ماذا نعني بحروب العُملات العكسية ولماذا تتبناها الدول؟ (Reuters)
تابعنا

تندلع حروب العملات من وقت لآخر، عادة خلال لحظات الاضطراب الاقتصادي. وهي عادة ما تتضمن دولاً تتنافس فيما بينها للحصول على ميزة تصدير تنافسية ورفع نسبتها التجارية في الأسواق الدولية عن طريق خفض عملاتها، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على زيادة الإنتاج والصادرات والتوظيف، وبالتالي زيادة معدلات النمو الاقتصادية.

الأقل شيوعاً في حروب العملات هذه هو ما يُسمّى بحرب العملات العكسية، والتي يهدف من خلالها التلاعب بالعملة بقصد إضعاف عملة بلد آخر. باختصار هو وضع تعمل فيه الدول على جعل عملتها أقوى. بدلاً من تعزيز النمو، فإن الهدف من أي خطوة من هذا القبيل هو المساعدة في ترويض التضخم ، لأن العملة الأقوى تعني أن الواردات أرخص نسبياً.

وأدى ارتفاع التضخّم إلى أعلى مستوياته منذ عدة عقود في كثير من أنحاء العالم إلى زيادات حادة في تكاليف الاقتراض، مع تراجع أسواق الصرف الأجنبي. الأمر الذي أدى بدوره إلى إطلاق ما يُسميه الاقتصاديون "حرب العملة العكسية"، حيث تسعى البنوك المركزية إلى دعم أسعار صرف عملاتها مقابل الدولار، من خلال التدخل أو رفع أسعار الفائدة.

يُذكر أن مصطلح "حرب العملة" خرج للعلن لأول مرة في عام 2010، وذلك عندما صاغه وزير المالية البرازيلي جويدو مانتيجا لوصف المنافسة بين الصين واليابان والولايات المتحدة حيث بدا أنّ كل طرف يريد أدنى قيمة للعملة. في ذلك الوقت، كانت عملة البرازيل تعاني ارتفاعاً قياسياً في القيمة النقدية، مما يضرّ بنموها الاقتصادي.

الفيدرالي الأمريكي يُشعل حرب العملات

بحسب بلومبرج، فإن الارتفاع الحادّ في قيمة الدولار مع استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة بشكل حادٍ منذ ما يقرب من 30 عاماً من أجل كبح جماح التضخم، فرض تحديات على العملات والبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم.

ونتيجة لذلك، تسبب الارتفاع الصاروخي للدولار الذي شهد ارتفاع مؤشره مقابل العملات الرئيسية الأخرى بنسبة 20% تقريباً خلال العام الماضي، تاركاً الشركاء التجاريين للولايات المتحدة يواجهون مشكلة معاكسة تتمثل في محاولة دعم العملات بدلاً من تخفيضها للحد الأدنى، وذلك خوفاً من أنّ ضعفها قد يجعل سعر الدولار وواردات الطاقة والغذاء أكثر تكلفة، في تفاقم التضخم المرتفع إلى عنان السماء في كلّ مكان، وفقاً لتقرير نشرته رويترز منتصف العام الجاري.

وعلى الرغم من أن المصطلح الذي صاغه مانتيجا في أعقاب الأزمة المالية العالمية عندما ساعد ضعف أسعار الصرف في الاقتصادات المتقدمة على تحفيز النمو ودرء الانكماش، إلا أن الموجة العالمية للتضخم بعد وباء كورونا، قلبت ذلك رأساً على عقب، حيث تسابق البنوك المركزية الآن في سباق لرفع المعدلات والقضاء على التضخم.

هناك فائز واحد فقط.. الدولار

حتى الآن، من الصعب الفوز بحرب العملة "المعكوسة" ضد الاحتياطي الفيدرالي والدولار، خصوصاً أن صعود الدولار الأمريكي يُحقق ارتفاعات جديدة، حتى مع قيام السلطات النقدية في جميع أنحاء العالم برفع أسعار الفائدة أو التدخل لدعم عملاتها المحلية.

فيما اكتسب الأسبوع الثالث من سبتمبر/أيلول 2022 مكانة تاريخية فورية، حيث أدى رفع سعر الفائدة للمرة الثالثة على التوالي من الاحتياطي الفيدرالي بمقدار 75 نقطة أساس، والوعد بمزيد من التشديد في المستقبل، إلى انهيار الأسواق العالمية، ودفع الدولار إلى القمر.

ولسوء الحظ بالنسبة لبقية العالم، فإن الدولار المتفشّي هو كرة تدمير اقتصادية ومالية تقضي على معظم الأشياء في طريقها. والدمار الذي خلّفه لا يؤدي إلا إلى زيادة احتمالية تجنب المستثمرين للعملات المتداعية لصالح العملة الخضراء، وبالتالي تكثيف الحلقة المفرغة. وفقاً لتقرير نشره موقع The Globe And Mail.

وإذا ما نظرنا إلى الاتحاد الأوروبي، نجد أن ارتفع سعر الفائدة غير المسبوق للبنك المركزي الأوروبي بمقدار 75 نقطة أساس في الأسبوع السابق ووعد بالمزيد في المستقبل، فشل في منع اليورو من التراجع إلى أدنى مستوى له في 20 عاماً عند 0.97 دولار يوم الجمعة.

ووفقاً لصحيفة فايننشال تايمز، فقد الين الياباني نحو خُمس قيمته مقابل الدولار هذا العام، مما رفع سعر الواردات وساهم في ارتفاع أسعار المستهلك الأساسية في اليابان إلى 2.8% في أعلى مستوى له منذ ثماني سنوات. فيما دفع انخفاض الين إلى أدنى مستوى له في 24 عاماً مقابل الدولار إلى تدخل بنك اليابان الأول لبيع الدولار منذ عام 1998.

لدى بنك اليابان 1.3 تريليون دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، معظمها مقومة بالدولار. وبقدر ما لا يزال هذا مبلغاً محدوداً، فإن قوة شراء الين الياباني من بنك اليابان محدودة أيضاً.

من جهته، أشار الخبير الاقتصادي في سيتي جروبكييتشي موراشيما إلى أنه حتى لو ضبط بنك اليابان سياسته، فلن يغيّر بشكل أساسي الصورة الأوسع لاتساع الفجوة في الظروف المالية بين اليابان وبقية العالم. وقال: "إنه لأمر مشكوك فيه للغاية إلى أي مدى يمكن للحكومة أن تتجنب بالفعل هبوط الين مقابل الدولار".

ربما كان ارتفاع الدولار الأخير أكثر إيلاماً في طوكيو ولندن. فبعد الحرب الذي يخوضها الين، انخفض الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له منذ 37 عاماً، وهو ما حشر بنك إنجلترا في واحدة من أضيق الزوايا على الإطلاق للدفاع أمام الدولار.

TRT عربي
الأكثر تداولاً