رئيس هايتي جان بيير بوير يتلقى مرسوم تشارلز العاشر بالاعتراف باستقلال هايتي في 11 يوليو 1825 (BIBLIOTHEQUE NATIONALE DE FRANCE)

منذ القرن الخامس عشر الميلادي مرّرَت السلطات الإسبانية سيادة جزيرة هايتي إلى نظيرتها الفرنسية، التي جعلتها أحد المراكز التجارية المهمة لتجارة الرقيق في الكاريبي. طبعت البلاد، التي واجه سكانها الأصليون إبادة جماعية، لينقلب ميزانها الديموغرافي إلى غلبة السكان ذوي البشرة السمراء مقابل أقلية فرنسية مستعمرة.

هؤلاء السكان الذين استُغِلوا كعبيد، استقووا بثقلهم العددي ليعلنوا ثورة تحررية طردت الفرنسيين، وأسقطت الرقّ، وأعلنت قيام هايتي المستقلة سنة 1804. غير أن إعلان الاستقلال هذا لم ينجِّ الدولة الفتيَّة من ابتزاز وضغط حكام باريس، فارضين عليها إتاوة أثقلت كاهلها وجعلتها أفقر دول المنطقة.

فرنسا في هايتي.. ابتزاز وسطو بالسلاح!

بعد قضائها أكثر من قرنين تحت الاستعمار الفرنسي، وما ارتكز عليه من إبادة واستعباد للشعوب المحلية والموطَّنة عبر نشاط الرق العابر للأطلسي، والذي عرف قمّة ازدهاره وقتها، أتى الوقت للشعب الهايتي ليمتلك مصيره ويخوض ثورته ضد الظلم، وهذا ما جرى عام 1791، حين حملت الأغلبية المسحوقة في البلاد السلاح ضد جلادها.

انتهت أطوار الثورة الهايتية الطويلة سنة 1804، بإعلان البلاد استقلالها. مع ذلك لم تنجُ من ابتزاز وتهديد المستعمر الفرنسي.

ففي 11 يوليو/تموز 1825، محاصراً الجزيرة بأسطوله الحربي ومهدداً أهلها بالإبادة الجماعية، نهب شارلز العاشر الشعب الهايتي، دافعاً سلطات البلاد إلى توقيع تعهُّد بدفع إتاوة بلغ قدرها 150 مليون فرنك، سحقت اقتصاد البلد الناشئ، دافعة إياه إلى فقر مدقع، بعدما كان غنياً بما يجنيه من زراعات التبغ والقهوة وقصب السكر.

في جريمة، كي نفهم شدة وقعها، نرجع إلى إحدى صحف تلك الحقبة، التي أقرت بأن ملك فرنسا كان يعي أن السلطات الهايتية غير قادرة على دفع تلك الأموال، وأن أي ضغط آخر يعني موتها جوعاً، ومع ذلك ما كان ليسمح بأي مرونة في تنفيذ المعاهدة، بل وامتصّ حرفياً كل مقومات الحياة من الجزيرة التي يعني اسمها باللغة المحلية "لؤلؤة الأنتيل".

فيما كانت تلك عملية إخضاعاً كاملاً للاستعمار الاقتصادي، هذا ما يظهر عبر فرض الفرنسيين على سلطات بورت برينس استدانة جزء من المبلغ من بنك فرنسا المركزي، مبلغ كان يزيد مع مرور الوقت، لم تنتهِ من دفعه الجمهورية الكاريبية إلا في حدود 1947.

ثقل الذاكرة الكولونيالية في هايتي

في المقابل لا تزال الذاكرة الجمعية الهايتية ترزح تحت أثر هذه الصدمة التاريخية الكبيرة، منضافة إلى ما عانته تحت نير الاستعباد، مخلّفاً داخلها ردود فعل متباينة تؤثّر في تاريخها المعاصر، ترصدها دراسة للأكاديمي الهايتي جان رولاند آغوستين بعنوان "موروث ذاكرة العبودية بهايتي".

يضع رولان آغوستين الإصبع على نوع من الإنكار يعيشه المواطن الهايتي لهذه الذاكرة، مع أنها المكوّن الأبرز لثقافته، إذ يتذكر آباء جمهوريته وقادتها الثوريين، لا لشيء إلا لنسيان الجلادين الاستعماريين، الأمر الذي تؤكده شهادة يوردها، تقول: "علينا كهايتيين أن نتذكر أننا أبناء الرجل الحر، لا معاناة العبيد، والاهتمام أكثر بمشكلاتنا اليومية كالماء الصالح للشرب والتعليم".

هذا الإنكار، يقول الأكاديمي الهايتي إنه يحمل في طياته نوعاً من الإحساس بالذنب، وتحميل المسؤولية لأنفسهم على ما عاشه أجدادهم. في غياب لمصالحة تامَّة وجبر ضرر تتملص فرنسا من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية التاريخية، سيبقى هذا الماضي الأليم من الاستعباد، والجرائم الاستعمارية التي ارتُكبت في حقه، تطارد المواطن الهايتي بأبشع الطرق، مهما حاول الهرب منها أو إنكارها أو تحميل نفسه مسؤوليتها.

TRT عربي
الأكثر تداولاً