على وقع مشاعر الخوف والهلع، يواصل فيروس كورونا حصد عشرات الآلاف من الأرواح في تونس والعالم، فارضاً بروتوكوله الصارم خلال عملية دفن الموتى، فلا غسل ولا تكفين ولا جنائز ولا نظرة وداع أخيرة تشفي غليل أقارب المتوفي وأحبابه.

تونس ـــ في مدينة بنزرت، شمال شرق العاصمة تونس، تمكن الإطار الطبي بحضور السلطات البلدية من دفن جثة امرأة أصيبت بفيروس كورونا في مقبرة الجهة، بحضور فردين من أقاربها، وبعد مجهودات أمنية جبارة استمرت ساعات بهدف السيطرة على احتجاجات لأهالي المدينة من الذين رفضوا دفن جثمان المرأة بالمقبرة، مطالبين بـ"حرق جثتها أو رميها في الجبل" بحجة مخاوفهم من العدوى.

برتوكول خاص

مشاهد دفن ضحية كورونا لم تكن هينة لا على أفراد عائلتها ولا على الإطار الطبي والسلطات البلدية بالمدينة التي أشرفت على العملية وجهزت القبر حسب معايير مضبوطة في احترام لمعايير السلامة، حسب ما أكده عضو المجلس البلدي ناصر كشك لـTRT عربي.

وزارة الصحة في تونس تفرض بروتوكولا خاصا لعملية دفن الموتى بكورونا
وزارة الصحة في تونس تفرض بروتوكولا خاصا لعملية دفن الموتى بكورونا (TRT Arabi)

لم تتمكن أفراد عائلة الفقيدة من حضور مراسم الدفن بسبب إجراءات أمنية وصحية صارمة، حسب ما أكده العضو البلدي الذي أشرف على عملية حفر القبر ومراسم الدفن، مشيراً إلى أن البلدية قامت بتجهيز عشرات القبور الأخرى في مكان معزول عن باقي المقابر كإجراء احتياطي لاستقبال جثث أخرى من المتوفين بفيروس كورونا.

وتتعاظم المخاوف لدى عوائل تونسية بسبب وفاة أقارب لهم يعيشون في المهجر بفيروس كورونا، وخصوصاً في دول غير إسلامية، وحديث عن حرق الجثث هناك، إذ تحولت حادثة وفاة أول مواطن تونسي من المقيمين في إقليم لومباردي الإيطالي بفيروس كورونا إلى قضية رأي عام، بعد أن شاع خبر إحراق جثته من قبل السلطات الإيطالية، ما دفع القنصلية التونسية بميلانو إلى تكذيب الأمر ونشر صور توثق عملية دفن الميت في مقابر للمسلمين.

مخاوف تفشي العدوى من جثث الأموات إلى الأحياء خلال مراحل عملية الدفن، دفعت مجموعة من الكوادر الطبية في تونس إلى إصدار دليل علمي يتضمن بروتوكولاً شاملاً في كيفية التعامل مع الجثة المصابة بالفيروس وصولاً إلى مرحلة الدفن.

وفي هذا الخصوص، أكد رئيس الهيئة الوطنية للطب الشرعي الدكتور محمد بن ذياب لـTRT عربي، وهو أحد القائمين على صياغة دليل بروتوكول دفن الموتى ضحايا كورونا، أن الفيروس يبقى في جثمان المتوفى لساعات، وباستطاعته أن يلحق العدوى سواء بالجثث الملاصقة له في برادات الموتى أو للمحيطين به من الأحياء، موصياً بضرورة عدم تغسيل الجثمان أو تكفينه أو لمسه لضمان سلامة أقارب الضحية أو الإطار الطبي.

ويشير الدكتور إلى أن جثمان المتوفى بفيروس كورونا يُلف بأكياس طبية عازلة بإحكام ويُرش سائل التعقيم، مشدداً على أن عملية الدفن تجري وفق الشعائر الدينية مع مراعاة الجانب الوقائي واحترام حرمة الميّت نافياً ما يشاع حول إمكانية حرق الجثث أو التخلص منها بطرق أخرى.

جثمان المتوفى بفيروس كورونا يُلف بأكياس طبية عازلة بإحكام ويُرش سائل التعقيم
جثمان المتوفى بفيروس كورونا يُلف بأكياس طبية عازلة بإحكام ويُرش سائل التعقيم (TRT Arabi)

جدل اجتماعي وشرعي

طريقة التعامل مع جثة المتوفى بكورونا طرحت بدورها جدلاً اجتماعياً وفقهياً في تونس، حول كيفية تجهيز الميّت ودفنه وجواز غسله والصلاة عليه جماعة من عدمه، ما دفع مجموعة من شيوخ وعلماء بجامعة "الزيتونة" إلى نشر بيان شرعي، أوضحوا فيه الأحكام الشرعية في هذا الخصوص.

وتراعي عملية تغسيل الميت بفيروس كورونا حسب البيان الشرعي التدرّج، إما برشه بالماء وتعميمه عن بعد أو إذا عجز عن تغسيله خوفاً من الضرر يقع اللجوء إلى التيمم، وفي حال عجز عن ذلك يقع دفنه على حاله ولا حرج في ذلك "لأن التغسيل حق للميت على جماعة المسلمين، وحفظ النفس حق للجماعة، فيقدّم حفظ الأنفس على حق التغسيل"، حسب البيان ذاته.

أهل الميت، حسب رئيس قسم الشريعة والقانون بجامعة الزيتونة الدكتور إلياس دردور، وأحد المشاركين في صياغة البيان الشرعي، لا يجوز لهم تغسيل الميت أو لمسه، وتوكل العملية إلى إطار طبي مختص، كما نبه دردور في حديثه إلى TRT عربي إلى أن عملية دفن الميت بكورونا يكون في مقابر المسلمين، ولا يجوز لأحد الاعتراض على ذلك.

وكان مفتي الديار التونسية عثمان بطيخ أكد لوسائل إعلام محلية أن غسل الميت يعد من السنن، وأنه يجوز أداء شخص واحد صلاة الجنازة على المتوفى بفيروس كورونا تجنباً للعدوى.

الإجراءات الاستثنائية لدفن موتى فيروس كورونا من المسلمين ليست حكراً على تونس، إذ حثت دول عربية أخرى على غرار الجزائر ومصر والأردن على اعتماد بروتوكول خاص خلال عملية دفن الميت وعدد الأشخاص المسموح لهم حضور الجنازة، وذلك حفاظاً على الأرواح والأنفس.

يشار إلى أن آخر حصيلة لعدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا تجاوزت عتبة المليون شخص، حسب موقع "ورلد متر" فيما لا تخفي منظمة الصحة العالمية قلقها من مواصلة الفيروس انتشاره عالمياً وحصد مزيد من الأرواح، في وقت تتسابق فيه مخابر عالمية لإيجاد لقاح ناجع لهذا الفيروس القاتل وإنهاء كابوس يفتك بالبشرية.

المصدر: TRT عربي