أمام التمازج المذهل بين الخلفيات الثقافية المختلفة التي قدِمت للعيش في إسطنبول، التقت TRT عربي مجموعة من الشباب لتعرّف تجاربهم والأسباب التي دفعتهم إلى اختيار العيش والعمل في هذه المدينة.

عندما حللتُ في إسطنبولَ نهاية العام الماضي نزلتُ في فندقٍ لثلاثةِ أيام، لفتني خلالها الاندماج المنسجم لعاملتي ضيافة تعود أصول كلٍ منهما إلى بلادٍ مختلفة، فزينب (اسم مستعار) روسية في الأربعين من عمرها وهي أمٌ تعمل بشكلٍ يومي في خدمة النزلاء ومتابعة شؤونهم، أما سلوى ففتاةٌ في مقتبل عمرها الوردي، في أوائل العشرينات، تُعد أكوابَ الشاي الساخن وتقدمها للنزلاءِ بابتسامة لطيفة ووجهٍ بشوش!

هذا جعلني أدرك على وجه السرعةِ كم أن إسطنبول مدينة ذات صدرٍ رحب تستوعب الجميع على اختلافهم، فما بين بلدٍ كروسيا تأتي منه زينب وبلدٍ كالمغرب تأتي منه سلوى خلفياتٌ ثقافية وعاداتٌ وتقاليد والكثير من الاختلافات التي تعد اللغة أهمها! لكنَّ الفتاتين وحدتهما مدينة إسطنبول، واللغة التركية والسعي نحو الرزق!

أمام هذا التمازجِ المذهل تتعرف TRT عربي التجاربِ والأسباب التي تجذب أبناءَ الشرق والغرب للقدوم إلى إسطنبول والبقاء تحت مظلتها موحدين!

سائحة أمام متحف آيا صوفيا في إسطنبول ـ السلطان محمد ـ تركيا (Getty Images)

تسهيلات أكثر!

ليليا ولباني (32 عاماً) حاصلة على ماجستير في التسويق، جزائريةٌ مقيمةٌ في إسطنبول، تقول: "اخترتُ تركيا لأن فيها تسهيلاتٍ أكثر للعرب، وهذا من ناحية العمل والإقامة، وبالنسبة إلي كجزائريةٍ كان من الصعب أن أفكر في الإقامة بفرنسا، لأن التعقيدات هناك كثيرة فهي لا تعطي فيزا إلا ضمنَ مجموعة شروط، أما تركيا فقد أتاحت لي في البدءِ الإقامةَ السياحية".

تتابع حديثها بشغف لــTRT عربي عن تجربتِها في العثور على عمل: "لم يكن عثوري على عملٍ صعباً لتخصصي في التسويق، وهكذا وجدت نفسي في مجال المبيعاتِ العقارية، وهو مجالٌ حيوي في إسطنبول وزاخر بالتجاربِ ومعرفة الناس والتنقل بين أنحاءِ إسطنبول كلها من فترةٍ إلى أخرى".

وتؤكد ولباني لـTRT عربي: "أنا من عشاقِ تركيا، كان من الصعب في البدايةِ التعامل مع الأتراك، لكني حللت هذه المشكلة بتعلمِ اللغة التركية في أحد المعاهد، ومن ثم بحمد الله استطعتُ التعامل مع العديد من الناس وتعرفت عاداتِهم وتقاليدهم، وهذا انعكس على تميزي في مجال عملي، وتميزي البديهي للزبائنِ والعملاء الذين أتعامل معهم في مجالِ التسويق العقاري".

تُنهي ولباني حديثها لـTRT عربي قائلة: "لا أفكرُ أبداً في تغييرِ عملي أو السعي نحو مجالٍ آخر، كما لا أفكر في مغادرةِ إسطنبول بشكل خاص أو تركيا بشكل عام".

الشباب العرب في إسطنبول (Getty Images)

اقتصاد أقوى

أما اليسا فادي، إيرانيةٌ (28 عاماً) أتت إلى تركيا قبل سبعٍ سنوات، فتقول لـTRT عربي: "أتيت مع عائلتي، عندما أراد والدي أن يذهب بنا إلى أمريكا، وجدنا أنفسنا في تركيا وهذا قبل سبعِ سنوات".

تتابع: "بدأتُ أيضاً بالعمل منذ أتيت، عملت مترجمةً ومرشدةً سياحية، هذا جعلني أتنقل بين العديدِ من المدن التركية وإسطنبول واحدة من هذه المدنِ الجميلة، إنها مدينةٌ مزدحمة بالناس والثقافاتِ والعاداتِ".

وعن الأسباب التي دفعتها وعائلتها إلى مغادرةِ إيران والعمل في تركيا فتؤكد لـTRT عربي: "هنا عجلةُ الاقتصادِ أقوى، العمل متوفرٌ للجميع، والمميزات المعيشيةُ متاحة لمن يسعى، لذلك تركيا خيار جيدٌ لمن يريد أن يسعى ويعمل، كما أنها لا تطلبُ من الإيرانيين فيزا".

الشباب العرب في إسطنبول (TRT Arabi)

كل شيء في إسطنبول

حيدر العزاوي (31 عاماً) عراقي الجنسية، يقول لـTRT عربي: "قضيت ست سنوات من عمري في أوروبا، ثم انتهى بي الأمر في إسطنبول منذ عامٍ ونصف العام لأننِي رأيتُ فيها مكاناً مناسباً للعيش، كذلك هي مدينة سياحيةٌ، والوافدون إليها من جميع أنحاء العالم، ويتوفر فيها النظامُ، والأمن، والسكن، والقانون، بالإضافة إلى أجوائها وطقسِها وطبيعتها الجميلةِ الخلابة".

وعما إن واجه تحدياتٍ في المعيشةِ أو العثورِ في العمل فيؤكد: "أعمل منذ أتيت في التسويق، عثوري على هذه الوظيفةِ كان سهلاً، كل ما قمت به بعد رؤيتي لإعلان التوظيف هو التقديم والدخول إلى مقابلةِ عمل، ثم بدأت رسمياً بتأدية مهامي الوظيفية".

يتابع: "من الأشياءِ التي كانت صعبةِ بالبدايةِ هو انتظاري حتى الحصول على إقامة، فالحصول على إقامةٍ يمكن الوافدُ من استئجارِ بيت باسمه وتسلم الفواتير".

وعن تعايشه مع من حوله يؤكدُ حيدر لـTRT عربي: "الشعبُ التركي شعبٌ طيب، وتواصلي معه بالبدايةِ كان مثل أي سائحٍ يتواصل بما هو متاح له من لغات ثانية أو الإشارات، وأنا تأقلمتُ بسرعة لأنني قضيتُ في السويدِ عدة سنوات، وكان لدي الخبرة الكافية بالعواقب أو المعيقات وكيفيةِ التعامل معها".

التضخم في تركيا (AA)

ويضيف: "الجميلُ في إسطنبول وتركيا تنوّعُها الحيوي والجغرافي والديموغرافي، فهنا كل شيء، المسلمُ والمسيحي وجميع الأديانِ والثقافات والعادات والتقاليد، وعلى الرغم من هذا التباينِ والتنوع والاختلاف فلم أواجه قط موقفاً واحداً ضايقني".

ووفقاً لبياناتٍ صدرت عن وزارةِ السياحة التركيةِ أواخر العام الماضي 2020، فقد بلغ عددُ الوافدين إلى تركيا قبل أزمة كورونا 11.2 مليون وافد، وبلغ عدد المقيمين الأجانب فيها بداية العام الماضي أيضاً 5 ملايين مقيمٍ أجنبي من مختلف أنحاء العالم.

فإذا كانت الظروفُ السياسيةُ أو الاجتماعيةُ تدفعُ بأبناءِ الشرقِ إلى إسطنبول فإن أبناء الغرب أيضاً يجدون فيها ملاذاً لأسبابٍ اقتصادية مختلفة، ممَّا يجعل تركيا بشكل عام وإسطنبول بشكلٍ خاص طريقاً حريرياً يعج بالتبادلِ الثقافي الحضاري وفرص العملِ المختلفة لمن يسعى إليها، دون تميزٍ لشرقٍ أو لغرب!

TRT عربي