شرح الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو طريقة عمل السلطة في المجتمعات الحديثة في سبعينيات القرن الماضي، فكيف يمكن فهم النظام السلطوي الذي يُكرّس له الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالنظر إلى الإعدامات الأخيرة والتعديلات الدستورية المقبلة، في ضوء تحليل فوكو؟

التعديلات الدستورية المقبلة سوف تتيح للرئيس عبد الفتاح السيسي التكريس لعهد استبدادي غير مسبوق في مصر 
التعديلات الدستورية المقبلة سوف تتيح للرئيس عبد الفتاح السيسي التكريس لعهد استبدادي غير مسبوق في مصر  (TRT Arabi)

كشفت أحكام الإعدام الأخيرة في مصر وحملة الاعتقالات والقمع غير المسبوقة، الكثير عن طبيعة النظام السلطوي الحاكم الذي يتم التكريس له منذ بداية حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014، والذي بدأ في التصاعد منذ أواخر العام الماضي 2018.

يمكن فهم ملامح هذا النظام السلطوي الجديد في ضوء التحليل الذي قدّمه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو عن آليات السلطة وطريقة عملها في المجتمعات الحديثة.

الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 - 1984) 
الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 - 1984)  ()

ماذا تريد السلطة من الجسد الإنساني؟

واحد من أهم الإسهامات المعرفية التي قدَّمها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 - 1984) هو تفسير طريقة عمل السلطة داخل المجتمعات الحديثة.

شرح فوكو نظريته من خلال رصد تحول السياسة العقابية في أوروبا والولايات المتحدة أواخر القرن الثامن عشر من التعذيب الوحشي للجسد، على مرأى ومسمع من المجتمع، بما يستدعيه ذلك المشهد العقابي من تعاطف أو قسوة من الجماهير على الشخص المُدان، وصولاً إلى ميلاد فكرة السجن كوسيلة عقاب وضبط للمُذنبين.

وتحولت السلطة من قوة مركزية مُمثّلة في شخص الملك، إلى إستراتيجية لا مركزية، أي آليات عمل ينفّذها مختلف مؤسسات المجتمع، مثل السجن والمدرسة والقانون، إذ تعيد إنتاجها مجدداً بشكل تلقائي.

كذلك أوضح فوكو أن السلطة تسعى للهيمنة والضبط وضمان إحكام القبضة على الأفراد داخل المجتمع، بغضّ النظر عن طبيعة النظام السياسي الحاكم، يمينياً كان أو ليبرالياً، فهدف القمع لا يغير شيئاً من طبيعة النظام.

ويسعى النظام السلطوي لضبط الأفراد وضمان إنتاجيتهم وطاعتهم، لهذا نشأت مثلاً عقوبة الأشغال الشاقة، للاستفادة من جسد "المُدان" في أثناء قضائه عقوبته.

وهو ما فسّره فوكو بارتباط هذا "التوظيف السياسي للجسد" باستخدامه اقتصادياً كقوة إنتاج وفقاً لعلاقات معقَّدة ومتبادَلة، أي أن الجسد الإنساني داخل المجتمعات الحديثة التي تحكمها نظم سلطوية لا يكون قوة نافعة، إلا بضمان إنتاجيته وعبوديته في نفس الوقت.

العدالة رهينة السلطة الحاكمة في مصر

بعد اغتيال النائب العام المصري عام 2015، اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالقضاة وتَحدَّث إليهم أمام وسائل الإعلام بخطاب غريب في مشهد غير مألوف.

فبعد توبيخهم والإشارة إلى ثغرات أمنية أدّت إلى عملية الاغتيال، قال بلهجة تتجاوز خطاب المؤسسات إلى خطاب شعبي يحكمه منطق القوة لا العدالة "لن أقدّم العزاء لكم الآن، سوف آتي وأقدم العزاء بعد الانتهاء من الإجراءات، وما سوف يُرضي الله سنفعله".

وفي إشارة غامضة، مهدّدة، قال إن "مصر لا يمكن إسكاتها، لكن لا يمكننا فعل ذلك إلا بالقانون"، مؤكّداً "إننا نعرف جميعاً من يقف وراء هذا الأمر"، في تجاوز سافر لمجريات التحقيق واكتماله حتى التأكد من الجناة الحقيقيين.

ويشير عدم تقديم العزاء بعد القتل في الموروث المصري إلى منطق الثأر، إذ تعني هذه المقولة حين تصدر من شخص يمثل النظام الحاكم، التركيز على الانتقام، والإطاحة باستقلال القضاء، ومبادئ تحقيق العدالة والأمن التي ينبغي أن يقوم عليها القانون.

في فبراير/شباط 2019 نُفّذ حكم الإعدام في حق 9 أشخاص أُدينوا في القضية، على الرغم من تحذير عدد من المنظمات الحقوقية من خطورة تنفيذ أحكام إعدام بهذه الطريقة، وفي ظل شبهات بانتزاع اعترافات تحت التعذيب.

فقد أكدت منظمة العفو الدولية أن "إعدام الذين أُدينوا في محاكمات شابتها مزاعم التعذيب ليس من العدالة في شيء، بل هي شهادة على مدى وقوع الظلم في البلاد".

برّر السيسي احتجاج المنظمات الحقوقية الأوروبية والأمم المتحدة على تطبيق عقوبة الإعدام وسط محاكمات وُصفت بالجائرة، بقوله "عندما يُقتل شخص في بلدنا وعالمنا العربي بعمل إرهابي، تأتي الأسر وتطالبني بأخذ حق أبنائها، وهذه هي الثقافة الموجودة في هذه المنطقة". لافتاً إلى أن "الحق في هذه المنطقة يجب أن يؤخذ بالقانون"، مضيفاً باللهجة الدارجة: "إنتو مش هتعلّمونا إنسانيتنا".

هنا يدافع السيسي عن السلطة المطلقة لا القانون، وعن مبدأ الثأر والانتقام لا العدالة، وهو ما أشار إليه فوكو في السبعينيات حين أكد أن القانون يعمل على خدمة السلطة لا العكس، إنه في الحقيقة وعلى مستوى الممارسة، إحدى أدواتها، ويُستخدم في كثير من الأحيان مبرّراً لممارسة القمع.

التعديلات الدستورية.. عودة السلطة إلى قبضة الحاكم

وصف بعض القضاة التعديلات الدستورية المزمع تطبيقها في القانون المصري بـ"مذبحة جديدة بأدوات قديمة" وفقاً لموقع مدى مصر.

فقد قُدّم مقترح للبرلمان المصري بإجراء تعديلات على الدستور، وقّعه 155 نائباً، يوم 3 فبراير/شباط 2019، ويُروَّج رسميّاً للمقترح بوصفه مقدَّماً من النواب ولا علاقة له بالرئاسة، على الرغم من أن كتلة نواب "دعم مصر" المؤيدة لحكم الرئيس السيسي هي التي تقدمت بالمقترح.

وإذا أقرّ البرلمان تلك التعديلات الدستورية بعد الانتهاء من مناقشتها منتصف شهر أبريل/نيسان القادم، ثم عرضها للاستفتاء الشعبي، فسوف يتيح ذلك للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2034، بالإضافة إلى منح رئيس الجمهورية صلاحيات تتيح له التدخل في السلطة القضائية، مثل اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية متضمنة المحكمة الدستورية العليا، واختيار النائب العامّ من بين ثلاثة مرشَّحين والتحكم في شروط تعيين القضاة وترقيتهم، وإعطاء مزيد من الصلاحيات للقوات المسلحة.

تتجاوز إشكالية السلطة في مصر حالياً كونها نظاماً يستخدم مؤسسات الدولة (القضاء والقانون والسجن) لقمع مواطنيه، لتتحول تدريجياً إلى نظام ديكتاتوري شامل ينتزع من مؤسسات الدولة استقلاليتها مستخدماً فزاعة الأمن الذي لم يتحقق منذ وصول الرئيس السيسي إلى الحكم مدعوماً من المؤسسة العسكرية، وهو ما دفع بعض المحللين إلى وصف مقترح التعديلات الأخيرة بـ"العودة إلى الملكية العسكرية".

المصدر: TRT عربي