الطائرات بدون طيار الإيرانية والتي استعملت في هجمات روسية على أهداف أوكرانية (Others)
تابعنا

شهد القتال الذي استمرّ سبعة أشهر في أوكرانيا عشرات آلاف القتلى من الجانبين، مما زاد المخاوف العالمية من تصعيد محتمَل للصراع إلى الدول المجاورة ومناطق أخرى فيها الغرب وروسيا على طرفي نقيض.

أثارت الضربات الروسية الأخيرة بطائرات مسيَّرة ضدّ مختلف المدن الأوكرانية بعد الانفجارات المميتة على جسر كيرتش، الذي يربط شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو عام 2014 مع البرّ الرئيسي الروسي، قلق العواصم الغربية، لأن الطائرات المسيَّرة المسلحة تلك كانت إيرانية الصنع.

بينما تنفي إيران بيع طائراتها المسيَّرة لروسيا واستخدامها في الصراع الأوكراني، يُجمَع عالميّاً على أنها من صنع إيراني، الأمر الذي يوضح كيف جذب الصراع لاعبين إقليميين آخرين مثل طهران. من جانبها تنفي روسيا أيضاً أنها استخدمت طائرات إيرانية مسيَّرة ضدّ أوكرانيا.

بعض المصادر غير الرسمية في إيران يُقِرّ بأن طهران باعت هذه الطائرات الحربية لروسيا. يقول محلّل سياسي مقيم في طهران، يفضّل عدم الكشف عن هويته، إن "لإيران كل الحق في بيع طائراتها الحربية لأي دولة، ولا يمكن لأحد أن يمنع البلاد من ذلك".

في حين أن إيران تعتبر روسيا "سوقاً"، لا يعتقد المحلل الإيراني أن طهران تقف تماماً في الجانب الروسي في الصراع الأوكراني، مستشهداً بامتناع إيران عن التصويت على قرار في الأمم المتحدة حول استفتاءات موسكو في المناطق الشرقية والجنوبية لأوكرانيا التي أُجريَت قبل أسبوعين.

بينما صوتت أغلبية ساحقة لصالح إدانة "الاستفتاءات غير القانونية المزعومة" لروسيا، لم تنضمّ إيران، مع مجموعة أقلية، بما في ذلك بيلاروس وسوريا ونيكاراغوا وكوريا الشمالية، إلى التصويت ضدّ إدانة الأمم المتحدة لضمّ موسكو تلك المناطق.

يشير المحلّل إلى اعتماد إيران المتزايد على روسيا لاحتياجاتها السياسية والاقتصادية، وقال لـTRT World: "لا يمكن أن يكونوا ضدّ روسيا في هذا الصراع… إنها مجرد طائرات مسيَّرة في الوقت الحالي. لكن إذا طلبت روسيا مزيداً فعليها أن تتفق مع ما يريده هذا الأخ الأكبر"، في إشارة إلى احتمال أن تزيد إيران مشاركتها في نزاع أوكرانيا مع استمرار الحرب في التعمق.

ويضيف مشيراً إلى الاحتياجات اللوجستية لروسيا: "لقد اقتربنا من الشتاء، وسيحتاجون إلى بعض الموارد الغذائية وأشياء أخرى". يلفت محللون آخرون الانتباه أيضاً إلى حقيقة أن روسيا تنفد أسلحتها مع استمرار الصراع العسكري، مما يجعل عديداً من صانعي السياسة في الكرملين متوترين.

وفقاً لأجهزة الاستخبارات في كييف، طالبت روسيا إيران ببيع آلاف من طائراتها المسيَّرة شاهد-136 لاستخدامها عبر الأراضي الأوكرانية، حتى إن طهران بدت مؤخراً كأنها تدرك أن استخدام روسيا للطائرات المسيَّرة الإيرانية تجاوز نقطة الإنكار المعقول للبلاد. قال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان يوم الاثنين، إن طهران "يجب أن لا تظلّ غير مبالية" إزاء استخدام روسيا الطائرات الإيرانية المسيَّرة ضد الأوكرانيين إذا ثبت ذلك.

لقد اشترى الروس طائرات مقاتلة إيرانية الصنع ومئات من طائرات كاميكازي الإيرانية المسيَّرة على ما يبدو. هذه الطائرات من شأنها أن تملأ الفراغ في القدرات الجوية الروسية وتمكّن الروس من نقل الحرب إلى عمق أوكرانيا على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، كما يقول إدوارد إريكسون، وهو ضابط عسكري أمريكي سابق وأستاذ متقاعد للتاريخ العسكري في وزارة دراسات الحرب في جامعة مشاة البحرية.

لذلك، وفي ظل الظروف الحالية، تحتاج كل من روسيا وإيران الأخرى، كما يرى المحللون. "هل لدى طهران ما تخسره؟ إيران ترى نفسها وحيدة تماماً، لديهم روسيا الآن وعليهم الاحتفاظ بها"، يقول المحلل الإيراني. "لطالما واجهت إيران عقوبات غربية صارمة وزادت عزلتها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018".

التعاون العسكري الروسي الإيراني

لطالما كانت روسيا وإيران حليفتين في عديد من المناطق الحساسة من سوريا إلى آسيا الوسطى، ومؤخراً انضمّ إلى القائمة الصراعُ في أوكرانيا، وهو أحدث امتداد للصلات بين الدولتين الأورو-آسيويتين. في الحرب الأهلية السورية قاتلت الدولتان معاً ضدّ القوات المناهضة للأسد، مما عمّق التنسيق السياسي بينهما.

"يبدو أن المرشد الأعلى [علي خامنئي] خلص إلى أن فشل بوتين في أوكرانيا يمكن أن يقوّض أحد حلفاء إيران الوحيدين وبالتالي يضعف موقع إيران في المنطقة"، كما يقول علي فائز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، في إشارة إلى علاقات طهران مع روسيا في الصراع الأوكراني.

"على هذا النحو، (في أوكرانيا) إيران تفعل الشيء نفسه الذي فعلته في سوريا لإنقاذ نظام الأسد: اختيار أن تصبح عدوانية في صراع بعيد عن حدودها"، قال فائز لـTRT World. الاحتجاجات الإيرانية المناهضة للحكومة هي أيضاً مصدر قلق كبير لمؤسسة طهران، التي تعتبرها مؤامرة غربية ضد البلاد، مما يدفع البلاد إلى الاقتراب من روسيا.

على الرغم من العلاقات المتزايدة بين موسكو وطهران، يعتقد فائز أن إيران لن تقدّم على الأرجح قوات برية حليفة لروسيا لمحاربة الأوكرانيين كما فعلت في الصراع السوري حيث قاتل عديد من الوكلاء الشيعة المتحالفين مع طهران جنباً إلى جنب مع الروس للإبقاء على نظام الأسد في السلطة.

للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه إيران في دعم روسيا حد معيَّن. يمكن أن تشارك تكنولوجيا في الحرب غير المتكافئة الخاصة بها مع أوكرانيا، ولكن من غير المرجح أن توفر قوات برية إلى الحد الذي من شأنه أن يغير قواعد اللعبة، على حد قوله.

على شاكلة فائز، يرى المحلل الإيراني المقيم في طهران أيضاً إن نشر المليشيات الشيعية الموالية لإيران في أوكرانيا احتمال ضئيل، معتقداً أن أوكرانيا وسوريا هما ساحتا قتال مختلفتان لإيران.

وتقول إن التمرُّد ضدّ الأسد كان تهديداً وثيقاً لإيران، مضيفاً أن تورُّط طهران في صراعات مختلفة من سوريا إلى أفغانستان يرتبط إلى حد ما بآيديولوجيتها السياسية القائمة على جذورها الثورية. ويضيف أن الوضع السياسي في أوكرانيا يختلف عن سوريا أو لبنان.

من ناحية أخرى، وفقاً لمسؤولين غربيين، نشرت طهران مدرّبيها في شبه جزيرة القرم لمساعدة الجيش الروسي على تشغيل الطائرات المسيَّرة الإيرانية أفضل وأكثر دقة عبر الأراضي الأوكرانية، مما يدلّ على تورُّط الدولة الشرق أوسطية المتزايد في الصراع. وتقول مصادر أخرى إن طهران تُجري مناقشات مع موسكو بشأن إرسال صواريخ أرض-أرض وأنظمة صواريخ أخرى إلى روسيا.

"تذكر تقارير أنه أُرسل تقنيو الطائرات المسيَّرة الإيرانية إلى شبه جزيرة القرم. لن أُفاجأ إذا أرسلت إيران فنيين للطائرات المسيَّرة للعمل مرتزقة مدفوعي الأجر للروس. هذا من شأنه أن يساعد بوتين وكذلك يزود الجيش الإيراني بخبرة قتالية قيِّمة للغاية لطياري الطائرات المسيَّرة والفنيين"، قال إريكسون لـTRT World.

لا يُقلِق التحالف العسكري الروسي-الإيراني المتزايد إسرائيل فحسب، الدولة التي لديها مشكلات مختلفة مع الجماعات الموالية لطهران، بما في ذلك حزب الله اللبناني وبعض الجماعات الفلسطينية، ولكن أيضاً دولاً مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين تتنافسان مع إيران على النفوذ في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

قبل الأزمة الأوكرانية بوقت طويل، إرسلت إيران طائراتها المسيَّرة إلى وكلائها في سوريا والعراق والبحرين وفلسطين ولبنان واليمن. بعد اختبارها في المعارك في تلك المناطق، أصبحت الآن قادرة على إنتاج طائرات مسيَّرة متوسطة الارتفاع طويلة التذخير، وطائرات مسيَّرة من طراز كاميكازي، وهي أكثر فاعلية من حيث التكلفة من نسخها الغربية، كما يقول المحلل العسكري أولاس بيهليفان.

ما مدى فاعلية الطائرات المسيَّرة الإيرانية؟

حسّنت إيران تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة كثيراً في السنوات الأخيرة، ومع ذلك لم تقترب فاعليتها القتالية من الطائرات المسيَّرة المسلحة المتطورة للغاية مثل TB2 وبيرقدار تركية الصنع، وفقاً لخبراء عسكريين.

لقد أجبر خضوع إيران للعقوبات لفترة طويلة قياداتها على الذهاب نحو تطوير صناعاتها الدفاعية بشكل أكثر كفاءة ذاتيّاً، خصوصاً في مجال الصناعات الصاروخية، كما يقول بهليفان.

"تَستخدم الطائرة المسيَّرة من نوع كاميكازي من طراز شهيد-136 التي تُستخدم لمرة واحدة، أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية للتوجيه ودقتها ليست عالية جداً. مداها الفعال قد يكون أقلّ من نصف ألف الكيلومتر المزعومة رسمياً"، حسبما قال بيهليفان لـTRT World. ويضيف المحلل أن هذه الطائرات المسيَّرة يمكن التخلص منها أيضاً من خلال أجهزة التشويش وأنظمة الدفاع الجوي المختلفة والمدفعية المضادَّة للطائرات وما إلى ذلك.

لكن الدمار الواسع الذي وقع الأسبوع الماضي عبر الأراضي الأوكرانية يُظهِر أيضاً أنه عندما تُستخدم الطائرات المسيَّرة الإيرانية على نطاق واسع، فليس من الممكن تغطية جميع المناطق بأنظمة الدفاع الجوي، وبالتالي يجب تحديد أولويات الحماية لأوكرانيا وفقاً لذلك، كما يقول بيهليفان.

"يبدو أنها مفيدة للغاية في ضرب محطات الطاقة وأنظمة الطاقة، كما تُستخدم لشنّ غارات إرهابية ضدّ المدنيين الأوكرانيين. إنها تكمل القدرات والأنظمة الجوية الروسية الحالية. علاوة على ذلك، فإنهم يحافظون على نظام الدفاع الجوي والإنذار الأوكراني على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وهو أمر مرهق ومكلّف للغاية"، كما يقول إريكسون، ويضيف: "عموماً، يُعَدّ هذا أمراً فعَّالاً للغاية لروسيا من حيث التكلفة".

كانت المخاوف الأوكرانية المتعلقة بالطائرات الإيرانية المسيَّرة واضحة في تصريحات كييف الأخيرة.

قال وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف الأسبوع الماضي: "يجب أن تكون لدينا أدوات لتحييد التهديدات الصاروخية للتحالف العسكري الروسي-الإيراني"، وحثَّ الغرب على نشر أنظمة دفاع صاروخي باتريوت في أوكرانيا، داعياً إلى فرض مزيد من العقوبات على طهران.



TRT عربي
الأكثر تداولاً