بعد مرور قرابة 60 عاماً، منذ أن قررت فرنسا التخلي عنهم، يطلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الصفح اليوم من الحركيين الذين ساعدوا القوات الفرنسية خلال حرب تحرير الجزائر.

رغم اعتراف الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند بمسؤولية بلاده بشأن التخلي عن "الحركيين الجزائريين" الذين قاتلوا وتخابروا مع القوات الفرنسية خلال حرب التحرير الجزائرية، وإعلانه عن يوم وطني للاحتفاء بهم، إلا أن ذلك بقي مجرد خطوة رمزية. إلى حين إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاثنين 20 سبتمبر/أيلول عن مشروع قانون "تعويض" للحركيين الجزائريين طالباً باسم فرنسا "الصفح" منهم، وذلك خلال حفل استقبال بالإيليزيه.

وتعد قضية الحركيين من بين القضايا الخلافية التاريخية بين فرنسا والجزائر، التي تثير استياء وجدلاً واسعاً لدى الجزائريين الذين يعتبرون الحركيين خونة وعملاء قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي ضد بلادهم، فيما يعتبر الحركيون أنفسهم في الوقت ذاته منصفين لبلادهم، وذلك لقتالهم ضد جبهة التحرير الجزائرية التي كانوا يسمونها بالإرهاب.

من هم الحركيون؟

مع اشتعال فتيل ثورة التحرير الجزائرية عام 1954 والتي استمرت إلى حدود عام 1962، قاتلت جبهة التحرير الوطنية قوات الاحتلال الفرنسي بضراوة، وانضم إلى صفوفها عدد كبير من الجزائريين من مختلف المدن والمناطق الجزائرية، وذلك باستثناء مجموعة صغيرة عارضت حينها الجبهة بشدة، معتبرة أنها "جماعة إرهابية".

وينتمي هؤلاء أساساً إلى حركة انتصار الحريات التي أسسها مصالي الحاج بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا أطلق عليهم منذ ذلك الحين اسم الحركي أو الحركيين، اشتقاقاً من مصطلح الحركة.

إلا أن مصطلح الحركي بات يشار به بعد ذلك إلى العميل أو الخائن، حيث إن الحركيين الجزائريين، انطلاقاً من معارضتهم لجبهة التحرير الوطني آنذاك، شكلوا فرقاً مساعدة للجيش الفرنسي، وكانوا ينفذون العمليات نفسها التي ينفذها الجيش، إلا أنهم لم يتمتعوا بالرغم من ذلك كله بالامتيازات نفسها.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن عددهم قدر في ذلك الوقت بحوالي 150 ألف حركي، ممن تخابر وقاتل في صفوف قوات الاحتلال الفرنسي. وبعد انتهاء الحرب، جردوا جميعهم من أسلحتهم وغادرت القوات الفرنسية الجزائر، تاركة وراءها عملاءها، كما تترك جميع الدول المستعمرة المتعاونين معها بعد خسارة حربها أو انتهاء مهمتها على الأرض. وبقي الحركيون في مرمى نيران غضب الجزائريين الذين يتهمونهم بالعمالة والخيانة والمسؤولية عن سفك دماء ما يناهز المليون جزائري، استشهدوا في سبيل نيل بلادهم الاستقلال.

واستقبلت فرنسا في وقت لاحق نحو 60 ألفاً من الحركيين، عاملتهم باعتبارهم أهالي indigènes، وهو نظام للسكان الأصليين مطبق في المستعمرات الفرنسية منذ أواسط القرن 19، لا يعتبرهم مواطنين ويحرمهم من الجنسية الكاملة والحقوق الشاملة. ويعيشون إلى اليوم في ظروف سيئة بين مطرقة عدم القدرة على الاندماج في فرنسا، وسندان اعتبارهم في بلادهم الأصلية مجرد مجموعة من العملاء والخونة.

ووفق ما أشارت إليه تقارير صدرت مؤخراً عن مؤرخين فرنسيين استناداً إلى الأرشيف الوطني الفرنسي فإن عددهم الحالي هم وعائلاتهم في فرنسا يبلغ حوالي 450 ألف شخص، يتوزعون على 250 ألف احتياطي، و 120 ألف مجند، و 50 ألف مقاتل و30 ألفاً من الأعيان الموالين لفرنسا. ويرجح خبراء ومؤرخون أنه على الأغلب بقي حوالي 420 ألفاً كذلك في الجزائر، منتقدين ما اعتبروه مبالغات الجانب الفرنسي فيما يتعلق بعدد قتلى الحركيين من قبل جيش التحرير الوطني الجزائري.

اعتراف بالحركيين وتعويض لهم

حاولت الحكومات الفرنسية المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة، الاعتراف بالحركيين وإحياء ذكراهم. فمن الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك الذي نظم يوماً لتكريمهم عام 2001، إلى الرئيس السابق فرنسوا هولاند الذي اعترف رسمياً سنة 2016 بمسؤولية بلاده في التخلي عنهم بعد انتهاء حربها بالجزائر وبقاء المُرحلين منهم في مخيمات فرنسية تحت ظروف سيئة، وصولاً إلى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي أعلن في سبتمبر/أيلول عام 2018 عن تكريم 26 من الحركيين، ومنح ستة منهم رتبة فارس في جوقة الشرف للدولة الفرنسية، معترفاً بالجرائم الإنسانية للقوات الفرنسية خلال حربها في الجزائر.

ولكن هذه الخطوات لم تتعد كونها مجرد خطوات رمزية، لا تغير حقيقة الظروف السيئة التي يواجهها الحركيون في فرنسا، والتي كانت وراء تهديداتهم برفع قضايا لدى المحاكم الدولية، ضد الحكومة الفرنسية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

واستجابة لذلك ولمطالب الحركيين بتعويضهم عن الأضرار التي لحقتهم نهاية الحرب في الجزائر أثناء تقديمهم الدعم للجيش الفرنسي، شكّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لجنة تهتم بالقضية، ودعت اللجنة بدورها إلى إنشاء صندوق للتعويض والتضامن بقيمة 40 مليون يورو لمن اعتبرتهم المقاتلين السابقين وتشمل أيضاً أبناءهم من الجيل الثاني.

وبينما يبدو اليوم السجل الانتخابي لإيمانويل ماكرون مثقلاً بالهزائم، تشير صحيفة لوموند الفرنسية إلي أن الأخير بدأ يلتجئ إلى شريحة استراتيجية من السكان استعداداً لخوض انتخابات 2022، وذلك من خلال دعوته لحوالي 300 شخص من المقاتلين السابقين في صفوف الجيش الفرنسي وأغلبهم من الحركيين، إلى قصر الإليزيه، وعبّر عن أسفه وطلب الصفح منهم نيابة عن فرنسا التي تخلت عنهم حينها في ظروف مأساوية واستقبلت بعضهم في ظروف سيئة لا تكافئ ما قدموه لأجل فرنسا، وشدد ماكرون في خطابه قائلاً "الحركيون قدموا قوتهم، وسفكوا دماءهم من أجل فرنسا.. وعندما تهين حركياً، فأنت تهين فرنسا"

كما أعلن ماكرون عن مشروع قانون اعتراف وتعويض مستقبلي يمثل "خطوة جديدة وحقيقية" في سياق "الاعتراف" بـ "تخلّي" الدولة الفرنسية عنهم عام 1962. ومن المقرر أن يدخل القانون حيز التنفيذ نهاية السنة الحالية.

TRT عربي
الأكثر تداولاً