يمتلئ بيان (مانيفستو) إرهابي نيوزيلندا بالإشارات لتركيا. وينظر خبراءٌ إلى هذا الأمر باعتباره مؤشراً على أنَّ تركيا مرادِفة للإسلام في عيون القوميين المتشددين في الغرب.

بالرغم من أنَّ الكثيرين غير قادرين على تجاوز الفزع الناتج عن الهجومين الإرهابيين المميتين على المسجدين في نيوزيلندا، واللذين أوديا بحياة 50 شخصاً، إلا أنّ الحديث بشأن دوافع الإرهابي الأسترالي برينتون تارانت بات مفتوحاً للنقاش.

فقد انهمك عددٌ كبير من الخبراء في تحليل الدوافع والمشاعر الكامنة وراء الهجوم البشع، وصبّوا جُلَّ تركيزهم على تفاصيل البيان الذي نشره المُهاجِم على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي مباشرةً قبل وقوع الهجومين.

وبحسب البيان الذي جاء في 74 صفحة، الذي يُصوِّر فيه المُهاجِم نفسه بوضوح بأنَّه عنصريّ، يُوضِّح المُسلَّح الأسبابَ التي دفعته لشنّ الهجوم، والتي تتراوح بين تطلُّعه لتقليص عدد المهاجرين (الذين يصفهم بالغُزاة)، وحتى منع الإحلال العِرقي (حيث يُحذِّر من تراجع معدلات مواليد الأوروبيين).

في نفس الوقت الذي يذكر فيه تارانت تفاصيل الأسباب التي دفعته لشن الهجوم، يدعو أيضاً ذوي البشرة البيضاء على أن يحذوا حذوه. ومن بين الأسباب المُفصَّلة الـ15 التي ساقها لتبرير ارتكابه للهجومين، ذكر الإرهابي هدفه في "دق إسفين بين بلدان حلف شمال الأطلسي الأوروبية والأتراك، الذين يُشكِّلون هم أيضاً جزءاً من الناتو".

ويذكر المُهاجِم أيضاً أنَّ تركيا يجب أن تكون خصماً للغرب، تماماً كما كانت في مراحل تاريخية سابقة.

الكاتب محمود أوفر يقول إنَّ الهجوم على المسجد "ليس حادثاً إرهابياً عادياً". ويصف الهجومين باعتبارهما امتداداً لتصاعد الإسلاموفوبيا (رُهاب الإسلام)، والعنصرية، والمشاعر المعادية للأتراك بسبب ربطهم بالإسلام.

ويشير أوفر قائلاً: "حتى ساسة تيار الوسط يخضعون لتأثير العنصرية والفاشية. وهم يستندون إلى الذاكرة التاريخية"، مُشدِّداً على أنَّ هذه العقلية لم تنسَ "آيا صوفيا التي تعود إلى 500 سنة مضت".

ويضيف: "والآن، تحول هذا العداء المرتبط بالماضي إلى صورة جديدة، وبات اسم العدو هو الإسلام".

لماذا تركيا؟

يُعلِن الإرهابي الأسترالي في بيانه آراءه ودوافعه وتطلعاته وموقفه السياسي وأيديولوجيته، ويُعرِّف نفسه صراحةً بأنَّه أحد المؤمنين بتفوق العِرق الأبيض، وأنَّه عنصري وقوميّ إثنيّ وفاشيّ بيئيّ وحزبيّ. لكن بالإضافة إلى كلّ هذا، هناك مؤشر قوي على أنَّ المهاجم معادٍ للأتراك – ولو أنَّه لا يذكر هذا صراحةً - بالنظر إلى أنَّه خصَّص جزءاً كاملاً في بيانه للأتراك.

يهدد تارانت تركيا في البيان قائلاً: "نحن قادمون إلى القسطنطينية (مُستخدِماً الاسم التاريخي لإسطنبول)، وسندمّر كل مسجد ومئذنة في المدينة. وستخلو آيا صوفيا من المآذن، وستكون القسطنطينية بحقّ مِلكاً مسيحياً من جديد".

ويذكر الإرهابي الأسترالي آيا صوفيا أكثر من مرة في بيانه، مُردِّداً: "سيظل رجال أوروبا رجالاً بالاسم فقط إلى أن تخلو آيا صوفيا من المآذن".

وكانت آيا صوفيا قد بُنيَت بالأساس لتكون كنيسة مسيحية في القرن السادس عشر بإسطنبول، ثُمَّ حُوِّلَت إلى مسجد عام 1453 حين سيطر العثمانيون على المدينة من البيزنطيين. وبات المبنى في الوقت الراهن متحفاً.

بالنسبة لعادل ساريباي، رئيس قسم علم نفس بجامعة بوغازيتشي، ليست هناك أي مفاجأة في كراهية الإرهابي لتركيا، فالأتراك، كما يقول، كان لهم وجودٌ قوي في المشهد التاريخي وكان يُنظَر إليهم باعتبارهم "الآخر"، وباعتبارهم عدواً ومصدر تهديد طوال مئات السنين.

ويقول ساريباي إنَّ "الأتراك لا يزالون مستمرين في كونهم فاعلين مهمين في الشؤون الدولية، واندمجوا مع المجتمع الغربي، وهو الشيء الذي قد يكون أكثر إزعاجاً بالنسبة لمتطرفٍ "يُفضِّل أن يرى العالم بثنائية الأبيض والأسود، ويمكن أن يغيظه تماماً أي اجتماعٍ بينهما".

ويشير المتحدّث ذاته قائلاً: "لدى الشخص العنصري خطوطٌ فاصلة واضحة، فبالنسبة له الأمر إمَّا (نحن) أو (هم). لذا تكون لديه رغبة للقضاء على أي جمعٍ بين متضادين أو متكافئين. وبهذا المعنى يمكن أن تكون تركيا، من بين كل البلدان الإسلامية، هي الأكثر إزعاجاً".

هناك تفاصيل أخرى أيضاً يكشف فيها المُسلَّح عن مشاعره المعادية للأتراك. ففي صور سلاحه ـ الذي استخدمه لارتكاب المذبحة ـ والتي التي نُشِرَت على حسابه بتويتر قبل أن يُحذَف، توجد أيضاً إشاراتٌ لشخصيات تاريخية شهيرة قاتلت ضد المسلمين.

وكانت أبرز تلك الأسماء التي شُوهِدَت على سلاحه هو ميلوش أوبيليتش، الذي قتل السلطان العثماني مراد الأول أثناء معركة قوصوة (كوسوفو حالياً) عام 1389. كما حملت بندقيته أيضاً أسماء قادة عسكريين قادوا ثوراتٍ ضد الدولة العثمانية.

وكان مكتوباً على بندقية الإرهابي كذلك أسماءٌ مثل هونيادي يانوش، القائد المجري الذي تصدّى لمحاولات العثمانيين السيطرة على بلغراد مرتين، وإرنست روديغر فون شتاريمبرغ، أحد الجنرالات الذين قادوا هزيمة العثمانيين في معركة فيينا عام 1683، وهي المعركة التي انتهى فيها حصار فيينا وبدأ العثمانيون في الانسحاب.

وكُتِب على البندقية أيضاً "Turkfagos" (آكلو الأتراك) بأحرفٍ كبيرة، في إشارة إلى لقبٍ كان يُطلَق في الغالب على القوات اليونانية التي تقاتل العثمانيين.

رمز للكراهية

قبل أن يقوم بعملية إطلاق النار، يمكن رؤية تارانت في مقطع الفيديو وهو يقود سيارته ويستمع إلى أغنية تُمجِّد قائد صرب البوسنة أثناء حرب البوسنة رادوفان كاراديتش، الذي أُدين بارتكاب إبادة جماعية على خلفية مذبحة سربرنيتسا عام 1995. والأغنية هي جزءٌ من فيديو موسيقي دعائي أنتجه ثلاثة من جنود صرب البوسنة، وكان تارانت يستمع إليه أثناء البث المباشر للهجوم على المسجد. وأصبحت الأغنية فيما بعد ميم إنترنت معروفاً باسم "Remove Kebap" (أو إزالة الكباب)، والذي يشير إلى التطهير العِرقي للمسلمين.

وكانت هناك إشارة أيضاً إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في بيان الإرهابي. وقال أردوغان، في مقالٍ كتبه لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية الثلاثاء الماضي: "كان عدد المرات التي ذُكِرتُ فيها أنا وتركيا في البيان مثيرةً للفضول وتستحق نظرةً أعمق".

فقد جاء في البيان: "يجب أن ينزف زعيم الحرب هذا (يقصد أردوغان) حتى الموت حين يزور جنودَه الإثنيين الذين يحتلون أوروبا حالياً". ويؤكد الإرهابي كذلك على أنَّ موت أردوغان من شأنه "دق إسفين" بين الأتراك وأوروبا.

ويلفت إينز بايراكلي، مدير برنامج الدراسات الأوروبية بمؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا، النّظر إلى أنَّ فرز وإبراز عدد المهاجرين ذوي الأصول التركية وحدهم، مقروناً بالمخاوف التاريخية، هو الذي قاد أولئك في تيار اليمين المتطرف لتبنّي الخطاب المعادي للأتراك باعتباره آلية لمفاقمة العنصرية في أوروبا.

ويقول بايراكلي: "الإسلاموفوبيا والتركوفوبيا (الخوف من الأتراك) هما فكرتان تستندان إلى بعضهما البعض. ويمكننا أن نلاحظ بسهولة أنَّ خطاب اليمين المتطرف يرتكز على التركوفوبيا، خصوصاً في بلدان مثل النمسا والمجر وصربيا وألمانيا، بسبب العداء التاريخي والعدد الكبير من الأتراك المقيمين هناك، على حدّ سواء".

وأضاف بايراكلي أيضاً أنَّ أردوغان سببٌ أساسي في استهجان بعض الدوائر المعادية للإسلام في المجتمع الغربي بتركيا، وذلك بسبب دوره القيادي في المجتمع الإسلامي.

يقول بيراكلي: "يجرؤ أردوغان في كلّ فرصة على رفع صوته في وجه الفظائع التي تُرتَكَب ضد المسلمين في مختلف أنحاء العالم، بعكس الآخرين، وهذا سبب تحوله إلى هدفٍ للمتطرفين".

مترجم عن TRT World

المصدر: TRT عربي