ينتقد الكثير من مواطني الدول العربية مجتمعاتهم، ويشتكون من الأوضاع داخل بلدانهم، معبّرين في الكثير من الأحيان عن رغبتهم في الهرب إلى بلدانٍ أخرى تحتوي أحلامهم وطموحاتهم.

شهد الوطن العربي في العقد الأخير تزايداً وتسارعاً كبيراً في هجرة كثيرين من أبنائه إلى دولٍ أخرى، إما هرباً للحفاظ على حياتهم من واقعٍ سياسي ودكتاتوري كارثي، وإما بحثاً عن فرصةٍ أفضل في الحياة سواء من خلال الوظيفة أو التعليم، وإما محاولةً للتخلص من الأوضاع الاجتماعية والثقافية الخانقة.

فمع اندلاع الثورات العربية، أصبحت مسألة الهجرة واحدةً من المسائل الجوهرية التي تراود الشباب العربي، لافتقارِهم إلى الأمان على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية في ظلّ الأوضاع الداخلية المضطربة وتراجع الأوضاع الاقتصادية والمادية، وتدنِّي فرص المشاركة السياسية-الاجتماعية نظراً إلى القيود التي تفرضها السلطات والحكومات التي تحرم الفرد من صوته الذي يعبّر عنه وإمكانية مشاركته في أي فعلٍ مؤثّر يضمن له حقه في الحياة الآمنة والكريمة.

ومِن ثَم، كانت الهجرة بالنسبة إلى كثير من الأشخاص، لا سيما فئة الشباب، جواباً أساسياً لأسئلة المستقبل لديهم في ظل انعدام الفرص التي يمكن لأوطانهم أنْ تقدّمها لهم. لكنها حملت معها كثيراً من الأسئلة الأخرى المتعلقة بالانتماء والهوية إلى أوطانهم، ومآلات هذه الرغبة بالهرب أو الابتعاد سواء عليهم أو على الأجيال القادمة... فهل يكره العرب أوطانهم؟

لماذا الرغبة في الهرب؟

عديد من الأسباب يفسّر ظاهرة الهجرة بين الشعوب العربية بشكلٍ عامّ، منها ما يرتبط بالضغوطات البيئية والسياسية والاجتماعية، أو بالأوضاع الاقتصادية التي تفسّر الهجرة من منظور العمل والوظيفة، وتُشير إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية السيئة يدفعان الأفراد إلى ترك أوطانهم والبحث عن أماكن جديدة توفّر لهم فرصاً أفضل للعيش من الناحية الاقتصادية.

أكثر من نصف السكان (52% تقريباً) في مختلف الدول العربية، الذين تقلّ سنّهم عن ثلاثين عاماً، يرغبون في الهجرة والخروج من بلدانهم.

استطلاع شبكة البارومتر العربي البحثية، 2019

ففي استطلاعٍ حديثٍ أُجريَ قبل عامين تَبيَّن أن أكثر من نصف السكان (52% تقريباً) في مختلف الدول العربية، الذين تقلّ سنّهم عن ثلاثين عاماً، يرغبون في الهجرة والخروج من بلدانهم ويسعون إليها لأسباب عديدة أهمّها الأوضاع الاقتصادية وما يتخللها بها من فساد واضطرابات في تلك البلدان.

في هذا السياق تُشير الباحثة في العلوم السياسية والمجال الاجتماعي فردوس سعيد، في حديثها مع TRT عربي، إلى أن انعدام المشاركة السياسية يُعَدّ واحداً من أكثر الأسباب التي تُفضي بالشباب العرب إلى الهجرة أو السعي إليها امتداداً لوعيهم بأنهم لا يستطيعون تغيير الواقع السياسي أبداً، ومنه أيضاً العجز عن التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها...

وتُشير سعيد إلى أن مشكلة الشباب العربي بشكلٍ أساسي ليست مع أوطانهم أو مع الانتماء إليها، بل مع الحكومات التي لا توفّر أيّاً من متطلبات العيش الآمن، من عملٍ وتعليمٍ وحريات، وهي الأمور التي يجدها في الدول الأخرى التي يهاجر إليها، مؤكّدة أن "المشاركة السياسية الفعالة تزيد إحساس الفرد بالانتماء إلى وطنه وشعوره بالانتماء إلى جماعة حاصلة على حقوقها وتعرف واجباتها".

المفكّر السوري برهان غليون أكّد سابقاً في كتابه "عطب الذات"، أن طبيعة الأزمة الحقوقية في العالَم العربي هي أزمة سياسية بامتياز، وأن الثورات العربية جميعها كانت تعبيراً عن رغبة الشعوب في توليد ثقافة ونظمٍ سياسية تضمن للأفراد حقوقهم وحرياتهم الفردية ومساحاتِهم الخاصة وتشكيلَ مجالٍ عامٍّ تعدُّديّ وديموقراطي يضمن لهم تلك الحقوق والحريات.

من جهةٍ ثانية ساهمت العولمة والانفتاح الذي توفّره وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة في الترويج لفكرة الهجرة أكثر وأكثر، وجعلها مقبولةً ومرغوبة لدى كثير من الشباب العربي الذين يتابعون من خلال تلك المنصات تجارب غيرهم ممن هاجر وترك بلده واستقر في بلدٍ آخر.

كما توفّر تلك الوسائل حوافز عديدة للهجرة على المستوى الشخصي والفردي للأفراد، من خلال تشكيل الرغبات لتَعرُّف ثقافات جديدة تحترم الفرد، وتحقّق له حريته الشخصية، وتوفّر له حيّزاً ممكناً لتحقيق طموحاته وأهدافه، سواء على المستويات الأكاديمية أو المهنية أو غيرها، عوضاً عن التسهيلات التي يمكن أنْ يوفّرها كثير من الدول التي تستقبل المهاجرين على أثر الحروب والمجاعات والكوارث التي تحدث في كثير من البلدان اليوم.

علم النفس يُجيب

كان عالِم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو مهتمّاً للغاية بالعلاقة بين علم النفس والسياسة. وخلال خمسينيات القرن الماضي حاول تعريف الديمقراطية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من تعريف الصحة العقلية والنفسية للأفراد، واختبار مدى جدواها في تمجيد الكرامة الفردية والتسامح وتعزيز حرية الاختيار، وأثر ذلك كله على الفرد.

العالَم العربي يتصدر دول العالَم التي تعاني من أزمة البطالة كما يشكّل خريجو الجامعات ما يقرب من 30% من العاطلين عن العمل في المنطقة>

الموقع الرسمي للبنك الدولي

وقد وضع هرماً شرح من خلاله أهم الاحتياجات الإنسانية متدرجةً حسب أهميتها وضرورة تلبيتها، ويتكون هذا الهرم من: الاحتياجات الفسيولوجية مثل الأكل والنوم، واحتياجات الأمن والأمان بما فيها الأمن الوظيفي والأمن الصحي والأمن الأسري والأمن النفسي والمعنوي، ثم الاحتياجات الاجتماعية مثل الصداقة والعلاقات العاطفية والاجتماعية، وأخيراً الحاجة إلى التقدير تليها الحاجة إلى تحقيق الذات.

رأى ماسلو أن الاحتياجات الخمسة في هرمها المتسلسل لا تقتصر على الفرد نفسه فقط، بل تتأثر أيضاً بعوامل السياسة والديمقراطية والسلطة والمجتمع الذي يعيش فيه الفرد. فكيف يمكن أنْ نفهم هذا في ضوء العالَم العربي؟

تُشير إحصائيات نشرها الموقع الرسمي للبنك الدولي إلى أن العالَم العربي يتصدر دول العالَم التي تعاني من أزمة البطالة، كما يشكّل خريجو الجامعات ما يقرب من 30% من العاطلين عن العمل في المنطقة. وتتصدر ليبيا القائمة بنسبة 48.9%، تليها موريتانيا بنسبة 46%، ثم فلسطين بنسبة 42.7%، أما في مصر فقد زادت نسبة البطالة خلال العقدين الآخرين بنسبة 12.6% لتصبح 42%.

يعني هذا أن إمكانية تحقيق الاحتياجات الفسيولوجية واحتياجات الأمان بما فيها الأمن الوظيفي ضئيلة للغاية في الوطن العربي. وبالإضافة إلى هذا كله، حملت السنوات الأخيرة كثيراً من صور القتل والسجن والإعدامات والملاحقات، وأشكالاً مختلفة من القمع السياسي وانعدام الأمان الشخصي والأسري في كثير من المدن العربية، بما يؤكّد غياب أي شكلٍ من الأمان، سواء من الناحية الجسدية أو السياسية أو الاقتصادية.

ووفقاً لهرم ماسلو الشهير، يمكننا القول إن الوضع الاقتصادي والوظيفي الجيد، اللذَين يتماشيان مع الوضع السياسي الجيد، ذلك كله يجعل الأفراد أقلّ قلقاً حيال حاضرهم ومستقبلهم، وحيال أنفسهم وعائلاتهم، وأقل حِقداً على بلدانهم. أما في حال وجود العكس، فسيبقى القلق والخوف جاثمين على صدور المواطنين في المجتمعات العربية.

بكلماتٍ أخرى، عَجْزُ الفرد عن إشباع احتياجاته الأساسية سيولّد القلق والاكتئاب والخوف من المستقبل وانعدام الأمان في الحاضر. ونظراً إلى ما افترضناه من أن كثيراً من الشباب في الوطن العربي لا يزالون عالقين في أسفل التسلسل الهرمي، فهذا قد يفسر لنا الرغبة في الهرب التي تراود كثيرين في البلدان العربية، وأيضاً ارتفاع معدلات الهجرة بحثاً عن مكانٍ أكثر أماناً من جميع النواحي.

المصدر: TRT عربي