ارتباط الاستبداد السياسي بالدول النفطية لا يعد أمراً من قبيل المصادفة، فقد برز مفهوم مفارقة الوفرة ليفسر تلك العلاقة المتلازمة، بل ويعلل تنامي احتمالات وقوع تلك الدول في أزمات اقتصادية وسياسية طاحنة أكثر من غيرها.

يقول خوان بابلو بيريز ألفونسو، أحد مؤسسي منظمة أوبك: "ما النفط سوى فضلات الشيطان، ونحن نغرق فيها".

تُحيلنا هذه المقولة إلى تلك السمة المشتركة بين أغلب الدول الغنية بالثروات النفطية، وهي ارتباطها الشديد بالحكم الاستبدادي.

ذلك لأنّ اقتصاداتها ونُظمها السياسية تتشكل تشكلاً جوهرياً بفعل الاعتماد القوي على تدفق الإيرادات النفطية. هنا تتشكل علاقة عكسية بين الاعتماد المفرط لهذه البلدان على الثروات الطبيعة، وبين معدلاتِ النمو الاقتصادي، والتي تُعرف باسم لعنة الموارد.

الدول الغنية بالموارد النفطية لديها احتمالات أكبر للتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية خانقة أكبر من غيرها
الدول الغنية بالموارد النفطية لديها احتمالات أكبر للتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية خانقة أكبر من غيرها (Getty Images)

لعنة الموارد

لعل مفهوم مفارقة الوفرة الذي أدخلته تيري كارل في كتابها مخاطر الدولة النفطية، يفسّر ما تشهده دول نفطية كالجزائر وليبيا وفنزويلا من حراكات وأزمات سياسية حادة، فهي دول يعتمد ناتجها المحلي بنسبٍ كبيرة على إيرادات النفط. بحسب تفسير كارل، يقودنا هذا إلى أمرين:

يتمثل الأول في تمركُزِ السلطة في يد حكومات مستبدة تتجنب خطوات التنمية المستدامة لفترة أطول، بل قد تتعمد الإخفاق في ذلك حتى لا تطالب الشعوب بحكومات ديمقراطية، وتبقى الثروات والسلطة مركّزة في يد حكومات تصعب إزاحتها، أو قد يصل الأمر إلى إنفاقها أموالاً هائلة على شراء المعارضين السياسيين، أو قمعهم.

أمّا الثاني، فهو نشوء اقتصاد ريعي يكون فيه النفوذ الاقتصادي شديد المركزية، يسعى وراء إدخال بدائل إنتاجية، ويقوي النزعات الاستهلاكية لدى مواطنيه، ويقلّل معدلات الضرائب المحلية، وبالتالي يكون المورد الرئيسي لخزانة الدولة هو العوائد النفطية وليس الضرائب المستمدة من الدخل، ما يجعل خيار المسائلة الشعبية للأنظمة مشروطاً بالتخلي عن النظام الاقتصادي الريعي.

ولكنْ، نظراً إلى الطبيعة المتقلبة لأسواق النفط، غالباً ما تقع هذه الدول ضحية انهيارات مفاجئة في حجم العوائد تُدخلها في نفق أزمات حادة، وفي جحيم الفوضى العارمة.

أزمات خانقة

في الجزائر، ثاني أكبر الدول الإفريقية إنتاجاً للنفط، وبفعل تأثير موجة احتجاجات الربيع العربي، رفعت الحكومة الإنفاق العام بنسبة 25%‏، وتبنت برامج إعانة اجتماعية وسكنية ووظائف حكومية، من أجل امتصاص الغضب الشعبي.

إلا أن انهيار أسعار النفط في 2014 قوّض استمرارية هذه البرامج، ما سبّب أزمة اقتصادية حادة دفعت الجماهير إلى الخروج في حراك حاشد.

هذا الحراك استمر أكثر من شهرين منذ فبراير/آب المنصرم، ووضع النظام السياسي الجزائري في وضع حرج انتهى باستقالة الرئيس واشتداد أزمة البلاد الاقتصادية وتدنٍّ في قيمة عملتها الوطنية.

سقطت فنزويلا في أزمة اقتصادية حادة على خلفية انهيار أسعار النفط في 2014 دفعت البلاد إلى نفق سياسي  مظلم
سقطت فنزويلا في أزمة اقتصادية حادة على خلفية انهيار أسعار النفط في 2014 دفعت البلاد إلى نفق سياسي  مظلم (AP)

أما فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفط في العالم، فقد شهدت فترة من تحسُّن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بعدما ذهبت المليارات من عوائد النفط للإنفاق على إصلاحات وبرامج اجتماعية.

برامجُ اعتمدت بالأساس على عوائد النفط، غير أنها لم توجَّه في خطط اقتصادية مستدامة. ولذلك فإن أي تقلب في أسعار النفط سيقف حائلاً أمام استمراريتها، وهو ما حدث بالفعل.

بعد انهيار أسعار النفط عام 2014، دخل البلد مرحلة انهيار اقتصادي حاد، وسقط في مأزق سياسي سمح لرئيس البرلمان خوان غوايدو، المنتمي إلى الحزب المعارض للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلى إعلان شغور منصب الرئيس وآدائه اليمين الدستورية كرئيس للبلاد، في ظلّ استمرار حكم الرئيس مادورو، وذلك على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

خصوصية دول الخليج النفطية

قد يبدو الوضع بالنسبة لدول الخليج مختلفاً عن باقي الدول النفطية، لأنها تتمتع باستقرار اقتصادي واجتماعي، ويُصنَّف مواطنوها من بين الأعلى دخلاً في العالم. فهل هذه الدول محصّنة من الوقوع في أزمات؟

ارتبطت الطفرة النفطية منذ ستينات القرن الماضي في منطقة الخليج العربي بإنشاء كيانات سياسية لاستغلال هذه الثروات وإدارتها، معتمدةً على النظام القبائلي.

تتوجه إيرادات النفط في هذه الدول إلى السلطة الحاكمة بشكل مباشر، وتوزَّع على عدد محدود جداً من مواطنيها.

ارتبطت الطفرة النفطية في منطقة الخليج العربي بإنشاء كيانات سياسية لإدارة هذه الثروات
ارتبطت الطفرة النفطية في منطقة الخليج العربي بإنشاء كيانات سياسية لإدارة هذه الثروات (Reuters)

يقول ناصر زهير، باحث بمركز جنيف للدراسات السياسية، في حديثه لـTRT عربي، إنّ "طبيعة النظام السياسي وشكله هو ما أوجد حالة من الاستقرار الاقتصادي لمواطني هذه الدول، فنشأتها بمفهوم الدولة الحديثة توازى مع الطفرة النفطية التي شهدها العالم بدءاً من ستينيات القرن الماضي، من أجل إدارة الثروات النفطية".

ويضيف أن "شيوخ قبائل هذه الدول ومواطنيها مرتبطون بعلاقات وثيقة برأس السلطة، وبالتالي لا توجد حركة مدنية أو سياسية على غرار تلك الموجودة في الدول النفطية الأخرى، التي خرجت في احتجاجات ضد السلطة السياسية".

أما من الناحية الديموغرافية، فيضيف المتحدّث نفسه أن "عدد مواطني دول الخليج ضئيل جداً مقارنة بالدول النفطية الأخرى، ما ينعكس بالطبع على توزيع الثروات".

هكذا، فإن الاقتصادات النفطية في منطقة الخليج لها خصوصية من ناحية نُظمها السياسية. هذه الأخيرة تشكّلت بفعل التدفقات المالية الناتجة عن إيرادات النفط، التي ظلّت عنصراً أساسياً في بقاء النظام السياسي.

استقرار اقتصادي؟

يصنف اقتصاد دول الخليج بأنه اقتصاد ريعي بالأساس، وأي تقلّب في أسعار النفط -على غرار الاقتصادات الريعية- من شأنه أن يؤثر على الوضع الذي يُوصف بأنه مستقر. قبل سنة 2014، مكّن ارتفاع أسعار النفط الدول المنتجة للنفط من تحقيق عائدات ضخمة لتتناسب نفقاتها طردياً مع معدّل هذه العائدات.

وهكذا، اندفعت دول الخليج نحو الإنفاق الضخم على برامج القطاع العام والدفاع. حيث خصّصت 113 مليار دولار للمعدات العسكرية.

ولامتصاص آثار الربيع العربي على مواطنيها، فقد خصّصت 150 مليار دولار لبرامج الإعانات الاجتماعية.

لكن بعد انهيار أسعار النفط (حيث فقد سعر البرميل الواحد أكثر من 70% من قيمته)، خسرت دول المنطقة أكثر من 340 مليار دولار من العوائد النفطية عام 2015 وحده.

هذه الأزمة دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير في مصادر الدخل والإنفاق، فاتخذت بعض الإجراءات التقشفية، ومنها فرض ضريبة القيمة المضافة، كما فعلت السعودية والإمارات العربية المتحدة، للمرة الأولى في تاريخ دول اعتادت على معدلات ضريبية متدنية.

بالنسبة للسعودية، فقد اتخذت عدة إجراءات، من بينها رفع أسعار المحروقات بنسبة 50%، وأسعار المياه والكهرباء، وتخصيص 5% من شركة أرامكو، التي تُعتبر الأكبر عالمياً في تصدير النفط، للاكتتاب العام بحلول 2021.

الحكومة السعودية قررت تخصيص 5% من شركة أرامكو المملوكة بالكامل للدولة للاكتتاب العام لرفع إيرادات المملكة بعد أزمة انهيار أسعار النفط
الحكومة السعودية قررت تخصيص 5% من شركة أرامكو المملوكة بالكامل للدولة للاكتتاب العام لرفع إيرادات المملكة بعد أزمة انهيار أسعار النفط (Reuters)

في هذا الإطار، يرى عبد السميع بهبهاني، خبير في الشؤون النفطية، في حديثه لـTRT عربي، أنّ "الدول النفطية بالفعل تشهد أزمة سبَّبها الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، وعجز الموازنات العامة، وتسعى الآن لتخطيها بالتّوجه إلى الاستثمار في الصناديق السيادية، استعداداً لمواجهة حقبة ما بعد النفط".

من جهته، يرى ناصر زهير أنّ "هذه الدول اتجهت إلى اتخاذ بعض التدابير مثل توطين الوظائف، أي حصرها على مواطني الدولة فقط دون الوافدين، خاصةً بعدما خلق الاقتصاد الريعي جيلاً كاملاً من العاطلين عن العمل. هذا بالإضافة إلى تدشين مشروعاتٍ قومية لاحتواء الأزمة. هذه الخطوة قد تكون متأخرة بعض الشيء، ما سيجعل تأثير أزمة انهيار أسعار النفط تمتدّ خلال السنوات العشر القادمة".

النفط والديمقراطية؟

هناك فرضية تربط بين النفط والاستبداد السياسي. في هذا السياق، توصّلت دراسات عدّة إلى أن حوالي 60% من دول العالم، التي تحولت إلى الديمقراطية، لم تصنف ضمن الدول النفطية. كما كشفت أيضاً أن الدول الأقلّ موارداً نفطية لديها فرص أكبر للتحول إلى الديمقراطية، بالمقارنة مع البلدان الغنية.

وتوصّلت الأبحاث إلى أن الوفرة النقدية التي توفّرها الموارد النفطية أخفقت في دفع عجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي، ما يعني أن وتيرة الأداء الاقتصادي للدول النامية الغنية بالنفط أبطأ من مثيلاتها الأقل موارداً.

السبب، حسب هذه الدراسات، أن الدول النفطية، عكس باقي الدول النامية، لا تمتلك سياسات هيكلية مستدامة، وتضطرّ بذلك للجوء إلى سياساتٍ ترقيعية كلّما كشفت مؤشراتها الاقتصادية عن مشاكل.

المصدر: TRT عربي