن وسائل الإعلام التقليدية "طالما قامت بتحريف رؤيتنا في الماضي، ونقلتها إلى الجماهير بطريقة سيئة".

أكدّ مانويل ماريسكال رئيس قسم الديجتال في الحزب حديث أباسكال، موضحاً أن انعدام الثقة في وسائل الإعلام التقليدية هو ما دفعهم إلى "الاعتماد على قنوات الاتصال الخاصة".

قام حزب فوكس اليميني المتشدد بتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي لضمان الوصول إلى الجماهير 
قام حزب فوكس اليميني المتشدد بتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي لضمان الوصول إلى الجماهير  (AP)

زيادة عدد المتابعين تحقق مكاسب سياسية

في يناير/كانون الثاني عام 2018، جاء الموقع الإلكتروني لحزب فوكس في ذيل القائمة مقارنةً بغيره من الأحزاب المتنافسة، فلم تتعدّ زيارات الموقع نحو 60 ألف زائر، وفقاً لموقع "سميلار ويب" المتخصص في الرصد الإلكتروني.

بحلول سبتمبر/أيلول 2018، تمكن الحزب اليميني من مضاعفة جمهوره ومتابعيه ليصبح في مقدمة الأحزاب المتنافسة بواقع 223 ألف زيارة، ثم شهد قفزة هائلة بثلاثة أضعاف تجاوزت نصف مليون زائر (612,658)، عقب المؤتمر الجماهيري الذي انعقد في مدريد في شهر أكتوبر/تشرين الأول وحضره حينها 9 آلاف من مؤيديه.

وحسب روبن دورانت الخبير في الشبكات الاجتماعية بالمعهد الكاتالاني للأبحاث، فإن الشبكات الاجتماعية تتيح "للأحزاب الناشئة أن تحدد المؤيدين المحتملين وتتوجه إليهم بالخطاب مباشرة"، وأضاف "ماريان لوبان (زعيمة اليمين المتطرف) فعلت ذلك في فرنسا، وحركة خمس نجوم الإيطالية، كما انتهج دونالد ترمب نفس الاستراتيجية في الولايات المتحدة".

يبدو أن التواصل عبر الإنترنت هو الحل الوحيد المتاح أمام الأحزاب التي لا تمتلك وزناً حقيقيّاً في المجتمع، وفقاً لدورانت، فما يسعى إليه حزب "ليس له وجود على خارطة الإعلام التقليدي أو تمثيل رسمي في المؤسسات المختلفة، هو أن يصبح محور أحاديث الناس" على حد قوله، وأضاف "حتى لو تحدث عنهم الناس بطريقة سلبية، ما يهم هو أن يكونوا جزءاً من الحوار المجتمعي".

حقّق حزب فوكس أهدافه المرحلية مع انتهاء عام 2018، ففي ديسمبر/كانون الأول تمكن من الحصول على 12 مقعداً نيابيّاً في البرلمان المحلي بإقليم الأندلس، تمهيداً لخوض معركة الانتخابات التشريعية.

إحدى المظاهرات المناهضة للصعود اليميني في إسبانيا قامت بتحويل لوجو الحزب إلى رمز النازية 
إحدى المظاهرات المناهضة للصعود اليميني في إسبانيا قامت بتحويل لوجو الحزب إلى رمز النازية  (AP)

استراتيجية التوسع والانتشار

تبنّى حزب فوكس إستراتيجية بسيطة، تمثلّت في نشر عدد أقل من المنشورات اليومية عبر منصاته المختلفة، لكن مع مراعاة وصولها إلى المؤيدين المحتملين، واختيار موضوعاتها بطريقة تطرح القضايا الجدلية داخل المجتمع الإسباني مثل موقف اليمين المعادي للمهاجرين والأجانب، وإثارة قضايا الحريات المتعلقة بالتمييز الجندري أو إقرار قانون رافض للإجهاض.

في أبريل/نيسان الجاري، وقبل خوض معركة الانتخابات التشريعية، بدأت تلك الاستراتيجية تؤتي ثمارها وفقاً لاستطلاعات الرأي التي تنبأت بفوز الحزب بعد تحليل نشاطه الإلكتروني، فقد تمكن فوكس من الحصول على نحو مليون تفاعل مع المحتوى الذي يقدمه، والذي لم يتجاوز 11 منشوراً في اليوم الواحد، خلال شهر أبريل/نيسان فقط.

"تُحقّق استراتيجية بثّ منشورات قليلة نسبيّاً لكن لافتة، نجاحاً أكبر للأحزاب التي لا تمتلك موارد كافية" وفقاً لدورانت.

ركّز حزب فوكس نشاطه على تطبيقَي إنستغرام وواتساب اللذين يحظيان بشعبية ومصداقية واسعة داخل إسبانيا، بالإضافة إلى بقية المنصات الأخرى مثل فيسبوك وتويتر.

"يعمل حساب إنستغرام الخاص بفوكس على تصوير العالم بوصفه منقسماً بين ناس جيدة وسيئة" حسب سيزار كالديرون المستشار السياسي، وأضاف "إنها استراتيجية مناسبة تماماً لأسلوب التواصل الخاص بهم، وتحديداً القصص التي ينشرونها والتي لا تتجاوز 15 ثانية"، موضحاً أنه لا مجال لطرح المساحات الرمادية في وقت مماثل.

لجأ نشاط فوكس إلى مراعاة خصوصية كل منصة وتصميم المنشورات بطريقة تحقق أهدافه المرجوة لكل فئة من فئات المجتمع على حدة، فمنشورات إنستغرام سريعة وقصيرة ولافتة كي تناسب جمهوره الذي تتراوح سنه بين 16 و30 عاماً، والصور تكون تلقائية دون استخدام فلتر أو رموز معقدة، وأحياناً تتوجه بالخطاب المباشر إلى الطلاب وصغار السن.

أما فيسبوك الأوسع انتشاراً والذي يصل إلى فئة عمرية أكبر، فقد صمم الحزب منشوراته بطريقة تناسب جمهوره، مثل حملة نشر الفيديوهات القصيرة خلال الانتخابات المحلية في إقليم الأندلس، والتي تحتوى على رسائل مثل "أنا سيلفيا، سني 40 عاماً، دون مساعدة أقاربي المادية لم أكن لأنجو، وكثير من الأندلسيين يواجهون موقفاً مماثلاً لي، فوكس هو الأمل الوحيد لإسبانيا".

ستيف بانون المستشار السابق للرئيس الأمريكي والداعم لصعود الحركات والأحزاب اليمينية في أوروبا
ستيف بانون المستشار السابق للرئيس الأمريكي والداعم لصعود الحركات والأحزاب اليمينية في أوروبا (AP)

يد ترمب الخفية في أوروبا

تشهد أوروبا موجة جديدة ومتلاحقة من صعود الأحزاب اليمينية في معظم دولها، وإسبانيا ليست استثناءً من هذه الظاهرة التي تخضع لعدد من العوامل الداخلية والخارجية، إلا أن لحظة فوز دونالد ترمب برئاسة الولايات المتحدة شكلت الدفعة الأقوى لليمين الأوروبي، تلاها ظهور أشكال متعددة لتبادل الخبرات بين الجانبين.

يمكن فهم أوجه التعاون بين اليمين الأوروبي والأمريكي من خلال مراقبة نشاط ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس ترمب ومهندس حملته الانتخابية التي مكنّته من اقتحام البيت الأبيض، والذي يتميز بخبرة واسعة في وضع استراتيجيات توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق الأهداف السياسية وإيصالها بأبسط الطرق إلى الجماهير.

لجأ حزب فوكس الإسباني إلى بانون وطلب مساعدته في وضع استراتيجية الترويج لحملاته الانتخابية عبر منصات التواصل المختلفة، وفقاً لصحيفة فورين بوليسي.

في أبريل/نيسان 2018، أي قبل أشهر قليلة من وصول اليمين إلى البرلمان المحلي في إقليم الأندلس، اجتمع بانون ورافائيل باراجادي أحد مؤسسي حزب فوكس، في واشنطن، وهو ما وصفه فوكس حينها ببداية التعاون "بهدف الحدّ من الدعم الدولي لانفصال إقليم كاتالونيا"، بينما أشاد بانون بنشاط الحزب وأهدافه موضحاً أنه "يمثل قوة سياسية هامَّة" في إسبانيا وجاهز "للدفاع عن حدودها".

أزال الحزب لاحقاً المنشور الترويجي الذي يتناول تفاصيل اللقاء مع بانون من موقعه الإلكتروني، لكن التغريدة التي وثقت ذلك الاجتماع عبر حسابه على تويتر لا تزال موجودة.

في فبراير/شباط عام 2019، أشاد ستيف بانون مجدداً بحزب فوكس، ووصفه بواحد "من أهم الأحزاب السياسية اللافتة للنظر في أوروبا"، إذ شبّهه بحزب الشاي الذي مهّد لصعود ترمب في الولايات المتحدة.

"مايو/أيار 2019 هو الموعد الذي سوف نحصل فيه، حرفياً، على الاتحاد الأوروبي" على حد قول بانون لصحيفة الغارديان البريطانية، والتي كشفت في تحقيق استقصائي أواخر عام 2018 عن دعم بانون المادي والاستراتيجي لحملة "الحركة"، التي تهدف إلى توحيد جهود الأحزاب اليمينية الأوروبية وحشد قواها قبل معركة انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو/أيار المقبل، مما قد يضمن فرض الرؤى اليمينية على أوروبا بأكملها، وهو ما أصبح قريباً بعدما تمكنت تلك الأحزاب من الوصول إلى البرلمانات المحلية في كل دولة على حدة، وفرضت وجودها على الساحة السياسة.

المصدر: TRT عربي